عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Aug-2026

قراءة دستورية وسياسية في التعديل الوزاري*أ. د. ليث كمال نصراوين

 الراي 

صدرت الإرادة الملكية السامية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة الدكتور جعفر حسان، اقتصر على إعادة ترتيب بعض المواقع والحقائب الوزارية، دون إدخال أعضاء جدد إلى الفريق الحكومي. فقد ارتبط إنشاء وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية باستحقاق دستوري يتمثل بإعادة تعيين الوزير الذي سيتولى الحقيبة وأدائه اليمين الدستورية لتولي مهام الوزارة الجديدة، في حين يندرج تعيين نائبين لرئيس الوزراء في إطار تنظيم العمل داخل مجلس الوزراء، دون أن ينشئ ذلك مركزا دستوريا مستقلا أو سلطة رئاسية لهما على بقية الوزراء
ومن الناحية الدستورية، فإن الإبقاء على أعضاء الفريق الوزاري ينسجم مع فلسفة الثقة على البيان الوزاري، ويعزز مسؤولية الحكومة عن الوفاء بما تضمنه من خطط وتعهدات مستقبلية. فالثقة، وإن كانت تمنح على أساس البرامج التي تتعهد الحكومة بتنفيذها، فإنها ترتبط أيضا بالوزراء القائمين على تطبيقها، بما يجعل بقاءهم في مواقعهم أساسا لمساءلتهم عن مدى الإنجاز والالتزام بما تعهدوا به أمام مجلس النواب.
 
أما سياسيا، فإن أبرز ما يكشف عنه التعديل الأخير هو تمسك رئيس الوزراء باستقلال قراره في إدارة فريقه الوزاري، وهي استقلالية تمتد إلى علاقته بالسلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب. فالعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يحكمها الدستور على أساس التعاون والرقابة، مع تمتع رئيس الوزراء بمساحة مستقلة في إدارة شؤون حكومته وتقدير أداء أعضائها. ومن هنا، فقد خالف الرئيس التوقعات التي رجحت إجراء تعديل واسع وإدخال أسماء جديدة إلى الحكومة، واختار الإبقاء على فريقه وتجديد الثقة بأعضائه، متحملا في المقابل المسؤولية السياسية عن هذا الاختيار ونتائجه.
 
وقد ظهر ذلك عمليا في موقف رئيس الوزراء من الانتقادات النيابية التي طالت أداء بعض الوزراء خلال الفترة الماضية، ووصلت إلى حد وصف بعضهم بـ"وزراء التأزيم". فعلى الرغم من صراحة هذه الانتقادات وارتفاع سقفها، فإنها لم تنعكس على تركيبة الفريق الحكومي في التعديل الأخير، ولم تؤد إلى خروج الوزراء الذين طالتهم، بما يؤكد أن رئيس الوزراء احتفظ بتقديره الخاص لأداء أعضاء فريقه ومدى الحاجة إلى إجراء تغيير بينهم.
 
وبهذا يكون رئيس الوزراء قد أعاد الكرة إلى ملعب مجلس النواب، في تجسيد للفصل بين إدارة التشكيل الوزاري والرقابة عليه؛ فالانتقاد النيابي لأداء الوزير لا يشكل بحد ذاته مبررا لإخراجه من الحكومة، وإنما يملك النواب أدواتهم الدستورية في المساءلة وطرح الثقة. ومن ثم، فإن استمرار هؤلاء الوزراء في مواقعهم يفترض أن يجعل أداءهم موضع مساءلة أكبر بعد انتهاء الدورة الاستثنائية وبدء الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة، وأن يدفع النواب إلى استخدام أدواتهم الرقابية تجاه من سبق أن أبدوا تحفظات مباشرة على أدائهم.
 
ويظهر هذا التوجه أيضا في استمرار الجمع بين حقيبتي العمل والنقل. فبعد قبول استقالة وزير العمل في التعديل السابق وتعيين وزير جديد يتولى الحقيبتين معا، كان متوقعا لدى البعض أن يكون التعديل الأخير مناسبة لإعادة الفصل بينهما. إلا أن رئيس الوزراء اختار الإبقاء على هذا الترتيب، بما يؤشر إلى أن الجمع بينهما لم يكن تدبيرا مؤقتا فرضته الظروف، وإنما خيارا تنظيميا تبناه في إدارة فريقه وتوزيع الحقائب الوزارية.
 
أما في مواجهة الرأي العام، فيسجل لرئيس الوزراء استقلال قراره عن المطالبات بتوسيع نطاق التعديل التي سادت مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإخبارية. ولا يعني ذلك عدم اهتمامه بالرأي العام أو تفاعله معه، فممارسات حكومته تقدم أمثلة على الاستجابة للعديد من المطالب الشعبية، أبرزها تعديل نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام بخصوص الإجازات دون راتب للموظفين العموميين، وإقرار التعويض الكامل للأراضي المستملكة لمشروع سكة حديد العقبة دون تطبيق خصم الربع القانوني.
 
خلاصة القول، إن التعديل الحكومي الأخير يكشف عن معادلة دستورية وسياسية قوامها استقلال رئيس الوزراء في إدارة شؤون وزارته وفريقه العامل معه، مقابل تحمله المسؤولية السياسية عن هذا الاختيار ونتائجه، مع بقاء مجلس النواب صاحب الاختصاص في الرقابة والمحاسبة. كما أن استقرار الفريق الوزاري يوفر فرصة لاستمرارية السياسات والبرامج، لكنه في المقابل يرفع سقف المسؤولية عن النتائج، ليصبح الإنجاز المعيار الحقيقي للحكم على نجاح الحكومة وجدوى استمرار فريقها.