عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Aug-2026

ثقل الحقيبة المدرسية.. عنوان لمشكلة أكبر في نظامنا التعليمي*محمود خطاطبة

 الغد

أيام قليلة تفصلنا عن بدء عام دراسي جديد، يعود فيه نحو مليوني طالب وطالبة إلى مدارسهم، وتعود معهم كما في كُل عام الحقيبة المدرسية نفسها ثقيلة على الظهور، وثقيلة أكثر على ذاكرة من ظل يسمع منذ عقود عن خطط ودراسات وبرامج لمُعالجة هذه المُشكلة دون أن يرى حلًا حقيقيًا على الأرض. 
 
 
منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وأنا أسمع الحديث نفسه تقريبًا دراسات عن وزن الحقيبة، توصيات بتخفيف مُحتوياتها، مُقترحات لاستخدام خزائن مدرسية، وأفكار تتعلق بالكتب الإلكترونية أو توزيع الكُتب على أيام الأسبوع. تتغير المُفردات والنبرة، وتتغير الجهات التي تُناقش الموضوع، لكن شيئًا واحدًا لا يتغير: الطالب ما يزال يحمل حقيبته على ظهره، ويمضي بها إلى المدرسة ويعود بها إلى البيت.
قد يبدو الأمر تفصيلًا صغيرًا وسط ملفات كبيرة تشغل التعليم، لكنه ليس كذلك فحين يحمل طفل في الصفوف الأولى حقيبة أثقل من حجم جسده ثم يمشي بها مسافة طويلة ذهابًا وإيابًا، فإننا لا نتحدث فقط عن وسيلة لنقل الكُتب نحن نتحدث عن عبء يومي، يتكرر مئات المرات خلال العام الدراسي، والأمر يُصبح أكثر جدية إذا تذكرنا واقع المواصلات العامة، وغياب الأرصفة والممرات الآمنة.
السواد الأعظم من أبناء الأردن يذهبون إلى مدارسهم سيرًا على الأقدام، لأن كُلفة النقل أصبحت فوق قُدرة بعض الأُسر، وقلة قليلة في حافلات مدرسية ضمن مشروع النقل أو في مدارس خاصة وحالهم أقل سوءا بقليل من بقية الطلبة وليس أفضل.
عندما يسير الطالب إلى مدرسته وأحيانًا لمسافات طويلة ويحمل حقيبته معه في شوارع لم تُصمم دائمًا لتكون آمنة للأطفال؛ هُنا تتغير المُشكلة قليلًا، إذ لم تعد الحقيبة مُجرد قضية صحية تتعلق بالظهر والكتفين على أهميتها، بل لها علاقة أيضًا بسلامة أبنائنا في الطريق، طفل يحمل حقيبة ثقيلة، وربما يعبر شوارع مُكتظة وغير مُنظمة يمشي بمُحاذاة المركبات، وقد يضطر إلى قطع طرق رئيسة في طريقه إلى المدرسة أو منها وفي نهاية اليوم، يفعل الشيء نفسه وهو عائد إلى منزله.
ولعل أكثر ما يُثير الاستغراب أن هذه المُشكلة ليست جديدة حتى نقول إننا فوجئنا بها؛ نحن نعرفها منذ سنوات طويلة، ونعرف أسبابها، ونعرف أيضًا أن التكنولوجيا قدمت بدائل لم تكن مُتاحة قبل عقود، ومع ذلك بقيت الحقيبة المدرسية حاضرة كما هي.
المُشكلة في رأيي، ليست أننا لا نعرف كيف نحل مُشكلة الحقيبة، وإنما أننا تعاملنا معها طويلًا باعتبارها مُشكلة صغيرة يُمكن تأجيلها، وهذا النوع من المُشكلات هو الذي يبقى معنا سنوات طويلة؛ لأن أحدًا لا يراها بالخطورة التي تستحقها في اللحظة التي يجب أن يُتخذ فيها القرار.
واليوم، لم تعدْ المدرسة بحاجة إلى أن تُحمّل الطالب كُل كتبه إلى البيت كُل يوم، حيث يُمكن أن يبقى جزء من المواد داخل المدرسة، ويُمكن تنظيم استخدام الكتب، ويُمكن توسيع الاعتماد على المحتوى الرقمي، ويُمكن أن تكون هُناك حلول أبسط من كُل ذلك، إذا كانت المُشكلة في الكُلفة أو البنية التحتية، لكن المطلوب أولًا أن نتوقف عن التعامل مع الحقيبة كأنها قدر لا يُمكن تغييره.
هُناك أيضًا جانب آخر لا يقل أهمية، فإذا كُنا نتحدث باستمرار عن تحديث التعليم، والتعليم الرقمي، ومهارات المُستقبل، فمن الصعب أن نفهم لماذا ما يزال طفل في العام 2026 يحمل على ظهره مجموعة كبيرة من الكتب والدفاتر لمُجرد أن النظام التعليمي لم يجد حتى الآن طريقة أكثر كفاءة لإدارة محتواه.
ربما آن الأوان لأن نطرح السؤال بصورة مُختلفة: هل المُشكلة فعلًا في الحقيبة، أم في الطريقة التي صممنا بها اليوم الدراسي كُله، فإذا كان الطالب يحتاج إلى حمل كُل ما يحتاجه من الكتب والدفاتر معه من البيت إلى المدرسة ثم العودة بها مرة أخرى، فربما نحن أمام مُشكلة في تصميم العملية التعليمية قبل أن تكون مُشكلة في الحقيبة نفسها؛ والأهم أن الحل لا ينبغي أن يكون مشروعًا جديدًا يحتاج سنوات من الدراسات واللجان والاجتماعات.
هذه قضية يُمكن البدء بمُعالجتها تدريجيًا، مدرسة بعد أُخرى، ومرحلة بعد أُخرى، من خلال إجراءات عملية يعرفها الجميع، والتي تتمثل بتقليل ما يحمله الطالب، وتوفير أماكن لحفظ الكتب، وإعادة تنظيم الواجبات والمواد المطلوبة يوميًا، والاستفادة من الأدوات الرقمية حيث تكون مُناسبة وقابلة للتطبيق.
لا أعتقد أن المطلوب إعادة اختراع العجلة، بل فقط أن نُقرر أن الطفل لا ينبغي أن يدفع ثمن تعقيد النظام التعليمي بظهره، ولا أن تتحول رحلة ذهابه إلى المدرسة وعودته منها إلى مُخاطرة إضافية لأن أُسرته لا تستطيع تحمل كُلفة النقل.
نحو مليوني طالب وطالبة يدخلون مدارسهم هذا العام، وربما تكون هذه فرصة جيدة لأن ننظر إلى الصورة من زاوية مُختلفة، فبدل أن نسأل كُل عام: كيف نُخفف وزن الحقيبة؛ ربما حان الوقت أن نسأل السؤال الأصعب والأكثر فائدة: «لماذا يحتاج الطالب أصلًا إلى حمل كُل هذه الأشياء معه؟».