الغد
ويل فريمان* - (إندبندنت عربية) 20/1/2026
أحدث اعتقال مادورو هزة سياسية في أميركا اللاتينية. فقد ترسخت ديلسي رودريغيز في السلطة في فنزويلا بدعم أميركي يركز على النفط. وتقترب كوبا من حافة الانهيار، وتتجه العلاقة مع كولومبيا نحو مزيد من التصعيد، بينما تراقب دول المنطقة بحذر ما إذا كان نفوذ واشنطن يتسع أو يتصدع، وسط تساؤلات عن قدرة ترامب على إعادة رسم خريطة القوة في النصف الغربي من العالم.
في الثالث من كانون الثاني (يناير)، نفذت القوات الأميركية أمراً كان الكثير من المراقبين يعتبرونه مستحيلاً. على وجه السرعة، قامت هذه القوات باعتقال وأسر نيكولاس مادورو، الطاغية الفنزويلي المراوغ الذي كان يبدو عصياً على أي انقلاب. وعلى مدى أعوام، أثبت مادورو خبرته في الاستمرار الاستبدادي -ساحقاً على الأقل تسع حالات عصيان عسكرية، ومتغلباً على الضغط الاقتصادي الأميركي. لكنه في صبيحة مبكرة من أحد أيام السبت الماضية سقط من دون أي قتال عملياً. ولم تواجه طوافات "قوات دلتا" (الأميركية) سوى رشقات نار محدودة أثناء تحليقها المنخفض فوق أسطح كراكاس وهي تتوجه إلى مخبأ مادورو الذي اقتحمه الجنود الأميركيون ودخلوه واعتقلوا الزعيم الفنزويلي وزوجته ونقلوهما إلى حاملة طائرات. وبعد ساعات، ظهر مادورو وزوجته معاً خلف القضبان في نيويورك، ليواجها تهماً متعلقة بالمخدرات والأسلحة. ولم يقتل أي أميركي في العملية (الخاطفة) على الرغم من مصرع 80 كوبياً وفنزويلياً على الأقل، بينهم بعض المدنيين. وبدت العملية بالإجمال شديدة السهولة، حتى أن محللين كثيرين تساءلوا، محقين، عما إذا كانت أطراف من داخل النظام قد ساعدت في تسليم مادورو، منفذة عملياً انقلاباً داخلياً بالوكالة. وفي الوقت ذاته، مثلت العملية استعراضاً درامياً لاستعداد ترامب لإدارة ظهره لما بقي مما يسمى "النظام الدولي المستند إلى القواعد"، واستخدام القوة العسكرية لتأكيد هيمنة الولايات المتحدة على النصف الغربي من الكرة الأرضية.
في الأيام التي تلت العملية، أقام الفنزويليون الذين يعيشون خارج البلاد تجمعات صاخبة احتفاءً بسقوط طاغية بلدهم. لكن فنزويلا نفسها ظلت قابعة في الصمت، حيث بدا معظم الناس هناك مقتنعين باحتمال ألا يكون شيء كبير قد تغير في الحقيقة. ففي النهاية، ترك ترامب نظام البلاد على حاله تقريباً، معترفاً بديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس في عهد مادورو، كرئيسة انتقالية حتى قبل أن تقوم رودريغيز نفسها بإعلان قبولها لهذا المنصب. ويتركز السؤال الآن حول ما إذا كانت التحولات في هذا البلد ستبقى محدودة نسبياً، أو ما إذا كانت إزاحة مادورو تؤشر على تغييرات أكبر داخل فنزويلا -وفي منطقة أميركا اللاتينية بأسرها.
يمكن في هذا الإطار تأمل مجموعة كبيرة من الاحتمالات. من الممكن أن تؤدي إزاحة مادورو إلى تسهيل انتقال فنزويلا نحو الديمقراطية، وإلى خنق النظام القائم في كوبا، وتعزيز مسعى ترامب إلى تأكيد الهيمنة الإقليمية للولايات المتحدة. ومقابل ذلك، يمكن قيام صيغة معدلة من نظام مادورو. وهذه الصيغة قد تقبل ببساطة، على النقيض مما كان سائداً، بمزيد من المرحَّلين من الولايات المتحدة، وتمنح واشنطن السيطرة على احتياطات فنزويلا النفطية من دون تحقيق تغييرات كبيرة في البلاد في النواحي الأخرى. وقد تكون ارتدادات الصدمة إقليمياً محدودة. وفي الواقع، قد يؤدي عدم القدرة على فرض تغيير جذري في فنزويلا إلى الكشف عن حدود القوة الأميركية.
لكن النتائج الفعلية ستقع على الأرجح في مكان ما بين هذين الحدين. على المدى القصير، ستبدو تداعيات الحدَث على فنزويلا محدودة، حيث سيحاول ترامب العمل مع النظام المعاد تشكيله لضمان تحقيق هدفه الأول: الوصول إلى النفط. وقد تردّ بعض الحكومات في أميركا اللاتينية بالكلمات، لكن معظمها سيتجنب اتخاذ خطوات فعلية كي لا يثير غضب ترامب. ومع مرور الوقت، قد تصبح الأوضاع أكثر تعقيداً، ومن المحتمل أن يعاود ترامب استهداف فنزويلا، خصوصاً إذا أبدت رودريغيز عدم استعداد -أو عدم قدرة نتيجة قيود يفرضها مسؤولون آخرون في النظام- للرضوخ لتوجيهاته. ومن المرجح أن تتراجع شحنات النفط الفنزويلية المتجهة إلى كوبا، مما سيضعف -وإن لم يؤدِّ بالضرورة إلى انهيار- النظام المتعثر أصلاً في الجزيرة. وقد تواجه كولومبيا احتمال تدخل أميركي، نظراً إلى أن رئيسها اليساري -بخلاف معظم جيرانها- يبدو مستعداً للصدام مع ترامب، في وقت يرحب فيه ترامب نفسه بهذا النزاع. والأهم هو أن دولاً في أميركا اللاتينية، خصوصاً الأكبر والأبعد جغرافياً، قد تسعى إلى مزيد من تنويع علاقاتها الاقتصادية والأمنية لتقليل اعتمادها على واشنطن ذات النهج المتشدد والمتطلب. بعبارة أخرى، ربما يدفع هجوم ترامب الإقليم إلى الأمام... أو يعطله.
المسار الأسهل
للتعرف إلى ملامح التغيير المحتمل في فنزويلا والمنطقة، ينبغي للمحللين أن يركزوا أولاً على مدى اتساع مطالب إدارة ترامب من القيادة الفنزويلية المُعاد تشكيلها. وهذا يتطلب الانصراف عن التصريحات الارتجالية التي يطلقها ترامب علناً والتي تتبدل باستمرار، والالتفات بدلاً من ذلك إلى التقارير والتسريبات حول ما يضغط هو وفريقه خلف الأبواب المغلقة على كاراكاس لتنفيذه.
من الممكن، وفق أحد الاحتمالات، أن تكون هذه المطالب محدودة: إتاحة احتياطات فنزويلا النفطية لسيطرة الأميركيين واستثماراتهم على المدى البعيد، واستبعاد وتهميش بعض المنافسين الجيوسياسيين -ومن بينهم إيران وكوبا- وإجبار كراكاس على قبول أعداد متزايدة من المرحلين (المهاجرين الفنزويليين غير الشرعيين في الولايات المتحدة). وكان ترامب قد أشار إلى سيناريو كهذا خلال مؤتمره الصحفي في الثالث من كانون الثاني (يناير)، حين شدد على أهمية نفط فنزويلا من دون أن يبدي اهتماماً كبيراً بمسألة استعادة ديمقراطيتها. وفي الواقع، بالكاد أتى ترامب على ذكر المعارضة الفنزويلية. وحين ذكرها، كان فقط ليقول إن زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة مؤخراً "جائزة نوبل للسلام"، لا تحظى بـ"التقدير" الكافي كي تدير البلاد. ورأى ترامب في المقابل أن ديلسي رودريغيز، الموالية منذ فترة طويلة لمادورو وسلفه هوغو تشافيز، قادرة على جعل بلدها "عظيماً من جديد". كذلك قال ترامب إن فريقاً من المسؤولين الإداريين سيتولى "إدارة" فنزويلا، على الرغم من إعلان الإدارة الأميركية لاحقاً أنه كان يقصد أن واشنطن ستدير شؤون هذا البلد بطريقة غير مباشرة من خلال إنذار من بقي من قادة نظام مادورو للامتثال للمطالب الأميركية.
قد تُرضي أجندة أميركية محدودة كهذه كثيرين من أعضاء فريق ترامب، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، وكبير المستشارين السياسيين ستيفن ميلر، وباقي المتشككين تجاه مشاريع بناء الدول في الخارج (أو ما يعرف بمشاريع "بناء-الأمة") الذين يفضلون التركيز أكثر على الأولويات والمسائل الأميركية الداخلية. وقد يرى ترامب نفسه أن هذا المسار هو الأسهل والأقل إثارة للجدل بين الأميركيين. وقد أظهر استطلاع رأي أُجري في الخامس من كانون الثاني (يناير) أن ثلثهم فقط يدعمون استخدام القوة العسكرية لإزاحة مادورو. وقال أحد موظفي الكونغرس، طالباً عدم الكشف عن اسمه: "لقد شهدنا اتفاقاً تجارياً تزامن مع تغيير في القيادة".
لكن شخصيات أخرى موالية لترامب أبدت رغبتها في الدفع نحو تغييرات أعمق وأكثر طموحاً: أي إنهاء النظام الاشتراكي البوليفاري في فنزويلا وعودة الديمقراطية، على الأرجح عبر مفاوضات. ومن بين هؤلاء وزير الخارجية ماركو روبيو وجمهوريون نافذون في الكونغرس. وعلى الرغم من أن ترامب يبدو أقل اهتماماً بالديمقراطية، فإن لروبيو تأثيراً كبيراً في سياسات الإدارة المتعلقة بأميركا اللاتينية، وقد يتمكن من إقناع الفريق بأن الانتقال الديمقراطي يخدم مصالحهم. وقد يحاول مشرعون جمهوريون أيضاً إقناع ترامب بأن التركيز على هدفين ضيقين -النفط والهجرة- قد يضر بالحزب انتخابياً، خصوصاً بين الناخبين اللاتينيين في فلوريدا المتحمسين لتغيير النظام في فنزويلا وكوبا، والكثير منهم يشعرون أصلاً بالاستياء من تشدد ترامب غير المتوقع في سياسات الترحيل. (في هذا الإطار، انتخبت ميامي للتو عمدة ديمقراطياً للمرة الأولى منذ نحو 30 عاماً).
ستعتمد خيارات ترامب أيضاً على ما ستقرره القيادة الفنزويلية نفسها. فإذا تحدت البيت الأبيض برفضها التخلي عن حقوق النفط أو تقليص العلاقات مع كوبا، فإن واشنطن قد تهاجم فنزويلا مجدداً، كما كرر ترامب. لكن التعاون يبدو هو الاحتمال الأرجح. من المعروف عن رودريغيز براغماتيتها. وعلى الرغم من إداناتها العلنية لواشنطن، فإن تلك التصريحات قد تكون مجرد محاولة لطمأنة المتشددين داخل النظام ومنافسيها المحتملين، مثل ديوسدادو كابيو، وزير الداخلية والعدل والسلام. وربما تهدف أيضاً إلى صرف الأنظار عن الشبهات بأنها قامت بدور في الإطاحة بمادورو. وفي الحالتين، لا ينبغي أخذ تلك التصريحات بحرفيتها.
وفقاً لما كشف عنه تقرير نشر في صحيفة "ميامي هيرالد"، عرضت رودريغيز وشقيقها الذي أعيد تعيينه رئيساً للجمعية الوطنية، خطة على مسؤولين أميركيين العام الماضي تقضي بأن تتولى هي السلطة بدلاً من مادورو وتعمل مع الولايات المتحدة، مقابل عدم إسقاط نظام بلادها. (ويقول التقرير إن روبيو هو الذي حال دون إبرام الاتفاق). وتشير تقارير إعلامية إلى أن ارتباطها بكوبا أضعف مما كان عليه مادورو نتيجة استيائها من عجز هافانا عن دفع مستحقاتها لقاء شحنات النفط الفنزويلي. وقد صرّح بعض مسؤولي الإدارة الأميركية لصحيفة "نيويورك تايمز"، بصورة غير رسمية، بأنهم يعتقدون أنه يمكن التعامل معها. وإذا كانت رودريغيز أو غيرها من مسؤولي النظام قد تواطأوا سراً مع الولايات المتحدة في الحقيقة لتسليم مادورو -كما يبدو ممكناً- فإن هذا التعاون مع واشنطن ربما يكون قد بدأ بالفعل.
لدى ترامب في هذا الإطار حافز آخر لإبقاء مطالبه لرودريغيز محدودة. وإذا قام بذلك فعلاً، تصبح موافقتها على هذه المطالب أكثر ترجيحاً. كما لا يريد معظم المسؤولين الأميركيين على الأرجح مهاجمة كراكاس مرة أخرى، حيث ستؤدي خطوة كهذه ببساطة إلى إثارة الفوضى بدلاً من فرض الطاعة. ومن هنا، فإن التوصل إلى اتفاق محدود -تأمين الدعم لرودريغيز مقابل مزيد من النفط وتقليص المساعدات لهافانا- يمثل المسار الأسهل لكلا الطرفين.
بالطبع، كي تتعاون فنزويلا مع المطالب المطروحة أمامها، سواء أكانت محدودة أو واسعة النطاق، ينبغي أن يكون هناك من يقود البلاد ويحكمها. وفي الوقت الحالي، ولغاية الآن، تقوم رودريغيز وشقيقها بذلك. لكنهما يواجهان منافسين محتملين أقوياء -أبرزهم كابيو الذي يتمتع بنفوذ على القوات الفنزويلية شبه العسكرية، أو ما يعرف بالـ"كوليكتيفوس" colectivos، وأيضاً على قوات الشرطة الوطنية وأقسام من أجهزتها الاستخباراتية. وقد يرغب كابيو في وقف تعاون كراكاس مع البيت الأبيض الذي ينظر إليه بريبة شديدة (اتهمت وزارة العدل الأميركية كابيو، فضلاً عن مادورو، بتهريب المخدرات). وإذا لم يتمكن كابيو من حمل رودريغيز على تنفيذ طلباته في هذا الاتجاه، فربما يحاول عزلها أو بث الاضطرابات في البلاد كي تغدو فنزويلا عصية على الحكم. وفي تلك الحالة، سيعتمد الكثير على موقف قائد القوات المسلحة الفنزويلية، فلاديمير بادرينو لوبيز، وهو القطب الثالث في السلطة. وفي الوقت الحالي، من المستحيل التنبؤ بمن سينحاز إليه أو ما إذا كان قادراً على الحفاظ على تماسك الجيش في حال تفاقم الصراع الداخلي.
مشكلات حكم
إذا تعاونت رودريغيز مع ترامب وتمكنت من الحفاظ على سيطرتها على البلاد، فقد لا يكون النظام الأكثر تعرضاً للضغط الفوري في أميركا اللاتينية هو النظام الفنزويلي، بل النظام الكوبي. فهافانا تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الفنزويلي، وكانت تعيش أوضاعاً خانقة حتى قبل أن يُقدم ترامب على اعتقال مادورو. ويشهد الاقتصاد الكوبي انهياراً واسعاً، حيث تراجعت السياحة -قطاعه الرئيسي- إلى ما يقرب من نصف مستويات ما قبل الجائحة من دون أي مؤشرات على التعافي، فيما ترتفع معدلات الجريمة والأمراض مع تفكك أجهزة الشرطة والمستشفيات بسبب نقص التمويل. وقد واجه النظام الكوبي ضغوطاً هائلة في السابق، لكنه يمر اليوم بأخطر أزماته على الإطلاق.
تتمثل المخاطرة الأكثر إلحاحاً أمام قادة كوبا في ملف الطاقة. فالجزيرة تعتمد بصورة شبه كاملة على الوقود المستورد -معظمه من فنزويلا- لتشغيل شبكة الكهرباء المتداعية أصلاً. ويُحرم أكثر من 40 في المائة من البلاد من الطاقة خلال ساعات الذروة، فيما لا تحصل بعض المقاطعات إلا على ساعتين إلى أربع ساعات من الكهرباء يومياً. وإذا قطعت واشنطن وصول النفط الفنزويلي إلى كوبا بالكامل -بعد أن أوقفت البحرية الأميركية بالفعل جزءاً من الشحنات- فقد تنهار الشبكة بالكامل. وستحاول هافانا حتماً البحث عن موردين آخرين، لكن الخيارات تبدو محدودة. وترسل المكسيك كميات أقل مما كانت تفعل. ومع تهديد ترامب المتكرر بمهاجمة الأراضي المكسيكية، لن تجرؤ على زيادة الإمدادات. ولا تبدو البرازيل مستعدة لتحل محل فنزويلا في هذا الشأن، خصوصاً وأن الرئيس اليساري، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الساعي إلى إعادة انتخابه العام المقبل، يدرك أن ذلك قد يضر بعلاقته المحسنة حديثاً مع ترامب، وربما يستدعي تدخلاً انتخابياً. كما أن روسيا المنهمكة في حربها بأوكرانيا، والصين، ليستا في وارد سد هذا النقص.
إذا غرقت هافانا، التي كثيراً ما حظيت بحماية من الانقطاعات الطويلة، في العتمة، فقد يشهد النظام احتجاجات شعبية تضاهي، أو تتجاوز، تظاهرات تموز (يوليو) من العام 2021 التي كانت الأولى بهذا الحجم منذ عقود، وكشفت عن مدى غضب الشارع. وقد يجد النظام صعوبة في احتواء موجة تحركات واسعة، خصوصاً إذا اندلعت في أحياء العاصمة المكتظة. وعلى الرغم من أن قوات الأمن الكوبية تتبع أساليب قمعية شديدة -كالاعتقال والتعذيب والتهديد- فإنها لم تقدم يوماً على إطلاق النار وقتل عشرات المتظاهرين. ويبقى من غير الواضح ما الذي قد يترتب على تغير هذا الخط الأحمر وما إذا كانت الاحتجاجات قد تتوسع على نحو متسلسل.
على الرغم من كل ذلك، من الممكن أن يصمد النظام حتى في وجه هذا السيناريو القاتم. فالجيش الكوبي يملك مصلحة وجودية في بقاء النظام، حيث يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد عبر شبكة من الشركات التي ستختفي في حال حدوث انتقال سياسي. ولا يبدو أن هناك جهة داخلية قادرة على تحدي القوات المسلحة. وكما هو الحال مع نظام مادورو، فإن إسقاط النظام الشيوعي الكوبي قد يتطلب عملية عسكرية أميركية -وهو خيار لا يبدو أن ترامب ولا الرأي العام الأميركي يرغبان فيه. وقد صرح ترامب، مؤخراً، بأنه يعتقد أن النظام الكوبي سينهار من تلقاء نفسه، من دون تدخل أميركي مباشر.
إلا أن ترامب هدد في الإطار عينه باستخدام القوة العسكرية المباشرة ضد كولومبيا. وقال إن هذا البلد "محكوم من قبل شخص مريض، يحب صناعة الكوكايين وبيعه إلى الولايات المتحدة، وهو لن يستمر في ذلك طويلاً". ومن جهته، انتُخب الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، وعلى عكس قادة فنزويلا وكوبا، ديمقراطياً. وهو يساري يتعارض أيديولوجياً مع ترامب، وربطته في بعض الأحيان علاقة ودية بمادورو.
وعلى الرغم من ذلك، لا يبدي بيترو أي نية لتغيير سلوكه، بل يبدو أنه يستمتع بالمواجهة لأنها تمنحه منصة دولية كثيراً ما سعى إليها، وهو يعتقد بأنها قد تفيد مرشحه المفضل للرئاسة، إيفان سيبيدا الذي يواجه انتقادات تتعلق بضعف أداء الحكومة الحالية قبل الانتخابات المقررة خلال أشهر قليلة. ويرى بيترو أن صراعه مع ترامب قد يحرف النقاش بعيداً من التحديات الداخلية الملحة.
وهناك أسباب للتشكيك في تنفيذ ترامب تهديداته ضد بوغوتا، إذ تتوقع واشنطن فوز رئيس محافظ في انتخابات أيار (مايو) المقبل في البلاد. كما تعتمد الولايات المتحدة بصورة كبيرة على كولومبيا، شريكتها الأمنية الأساسية في أميركا اللاتينية، للمساعدة في جهود مكافحة المخدرات. ولكن لا يمكن التنبؤ بتصرفات ترامب. وإذا ما استمر بيترو في ردود أفعاله الصريحة على التحركات الأميركية في فنزويلا، فقد يتدخل ترامب بقوة، بطريقة ما.
أميركا أولاً؟
بعيداً عن كوبا وكولومبيا -وبطبيعة الحال فنزويلا- يبدو أن الإطاحة بمادورو لن تترك تداعيات كبيرة على المدى القريب. فقد انتقد الرئيس البرازيلي لولا ضربات واشنطن، لكنه سارع إلى الاعتراف برودريغيز رئيسة انتقالية، ولم يظهر أي رغبة حقيقية في الدفاع عن مادورو. وكذلك فعلت رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم -وهي يسارية أخرى كانت في بعض الأحيان مقربة من مادورو- إلا أن لديها أولويات أكثر إلحاحاً، مثل إدارة مفاوضات التجارة المقبلة، وتجنب أي ضربات عسكرية أميركية محتملة على الأراضي المكسيكية ضد عصابات المخدرات. وتعتمد المكسيك بشدة على التجارة مع الولايات المتحدة، مما يحد كثيراً من قدرتها على المناورة.
يشير هذا الصمت إلى أن معظم نصف الكرة الغربي يقع، في الوقت الراهن، ضمن نطاق النفوذ الأميركي المباشر. وعلى مدى أعوام، راقب المحللون تنامي الحضور الصيني في المنطقة، وأشاروا إلى تراجع نفوذ واشنطن. لكن عملية توقيف مادورو تظهر أن الإدارات الأميركية السابقة -بدافع الحذر أو التزام القانون والأعراف، وربما الإهمال- كانت ببساطة لا تستخدم النفوذ الكبير الذي كثيراً ما امتلكته الولايات المتحدة في محيطها الإقليمي.
ولكن، يبقى من غير المؤكد اليوم ما إذا كان تدخل ترامب في فنزويلا سيصبح إثباتاً للقوة الأميركية أم أنه سيكشف عن محدودية هذه القوة ويسهم في نهاية المطاف بتآكلها. هناك بلدان عدة تسارع اليوم، في سياق ردها على الاستخدام العقابي للرسوم الجمركية من جانب ترامب، بالفعل إلى تعزيز علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع آسيا وأوروبا. وتقوم بعض الدول في هذا الإطار، من بينها البرازيل، بتجربة بناء علاقات أوثق مع الصين في قطاعي الدفاع والتكنولوجيا، تباعاً. وقد تؤدي إزاحة مادورو إلى تسريع هذه التوجهات. كذلك، من الممكن أن يفقد ترامب اهتمامه بما يعرف بـ"الخارج القريب من واشنطن"، فينتقل إلى مسائل أخرى في أجندته الدولية. إلا أن استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الإدارة الأميركية مؤخراً تضع نصف الكرة الغربي قبل أي منطقة أخرى في العالم. كما أن اعتقال مادورو والحشد العسكري البحري الضخم الذي تنشره الولايات المتحدة في منطقة الكاريبي يشيران إلى أن هذا الطموح ليس مجرد تهويل خطابي. لكنّ هذه الإعادة لتوزيع الموارد لا تستمر طويلاً. فباستثناء ماركو روبيو، لا يبدو أن كثرين داخل إدارة ترامب يستثمرون شخصياً في سياسة خارجية تحت شعار "الأميركتين أولاً"، بما يتجاوز الأمن والتعاون في مكافحة الجريمة وزيادة عمليات الترحيل.
وعليه، فإن ما سيقدم عليه ترامب تالياً في فنزويلا ومنطقة الكاريبي سيكون مؤشراً حاسماً. وسوف تختبر تدخلاته إلى أي مدى ما يزال بمقدور الولايات المتحدة تشكيل ملامح المشهد السياسي في نصف الكرة الغربي.
*ويل فريمان: زميل في الدراسات الأميركية اللاتينية بمركز الأبحاث "مجلس العلاقات الخارجية".
مترجم عن "فورين أفيرز"، حيث نُشر في 6 كانون الثاني (يناير) 2026.