عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Apr-2026

نظرات في كتاب «الكرك ساس على ساس» لميساء حدادين

 الدستور-قراءة وتعليق: سلطان المعاني

 
يفتح هذا الكتاب بابَه على عبارةٍ تبدو للوهلة الأولى مألوفة في التداول الشعبي، ثم سرعان ما تتحوّل، مع التقدّم في الصفحات، إلى مفتاحٍ قرائيٍّ كامل: ساس هنا مادة بناء قبل أن تكون مفردة؛ قاعدةٌ تُحمَل فوق قاعدة، وتراكمٌ يستدعي صورة البيت حين ينهض حجراً فوق حجر، وصورة الذاكرة حين تستقر طبقةً فوق طبقة. والتكرار في «ساس على ساس» يحمل وظيفة إيقاعية أيضاً؛ فهو قريب من روح اللوازم الغنائية التي تُشدّ بها الجماعة بعضُها إلى بعض، ترديد يرسّخ، وتوكيد يثبت، وإيقاع يخلق شعوراً بالتماسك. لذلك يبدو العنوان كأنه يعلن منذ البدء أن الكتاب يكتب الكرك بطريقتين في آن: عمارةً رمزية ونبرةً صوتية.
 
ويتضاعف هذا المفتاح مع العنوان الفرعي الذي يلوّح بكرك الهيّة. فالهيّة في اللسان الشعبي علامة صوتية مشحونة: هتاف، نداء، تحمية للمقام، ورفع لحرارة الحضور في الفرح والشدّة. وهي أيضاً علامة تاريخية مرتبطة بسردية الكرك النضالية؛ فتغدو «الهيّة» جسراً بين الأداء الغنائي بوصفه طقساً اجتماعياً، وبين الأداء الغنائي بوصفه وثيقةً سياسية تحفظ ذاكرة موقفٍ وتمرّدٍ وشجاعةٍ جماعية. هكذا يصبح العنوان مركّباً دلالياً: الكرك أساسٌ في المخيال الجمعي، وأساسٌ في سردية الوطن، وأساسٌ في إيقاع الحياة اليومية.
 
من هنا يبدأ الكتاب، وفق ترتيبِه، من منطقة ذات حساسية إنسانية: شذرات تكتب الحنين وتفسّر دوافع جمع هذا الموروث وتدوينه. ثمة وعي واضح بأن الانتقال من العمل إلى فسحة الذاكرة يوقظ أرشيفاً كان يشتغل في الداخل بصمت: أصوات نساء يزغردن، صدى رجال يحمّسون الدبكة، مفردات الضيافة، ومقاطع تُقال في الاستقبال والوداع. هذا الاستهلال لا يكتفي بتقديم مزاج شخصي؛ إنه يمهّد لفكرة مركزية: الغناء الشعبي في الكرك ليس مادة ترفٍ أو زينة اجتماعية، وإنما نظام حياة يتوزع على الأجساد والبيوت والمضافات والحقول والمواسم، ثم يتسرّب إلى الذاكرة بوصفه مخزوناً جاهزاً للاستدعاء كلما احتاج المجتمع إلى تثبيت قيمه وإعادة إنتاج صورته عن نفسه.
 
وعندما يدخل الكتاب إلى مقدمته ثم إلى صفحاته التفسيرية، يضع يده على الوظائف الاجتماعية للموروث الغنائي، فيتحدث عن لغته العامية السلسة، وكثافته العاطفية، واقتصاده التعبيري، وقدرته على إنتاج صور محسوسة تلتصق بالمشهد الكركي: الجبل والقلعة، الفزعة، الضيافة، المروءة، واعتزاز المكان بأهله. في هذه المقاطع التفسيرية يتضح أن المؤلفة تعامل الأغنية الشعبية باعتبارها خطاباً اجتماعياً: تقول من هو الوجيه في العرف، وكيف تُصاغ صورة الكرم، وكيف يُرسم مقام المرأة داخل الطقس، وكيف يشتغل الإيقاع بوصفه قوة تُنظّم الجموع.
 
ويقسّم الكتاب الدلالات على مستويين كبيرين: مستوى المناسبات الاجتماعية، ومستوى الوطنية والتوثيق النضالي. هذا التقسيم في ذاته يضع القارئ أمام حقيقة مهمّة: أغنيات الفرح في الكرك تحمل وظيفة تربية وجدانية وترتيب علاقة الجماعة بذاتها، بينما الأغنيات الوطنية تحمل وظيفة تربية سياسية وترتيب علاقة الجماعة بوطنها وتاريخه. وفي القسم الوطني يستعيد الكتاب أشكالاً من الغناء الشعبي بوصفها سجلاً للنضال، ويربطها بسياقات تاريخية محددة، ويقدّم شروحاً تضيء أسماء وأحداثاً ورموزاً، مع تركيزٍ لافت على حضور المرأة الكركية داخل الحكاية الوطنية، فالمرأة هنا صوت يستنهض، ونداء يحفّز، ثم رمز يستحق التقدير والتوثيق.
 
تتجلى قيمة الكتاب، في هذا المستوى، في أنه يرفض التعامل مع الغناء الوطني كحماسة عابرة؛ يعيد قراءته كوثيقة تصنع الوعي العام، وتمنح الأجيال سردية جاهزة للتماهي: من هم الأبطال، أين تقع القلعة في المخيال، وكيف يتحوّل درب القلعة إلى عبارة رمزية تنتقل من الحدث إلى الوجدان. وهذا الربط بين النص الغنائي والسياق التاريخي يقدّم للقارئ مادة ثرية لفهم الكرك مكاناً يكتب ذاته في الغناء كما يكتب ذاته في الحجر.
 
وتتقدم صفحات الكتاب في جمع المدونة الغنائية ذاتها، وتتنوع موضوعاتها بما يشي باتساع المجال: مقاطع ترتبط بالفرح والزفاف والحنّاء، وأخرى تتصل بالزيارة والضيافة وقهوة المضافة وطقوسها، وأخرى تشتغل على صورة الكرك في المخيال الجمعي: الهيبة، العلو، الجبل، الفزعة، والتمسك بالكرامة. وفي مواضع متعددة يقدّم الكتاب شروحاً لأقوال دارجة ومقولات اجتماعية مرتبطة بالزواج والقرابة والعرف، فيلتقط من الغناء الشعبي مفاتيح لفهم تحولات القيم: كيف يقرأ المجتمع مسألة المصاهرة، وكيف تدخل مفردات الغزل ضمن حدود العرف، وكيف تبدأ بعض العادات بالتبدل مع الزمن. هذه المنطقة تمنح النص بعداً أنثروبولوجياً واضحاً: الغناء هنا يصبح مرآة عرف بقدر ما هو جمال صوت.
 
ومن أجمل ما يلفت النظر في الكتاب عنايته بتدوين العلامات الصوتية التي تعيش عادة خارج الورق: الزغرودة في أشكالها، النداءات القصيرة، الصيحات الإيقاعية المصاحبة للدبكة، والإطالات الصوتية التي تنقل حرارة الأداء. ظهور مفردات يراها بعض القرّاء غريبة من نوع لولوش وأشباهها يكشف معضلة التدوين: كيف يمسك الورق صوتاً كانت وظيفته أن يُسمع في الهواء؟ وكيف يلتقط الحرف كتابةً شيئاً كان يُقاس بطول النفس وحركة الجسد؟ هنا تظهر الفراغات وتفاوت السواد وكثرة المدود أحياناً بوصفها آثاراً لجهدٍ في تقريب الأداء من الصفحة: الصفحة تكتب قدر ما تستطيع من الصوت، ثم تترك للقارئ أن يسمع بعينه وأن يستعيد النبرة في داخله. بهذا المعنى يغدو الجانب الطباعي جزءاً من التجربة: أثرٌ من الشفاهية وهي تدخل عالم التوثيق.
 
ويضيف الكتاب، في موضع متأخر، ملمحاً شخصياً شديد الدلالة: الإحالة إلى الذاكرة العائلية بوصفها مصدراً، وإعادة صياغة بعض المقاطع كما كانت تُسمع في البيت. هذه الإشارة تنقل العمل من فكرة الجمع المحايد إلى فكرة العيش داخل التراث: أغنية كانت تُتداول في لحظة حميمة، ثم أصبحت مادة توثيقية قابلة للنشر، ثم تحولت إلى نص يقرأه الجمهور. هذه السلسلة من التحولات تمنح الكتاب قيمة مزدوجة: قيمة أرشيفية تحفظ، وقيمة وجدانية تُبقي الأثر حيّاً.
 
ومن زاوية أوسع، يقدّم الكتاب نموذجاً لقراءة الكرك بوصفها حيزاً تنتج هويتها عبر الغناء الشعبي. فالمكان في هذا العمل مركز إنتاج الدلالة: الكرك تُعرَّف عبر مفردات الفزعة والكرم والهيبة، وعبر صور القلعة والجبل، وعبر سرديةٍ وطنية تستحضر التمرد على القهر وتمجيد الشهداء والرموز. وفي الوقت نفسه، لا يغيب البعد اليومي: المضافة، والقهوة، والزيارة، وتفاصيل الفرح. هذا الجمع بين الكبير الوطني والصغير اليومي يمنح التراث الغنائي صدقه: لأنه يعكس حياة الناس حين تكون في ذروتها وهدوئها معاً.
 
تخرج القراءة من هذا كله بنتيجة واضحة بأن الكتاب لا يقدّم مجموعة أغنيات فحسب، وإنما يقدّم خريطة وجدانية للكرك تُقرأ عبر الأصوات. إنه يضع أمام القارئ مادة تصلح لمقاربة ثقافية، ولسؤال أعمق: كيف يصنع المجتمع ذاكرته الحية عبر الإيقاع؟ وكيف تتحول العبارة الشعبية إلى وثيقة سلوك وقيمة؟ وكيف يصير الصوت، حين يُدوَّن، علامة على استمرار المكان في الزمن؟ في هذه النقطة بالذات تتجسد قوة العنوان مرة أخرى: الكرك ساس على ساس لأن وجدانها مبني على طبقات من الغناء، كل طبقة تسند التي تليها، حتى يقوم البيت كاملاً في القلب قبل أن يقوم في الحجر. وعندما نقول الكرك هنا فإن الفضاء الوطني كله يتمثل هذه الأغاني والأهازيج ويرددها في أفراحه ومواقيت الحمية والنخوة والنجدة وهبوب ريح الصهباء.
 
مؤلفة هذا العمل في بياناته السيدة ميساء فرح عودة الحدادين، وهي تقدّم كتابها الكرك ساس على ساس: كرك الهَيّة فولكلورًا أردنيًا غنائيًا بنكهة كركيّة، وهو كتاب عن الآن ناشرون وموزعون ضمن الطبعة الأولى 2025.
 
وتظهر الحدادين داخل الكتاب ككاتبة تُقيم على تخوم التوثيق والوجدان معًا: تجمع مادتها من الحيّز الاجتماعي الذي تُولد فيه الأهازيج وتكبر، ثم تنقلها إلى مدوّنة مكتوبة تراعي طبائع الأداء الشعبي: النداء، الحماسة، الزغرودة، لوازم الإيقاع، وصيغ الترحيب والتشجيع التي تمنح الغناء الشعبي حرارة حضوره. وفي صفحات الإهداء والمقدمة يبرز خيط شخصي واضح يربط مشروعها بذاكرة البيت والعائلة، فيتحول الجمع من فعل أرشفة إلى فعل وفاءٍ للذاكرة الحيّة.
 
وعلى مستوى المنهج الضمني، تتعامل المؤلفة مع الأغنية الشعبية على أنها وثيقة سلوك وقيمة: تُظهر كيف تُبنى صورة الكرك في الوعي الجمعي عبر مفردات الكرامة والهيبة والفزعة والضيافة، وكيف يعمل الصوت الشعبي كأساس يرفع فوقه المجتمع طبقات من الدلالة والهوية؛ فيستقيم العنوان نفسه كتعريف بالمشروع قبل أن يكون تسميةً له.