الغد-محمد الكيالي
يرى خبراء ومحللون سياسيون، أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران لا يعكس نهاية المواجهة، بقدر ما يمثل تعليقا مؤقتا للعمليات العسكرية لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي تقوده سلطنة عمان بشأن مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، أشاروا إلى أن فرص استئناف العمليات العسكرية ما تزال مرتفعة في ظل استمرار الخلافات بين واشنطن وطهران، إلى جانب الكلفة العسكرية والاقتصادية المتزايدة لأي تصعيد جديد.
الحرب معلقة وليست منتهية
وتعليقا على ذلك، قال المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي د.منذر الحوارات، إن ما يجري لا يمكن وصفه بوقف للحرب بالمعنى الكامل، بل هو تعليق للعمليات العسكرية يخدم هدفا محددا يتمثل في استكمال المباحثات العمانية الإيرانية المتعلقة بمضيق هرمز.
وأكد أن مستقبل الحرب سيبقى مرتبطا بنتائج هذه المفاوضات، مؤكدا أن العمليات العسكرية قد تستأنف في أي لحظة إذا أخفق الطرفان في التوصل إلى اتفاق بشأن المضيق، لافتا إلى أن التهديد باستخدام القوة يظل وسيلة ضغط بيد الإدارة الأميركية.
وأضاف أن ترامب أعلن بوضوح استعداده للعودة إلى الخيار العسكري فورا إذا فشلت المفاوضات، معتبرا أن ذلك ينسجم مع أسلوبه السياسي المعتاد القائم على وقف الحرب عندما يرى ذلك مناسبا ثم استئنافها متى شاء، دون أن يفرض على نفسه ضوابط أو التزامات واضحة.
وأشار إلى أن الانتقال السريع بين المواقف المتناقضة يمثل إحدى السمات الأبرز في شخصية ترامب السياسية، حيث ينتقل من أقصى التشدد إلى أقصى المرونة دون اكتراث كبير بالتداعيات التي قد تترتب على قراراته.
وشدد على أن هذا النهج يربك جميع الأطراف سواء الخصوم أو الحلفاء، موضحا أن الجميع يجد صعوبة في التنبؤ بكيفية تعامل ترامب مع الأزمات، وهو ما يعتبر برأيه، إحدى أدوات الردع والضغط التي يستخدمها في مواجهة إيران.
ورغم الحديث عن التهدئة، رجح أن احتمالات عودة العمليات العسكرية لا تزال مرتفعة، مستندا إلى طبيعة التصريحات الإيرانية الأخيرة التي قال إنها لا تعكس وجود توجه حقيقي نحو تسوية سياسية في المرحلة الحالية.
وأضاف أن الشروط والمطالب التي تطرحها طهران تتجاوز، من وجهة نظره، ما يستطيع أي رئيس أميركي تقديمه، وهو ما يجعل العودة إلى التصعيد العسكري أكثر ترجيحا ما لم يحدث اختراق سياسي كبير يقنع الرئيس الأميركي بأن الوقت أصبح مناسبا لوقف إطلاق النار والانخراط في مفاوضات جادة.
الكلف دفعت ترامب للتراجع
من جانبه، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د.خالد شنيكات، إن تراجع ترامب عن تنفيذ هجوم واسع على إيران يعود إلى مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تداخلت في ما بينها.
واعتبر شنيكات أن أحد الأسباب المعلنة يتمثل في ما أوردته تقارير إعلامية تحدثت عن نصائح قدمها كل من رئيس هيئة الأركان الأميركية ونائب الرئيس للرئيس ترامب بعدم المضي في هجوم واسع، وذلك بسبب التراجع المقلق في مخزون صواريخ الدفاع الجوي، وحجم الاستنزاف الذي قد يلحق بالمخزون الإستراتيجي الأميركي من الصواريخ إذا استمرت الحرب.
وأضاف أن هناك سببا آخر يتمثل في استمرار قنوات التفاوض غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، سواء عبر سلطنة عمان أو عبر قنوات أخرى غير معلنة.
وأشار إلى احتمال وجود دور لباكستان في هذه الاتصالات خاصة بعد زيارة وزير الداخلية الإيراني إلى إسلام آباد، وهو ما يعكس وجود تواصل مستمر بين الجانبين حول ملفات متعددة.
وأشار إلى أن هناك أيضا قناعة متزايدة لدى بعض دوائر صنع القرار الأميركي بأن المفاوضات تبقى الخيار الأفضل مقارنة باستمرار الحرب، لافتا إلى أن وزير الدفاع الأميركي رغم اعتباره من أبرز المؤيدين لاستخدام القوة، ألمح بصورة غير مباشرة إلى صعوبة التعامل العسكري مع جميع التحركات الإيرانية في مضيق هرمز.
وأوضح أن وزير الدفاع أشار إلى أن ملاحقة كل زورق إيراني واستهدافه عسكريا إذا استخدم في المضيق ستكون عملية شديدة الكلفة وتتطلب إمكانات عسكرية ضخمة، رغم أن ميزانية وزارة الدفاع الأميركية ارتفعت إلى نحو تريليون ونصف التريليون دولار وهو رقم غير مسبوق.
وأضاف أن دخول الحوثيين على خط الأزمة يمثل عاملا إضافيا يزيد من تعقيد المشهد، موضحا أن فرضهم حصارا على مضيق باب المندب يرفع مستوى المخاطر على حركة التجارة العالمية ويؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأميركي عبر زيادة معدلات التضخم وارتفاع الأسعار داخل الولايات المتحدة.
وأكد أن أي تحرك أميركي يهدف إلى تأمين مضيق هرمز وإعادة فتح باب المندب سيتطلب قدرات عسكرية كبيرة، وقد يستدعي عمليات برية للسيطرة على عدد من الجزر ذات الأهمية الإستراتيجية وهو ما يرفع كلفة أي مواجهة محتملة ويستدعي مزيدا من الدراسة قبل اتخاذ قرار بالتصعيد.
وأضاف أن استمرار الحرب من دون وجود أفق واضح لإنهائها قد يؤدي إلى تورط الولايات المتحدة بصورة أكبر، الأمر الذي ستكون له انعكاسات سلبية على شعبية ترامب كما قد يؤثر على موقف الحزب الجمهوري مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وشدد على أن ترامب راهن في بداية الأزمة على الخيار العسكري، لكن مع استمرار الحرب لأسبوعين أو أكثر بدأ يدرك أن هذا المسار لا يقود إلى حل حاسم، وهو ما دفعه إلى إعادة تفعيل المسار الدبلوماسي.
وأضاف أن شخصية ترامب تتسم بالتردد وسرعة تغيير المواقف، حيث قد يتبنى رأيا معينا ثم يعود إلى تبني رأي مختلف خلال فترة قصيرة ما يجعل سلوكه السياسي صعب التنبؤ.
ومع ذلك، يرى شنيكات أن العامل الأكثر تأثيرا في قراراته هو طبيعة الظروف الميدانية للحرب التي باتت تمارس ضغوطا متزايدة تحد من خياراته العسكرية.