الدستور
تتجه الأنظار إلى قرار لجنة الوفاق الوطني بشأن تشكيلة القائمة العربية المشتركة لخوض انتخابات الكنيست الإسرائيلي، في استحقاق يتجاوز ترتيب المرشحين وتوزيع المقاعد، ليطرح سؤالاً سياسياً جوهرياً: هل يستطيع الفلسطينيون في أراضي 48 إعادة توحيد صفوفهم وتحويل ثقلهم الانتخابي إلى قوة سياسية مؤثرة، في ظل تصاعد اليمين الإسرائيلي وتراجع مساحة الخطاب المعترف بالحقوق الفلسطينية؟
وتشير المعطيات إلى توافق الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة العربية للتغيير على خوض الانتخابات في قائمة مشتركة، مقابل خوض القائمة العربية الموحدة بصورة منفصلة. وهذه المعادلة تعكس استمرار التعددية السياسية، لكنها في الوقت ذاته تضع القوى العربية أمام مسؤولية تاريخية لتجنب تحويل الاختلاف إلى انقسام يستنزف القوة الانتخابية.
إن أهمية لجنة الوفاق الوطني لا تكمن فقط في التوفيق بين الأحزاب، بل في قدرتها على إعادة بناء الثقة وتوفير إطار لإدارة التعددية السياسية ضمن رؤية مشتركة. فالوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف الفكري أو التنظيمي، وإنما الاتفاق على الحد الأدنى من القضايا والأهداف التي تخدم المجتمع الفلسطيني في الداخل وتحمي حقوقه.
وفي ظل المشهد الإسرائيلي الراهن، يصبح تشتت الصوت العربي خسارة سياسية حقيقية؛ فالمسألة ليست عدد النواب العرب فحسب، بل مدى قدرتهم مجتمعين على التأثير في التشريعات والقرارات وموازين القوى السياسية.
ولا ينبغي أن تُفهم المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها تفويضاً لسياسات الاحتلال، وإنما ممارسة سياسية وديمقراطية للدفاع عن حقوق المواطنين الفلسطينيين في الداخل، ومواجهة التمييز والعنصرية والإقصاء من داخل المؤسسة البرلمانية.
ويفترض أن يرتبط التمثيل البرلماني ببرنامج واضح يتناول المساواة، والأرض والمسكن، ومكافحة الجريمة، والتنمية الاقتصادية، وحماية الهوية، إلى جانب التمسك بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير.
إن وجود أكثر من قائمة عربية قد يعكس اختلافات سياسية حقيقية، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول المنافسة الانتخابية إلى صراع داخلي. المطلوب ليس بالضرورة توحيد جميع القوائم في كل استحقاق، وإنما توسيع التنسيق، والاتفاق على برنامج مشترك، ومنع هدر الأصوات، وإبقاء المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية.
كما أن طرح توسيع الشراكة مع قوى ديمقراطية عربية-يهودية تؤمن بالمساواة وترفض الاحتلال والعنصرية يستحق نقاشاً مسؤولاً، شرط وضوح الأهداف والحفاظ على خصوصية القضية الفلسطينية.
إن توحيد الصوت العربي لا يعني إلغاء التعددية، بل تحويلها إلى مصدر قوة. فالمرحلة لا تحتمل تبديد الطاقات في الانقسامات؛ وكلما كان الصوت العربي أكثر وحدة وتنظيماً واستقلالاً، ازدادت قدرته على التأثير والدفاع عن الحقوق المدنية والوطنية.