يجب أن تتغير الأمم المتحدة.. مع الحفاظ على قيمها
الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كارولين رودريغيز بيركيت* - (الإيكونوميست) 13/10/2026
ملاحظة المترجم: الكاتبة مرشحة لمنصب الأمين العام الجديد للأمم المتحدة.
تأسست الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وهي في جوهرها، بالنسبة لكثيرين، منظمة معنية بالسلام. ولذلك، يُقاس نجاحها أو إخفاقها من منظور السلام والأمن العالميين.
وقد أسهمت الأمم المتحدة على مدى العقود الثمانية التي مضت منذ وجودها في الحيلولة دون اندلاع حرب عالمية ثالثة. كما ساعدت بلدانًا كثيرة على الانتقال من الصراع إلى السلام، بما فيها ليبيريا وسيراليون وتيمور الشرقية. لكنّ هذه النجاحات تتضاءل أمام تكاثر النزاعات اليوم، وأمام الانطباع السائد بأن الأمم المتحدة تقف عاجزة عن التصدي لها. وتترتب على هذا الموقف عواقب كثيرة، منها التفاقم الهائل للاحتياجات الإنسانية، والهجرة القسرية، والجمود في مسار التنمية أو نقض ما تحقق منها.
سوف يواجه الأمين العام المقبل للمنظمة مهمة إعادة تأكيد المقاصد والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة، بالتزامن مع قيادة أجندة إصلاح طموحة والتعامل مع أزمة في السيولة المالية فرضت تقليص أعداد الموظفين وخفض عمليات الإغاثة الإنسانية وحفظ السلام. ويتطلب التعامل مع متطلبات المرحلة الراهنة قيادة ثابتة وحُكمًا إستراتيجيًا سليمًا.
إذا توليتُ منصب الأمين العام، سوف أسعى إلى ترسيخ دور الأمم المتحدة في خدمة قضية السلام، بما في ذلك من خلال التنسيق مع مجلس الأمن والمنظمات الإقليمية المعنية وغيرها من الأطراف. وبحكم مشاركتي في مفاوضات داخل مجلس الأمن، أعرف أن إحراز التقدم ممكن حتى في أوقات الانقسامات الجيوسياسية العميقة. وبصفتي أمينًا عامًا يؤدي دور الوسيط المحايد، سأستثمر قنوات التواصل الرسمية وغير الرسمية للتفاعل مع مجلس الأمن وتقديم توصيات عملية وواقعية.
وسوف أحرص أيضًا على قضاء أكبر وقت ممكن على الأرض، في الأماكن التي تمزقها النزاعات أو التوترات. يحتاج العالم إلى أن يرى قائد الأمم المتحدة حاضرًا في الميدان، وساعيًا -ولو بالحد الأدنى- إلى خدمة قضية السلام. وينبغي أن تقترن عمليات حفظ السلام، التي تتجاوز تكلفتها خمسة مليارات دولار سنويًا، بإحراز مزيد من التقدم في تسوية النزاعات بالوسائل السياسية.
إن العالم في حاجة إلى الأمم المتحدة. فهي الأساس الذي تقوم عليه إنسانيتنا المشتركة على الصعيد العالمي، والقواعد التي يتفق العالم على الاحتكام إليها، والتطلعات الجماعية لشعوبه. وفي كثير من حالات الطوارئ لا تكون الأمم المتحدة الجهة الأولى التي تستجيب للأزمة فحسب، وإنما شريان الحياة الوحيد للمتضررين منها.
لكن العالم تغير، وينبغي للأمم المتحدة أن تتغير بدورها إذا أرادت الحفاظ على أهميتها وملاءمتها للواقع الراهن. ويجب خلال السنوات الخمس المقبلة أن تكون الأولوية لضمان تنفيذ الإصلاحات التي جرى الاتفاق عليها في إطار مبادرة "الأمم المتحدة 80" (UN80) التي أُطلقت العام الماضي، وفقًا للأهداف المقررة. وتشمل هذه الإصلاحات تحسين أساليب عمل الأمانة العامة، وإحكام صياغة الولايات الممنوحة للأمم المتحدة ومراجعتها، وإعادة مواءمة البرامج بما يعزز الاتساق على المستويين الإقليمي والوطني.
سوف أعمل مع الدول الأعضاء على تسريع التوصل إلى اتفاق بشأن الإصلاحات الهيكلية، ومعالجة التداخل بين الاختصاصات، وترشيد الوظائف في مختلف كيانات الأمم المتحدة وإداراتها. وخلال نقاشاتي في سياق هذه الحملة، تكررت مسألة البيروقراطية غير الضرورية مرارًا وتكرارًا. ولذلك، يجب أن تصبح المنظمة أكثر كفاءة وفاعلية، وأن تُحسن أداءها في المجالات التي تحقق فيها نتائج ملموسة، سواء في تعزيز التنمية أو المساعدة على إحلال السلام.
أنا عضو في مجلس إدارة الصندوق السيادي لثروة غيانا الذي تفوق موارده بكثير الميزانية الأساسية للأمم المتحدة. وقبل ذلك، توليتُ قيادة وزارتين حكوميتين، وبدأت عملي في وقت كانت فيه غيانا مصنفة ضمن البلدان الفقيرة المثقلة بالديون. وقد تعلمت، إلى جانب كيفية "صنع دولار من خمسة عشر سنتًا"، كيف يمكن تحقيق النتائج في ظل قيود مالية شديدة.
انطلاقًا من هذه الخبرات، سأعطي الأولوية لجهود الأمم المتحدة الرامية إلى إحداث أثر ملموس، مع العمل في الوقت نفسه على تقديم حجج أقوى من أجل توفير موارد مالية إضافية ينبغي توجيه حصة أكبر منها إلى العمليات المنفذة على المستوى الوطني، وحصة أقل إلى المقر الرئيسي. تختلف الاحتياجات من مكان إلى آخر. ففي بعض المناطق، وخاصة مناطق النزاعات والمناطق التي تتعافى من الكوارث، تكون المساعدات الإنسانية هي الأولوية. وفي مناطق أخرى تكون الأولوية للتكيف مع تغير المناخ، من خلال إنشاء أنظمة الإنذار المبكر، وتشييد مساكن قادرة على الصمود، وما إلى ذلك. وتتمثل الأولية في مناطق أخرى في الحوكمة، بما يشمل تعزيز المؤسسات والأنظمة الضريبية، وتحسين إعداد الموازنات، أو تطوير التشريعات.
ومن الضروري أيضًا إقامة مزيد من الشراكات. وسأعمل على تعزيزها حيثما كان ذلك مناسبًا، مع المؤسسات العالمية والإقليمية، والقطاع الخاص، وأصحاب الأعمال الخيرية، وغيرهم ممن يستطيعون دعم التنمية على أرض الواقع. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يسهم توسيع الشراكة مع القطاع الخاص في تحفيز خلق فرص العمل في البلدان التي تضم أعدادًا كبيرة من الشباب الذين يعانون البطالة.
ثمة مسألة أخرى تستدعي المعالجة أيضًا هي إمكانية الحصول على التمويل اللازم للتنمية. ما تزال بلدان كثيرة تدعو إلى إصلاح المؤسسات المالية الدولية، بما فيها "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" وبنوك التنمية الإقليمية، بحيث تعكس النظام العالمي القائم حاليًا. ويشمل ذلك إعادة النظر في آليات إتاحة التمويل والمعايير المرجعية المستخدمة لتحديد شروط التمويل الميسّر. كما يشكل التعثر الناجم عن أعباء الديون، الذي تفاقمه تكاليف الاقتراض المرتفعة في ظل نظام يراه كثيرون غير منصف، تحديًا خطيرًا تواجهه بلدان عديدة.
تستغرق التغييرات الكبرى وقتًا، لكن السعي إلى الكمال لا ينبغي أن يكون عدوًا لتحقيق الممكن والجيد. فحتى الخطوات التدريجية يمكن أن تُحدث أثرًا على مستوى النظام بأكمله. وسأعمل مع الدول الأعضاء على إيجاد سبل جديدة للشراكة مع المؤسسات المالية الدولية، بالتوازي مع استمرار النقاش الأوسع بشأن الإصلاح.
سوف تكون السنوات القليلة المقبلة حاسمة بالنسبة للأمم المتحدة. فهي في حاجة إلى تكثيف جهود إحلال السلام، بالتزامن مع إعادة تعريف طبيعة عمليات حفظ السلام. وقد لا يصلح النهج التقليدي لكل السياقات؛ ففي هايتي، على سبيل المثال، يُنظر على نطاق واسع إلى ولاية تستهدف قمع نشاط العصابات باعتبارها ذات أثر إيجابي، على الرغم من أن هذا النوع من الولايات يخرج عن النمط المعتاد لبعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام.
على الأمم المتحدة أيضًا تسريع تنفيذ إصلاحات "الأمم المتحدة 80"، وتحديد ملامح أجندة ما بعد العام 2030، -وهي المبادرة التي يُفترض أن تَخلف أهداف التنمية المستدامة بعد بضع سنوات، والمساهمة في وضع الضوابط والضمانات الناظمة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مهام أخرى. وقد تضطر المنظمة إلى السعي لتحقيق هذه الأهداف في وقت تظل فيه أزمة السيولة المالية تحديًا قائمًا.
خلاصة القول، ينبغي للأمم المتحدة أن تبني على ما تجيده أكثر من غيره، وأن تعالج مواطن تعثرها، وأن تنسحب من الأنشطة التي يستطيع آخرون تنفيذها بطريقة أفضل. ويتطلب ذلك أمينًا عامًا أثبت قدرته على التحلي بالواقعية والعملية والمرونة في التحرك. أمينًا عامًا يستطيع حشد طاقات الموظفين وبناء الزخم اللازم، كي تُحسِّن الأمم المتحدة أداءها، مع الحفاظ على قيمها كما ينص عليها ميثاقها.
*كارولين رودريغيز بيركيت Carolyn Rodrigues-Birkett: دبلوماسية وسياسية من غيانا، وُلدت في العام 1973 في قرية سانتا روزا للسكان الأصليين. شغلت منصب وزيرة شؤون السكان الأصليين (2001–2008)، ثم أصبحت أول امرأة تتولى وزارة الخارجية في بلادها (2008–2015). وعملت لاحقًا في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) مديرةً لمكتب اتصالها في جنيف (2017–2020). ومنذ تشرين الأول (أكتوبر) 2020، تشغل منصب الممثلة الدائمة لغيانا لدى الأمم المتحدة، وأسهمت في قيادة وفد بلادها خلال عضويتها في مجلس الأمن (2024–2025). تحمل شهادة في إدارة الأعمال من جامعة ريجينا في كندا، وبكالوريوس بامتياز في الخدمة الاجتماعية من جامعة غيانا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The UN must change while preserving its values