الغد
ديل فينس* - (الإندبندنت) 2026/5/17
من خلال فرض قوانين الانتداب وصلاحيات الطوارئ والمحاكم العسكرية والعقاب الجماعي، حمّلت بريطانيا الفلسطينيين إرثاً قانونياً ثقيلاً وقاسياً ما تزال آثاره حاضرة في الأراضي الفلسطينية حتى اليوم. ولم تعد مساءلة بريطانيا مسألة تاريخية فحسب، بل شرط أخلاقي وسياسي للاعتراف بحجم الضرر والمساهمة بصدقية أكبر في أي مسار نحو سلام عادل.
يخضع الفلسطينيون في الضفة الغربية اليوم للقانون العسكري الإسرائيلي. وبموجب هذا القانون، يمكن اعتقالهم من دون توجيه أي تهمة إليهم، ومحاكمتهم أمام محاكم عسكرية تتجاوز فيها نسب الإدانة 96 في المائة، ويمكن إخضاعهم لأنظمة طوارئ تجعل سلطة الاحتلال فوق أي مساءلة قانونية فعلية.
وفي المقابل، يعيش جيرانهم الإسرائيليون في ظل القانون المدني. ثمة مجموعتان سكانيتان، ونظامان قانونيان، وأرض واحدة. وهذا وضع يصفه معظم الناس بأنه مجحف. لكن ما لا يعرفه معظم الناس هو أن بريطانيا هي التي كانت قد وضعت أسسه.
خلال 30 عاماً من الحكم البريطاني في فلسطين، أنشأنا الإطار القانوني الذي ما يزال قائماً حتى اليوم: صلاحيات الطوارئ؛ والمحاكم العسكرية؛ والعقاب الجماعي؛ والنظام القانوني المزدوج. كنا نحن من بنينا كل هذا. وعندما غادرنا فلسطين في العام 1948، لم نفككه، بل التقطه آخرون ومضوا في تطبيقه.
كل ذلك موثَّق، بتفصيل دقيق ومضنٍ، في عريضة قانونية من 400 صفحة أعدّها كبار المحامين المؤهلين للمرافعة أمام المحاكم العليا، والمؤرخون. والأدلة في العريضة مستمدة في معظمها من أرشيف بريطانيا نفسها. إن سجلاتنا هي التي تروي القصة، وهي تنطوي على إدانة قاسية لنا.
قدَّّمت حملة "بريطانيا مَدينة لفلسطين" هذه العريضة إلى الحكومة قبل أكثر من ستة أشهر، ولم يصدر عن الحكومة أي رد فعل حتى الآن.
وتحدد العريضة سبعة أفعال غير مشروعة دولياً ارتكبتها بريطانيا على مدى ثلاثة عقود من الانتداب في فلسطين. وتبدأ هذه الانتهاكات بإعلان بلفور، الوعد الصادر في العام 1917 بدعم إنشاء وطن قومي يهودي على أرض كان يسكنها آنذاك نحو 90 في المائة من العرب المسلمين والمسيحيين، ومن دون موافقة السكان الذين كانوا يعيشون فيها. وقد خرق ذلك الوعد مباشرة اتفاقاً كانت بريطانيا قد أبرمته بالفعل مع القادة العرب لدعم استقلالهم. لقد أعطينا كلمتنا، ثم نكثنا بها.
وما تلا ذلك لم يكن مجرد سوء إدارة. كان من المفترض أن تحافظ بريطانيا على النظام القائم في فلسطين. لكنها، بدلاً من ذلك، غيّرت المكان جذرياً: قوانينه، وتركيبته السكانية، وملكية أراضيه، من دون أن يكون للسكان المحليين أي رأي ديمقراطي في ذلك كله. وقد حكم المندوب السامي البريطاني بالمراسيم. وعندما طُرح اقتراح بتشكيل مجلس تشريعي ذي أغلبية عربية، قام مجلس العموم البريطاني بإسقاطه.
بعد أن أُغلقت كل سبل الاحتجاج السلمي أمام الفلسطينيين، اندلعت الثورة العربية في العام 1936. وكان الرد البريطاني وحشياً: تم فرض غرامات جماعية على قرى بأكملها؛ وتطبيق أنظمة طوارئ جردت الناس من حق الاستئناف؛ وإقالة كبير القضاة بسبب انتقاده استخدام الحكومة صلاحيات الطوارئ؛ وإلغاء تام للتحقيقات في عمليات القتل التي ارتكبها الجيش. وفي تلك الفترة، تم إرسال الجنود في ما سُمي رسمياً مداهمات "عقابية". وكان ذلك يعني عملياً تحطيم الأثاث، وتدمير مخازن الحبوب، واقتحام المنازل والعبث بمحتوياتها. وعندما وصلت تقارير عن هذه الانتهاكات إلى لندن، اعترف وزير المستعمرات أمام مجلس الوزراء بأنه تعمّد حذف أي إشارة إلى "الفظائع" التي ارتكبتها الشرطة من بياناته إلى البرلمان.
في غضون ثلاثة أعوام، قُتل ما لا يقل عن 5 آلاف فلسطيني وأصيب 15 ألفاً آخرون. واستُخدمت صلاحيات الطوارئ والعقاب الجماعي بصورة شبه حصرية ضد العرب الفلسطينيين. ولم يكن لدى المحاكم العسكرية أي نظام للاستئناف ولا أي رقابة خارجية. والأدهى من ذلك أنه عندما غادرت بريطانيا أخيراً في العام 1948، أقر البرلمان قانوناً يمنح كل مسؤول بريطاني حصانة بأثر رجعي من الملاحقة القضائية عن أي فعل ارتكبه خلال فترة الانتداب. وكان هؤلاء قد حرصوا قبل مغادرتهم على طمس آثار ما فعلوه.
تكتسب هذه الصلة أهميتها لأنها لا تخص الماضي وحده. في هذا العام، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يجعل عقوبة الإعدام إلزامية بحق الفلسطينيين الذين يُحاكمون أمام تلك المحاكم العسكرية نفسها، وهو قانون وصفه المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأنه جريمة حرب. وتُبيّن العريضة المذكورة أنه خلال فترة الانتداب، كان بوسع المحاكم العسكرية البريطانية أن تفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين من دون حق في الاستئناف، بموجب لوائح كانت تتجاوز القضاة المدنيين بالكامل. لقد تغيّر النظام بمرور الزمن، لكن أساسه بقي بريطانياً.
كير ستارمر هو محامٍ سابق في مجال حقوق الإنسان، وقد شغل في السابق منصب مدير النيابة العامة. وقد بنى مسيرته القانونية على فكرة أن المساءلة مهمة. وكان الاعتراف بدولة فلسطين خطوة صائبة. لكن الاعتراف بحقوق شعب، مع رفض النظر في دورك أنتَ في سلبه تلك الحقوق، هو أمر خاطئ.
في 15 أيار (مايو) من كل عام، يحيي الفلسطينيون ذكرى بداية تهجير 750 ألف شخص من أكثر من 400 قرية من أجل إقامة دولة إسرائيل، وهو الحدث المعروف باسم "النكبة" باللغة العربية.
وما فعلته بريطانيا في الماضي ما يزال صداه يتردد في الحاضر، وما نفعله اليوم قد تكون له عواقب هائلة على المستقبل. ولهذا السبب تكتسب الاعتذارات عن الأخطاء أهميتها.
لقد حان الوقت لكي تعترف بريطانيا بأفعالها تجاه الفلسطينيين، في الماضي والحاضر. وقد يساعد ذلك أيضاً في تحسين موقع بلدنا في المهمة الهائلة المتمثلة في المساعدة على إيجاد سلام عادل في الشرق الأوسط.
*ديل فينس Dale Vince: رجل أعمال وناشط بيئي بريطاني، أسس شركة "إيكوتريسيتي" للطاقة الخضراء في العام 1995، وهي من أوائل شركات الكهرباء في بريطانيا التي ركزت على إنتاج الطاقة المتجددة من الرياح والشمس. عُرف بدفاعه عن الاستدامة والعمل المناخي، واستثمر في مشاريع بيئية ورياضية، من أبرزها نادي "فوريست غرين روفرز" الذي اكتسب شهرة بوصفه أحد أكثر أندية كرة القدم مراعاة للبيئة في العالم. مُنح وسام الإمبراطورية البريطانية تقديراً لإسهاماته في حماية البيئة والطاقة المتجددة، كما عُرف بمواقفه السياسية المؤيدة للحقوق الفلسطينية وانتقاده للحرب الإسرائيلية على غزة، ودعمه حملات المقاطعة والضغط من أجل وقف الانتهاكات بحق الفلسطينيين.