الغد-عزيزة علي
استحضرت ندوة بعنوان: "أحمد شريف الزعبي: إنقاذ الذاكرة الشعبية من النسيان"، التي أقيمت أول من أمس ضمن فعاليات معرض عمان الدولي للكتاب، سيرة الباحث الراحل الدكتور أحمد شريف الزعبي وإسهاماته في توثيق التراث الشعبي الأردني وحفظ الذاكرة الثقافية والوطنية، من خلال أعماله وموسوعاته التي رصدت تفاصيل الحياة الشعبية والعادات والتقاليد، والحرف والفنون والمرويات الشفوية.
وأكد الباحثان نايف النوايسة ومحمد المشايخ، خلال الندوة التي أدارها عايد أبو فردة، أن الزعبي كرّس سنوات طويلة لجمع التراث الأردني وتوثيقه وإتاحته للأجيال الجديدة، داعيين إلى مواصلة المشروعات التي بدأها وتكريمه بإطلاق جائزة تحمل اسمه للتراث الشعبي.
وقال النوايسة: "إن المثقفين والطيبين يرحلون، ولا يتركون لنا إلا غصة في النفس ودمعة تستقر في الذاكرة لتذكّرنا بهم"، مشيرًا إلى أن غياب الدكتور الزعبي، الذي مضى عليه أربعون يومًا، ما يزال حاضرًا في الوجدان.
وأشار إلى أنه ظل على تواصل مع الزعبي على مدى أربعة عشر عامًا، خلال رحلة إنجاز "مكنز التراث الأردني"، التي جابا خلالها مختلف مناطق المملكة، حتى صدر المكنز في خمسة مجلدات العام 2021.
وأضاف النوايسة: "كنت معه يوم وفاته، وكنا نتباحث في رسالة كتبها على صفحته في "فيسبوك"، ثم انقطع الحديث لساعات، قبل أن يصلني خبر وفاة الدكتور أحمد الزعبي، رحمه الله".
وقال: "إن الحديث عن التراث ينبغي أن يقترن بأمنائه وحراسه، ومن بينهم الزعبي، الذي ترك عشرات الكتب التي تناولت التراث بمختلف أشكاله، من الأغنيات، والأمثال والحكايات، والتعاليل والألعاب الشعبية، والقصص واللهجات.
ولفت إلى أن من أبرز مؤلفات الزعبي "موسوعة التراث الشعبي الأردني"، التي تقع في نحو 700 صفحة، وتتناول موضوعات متعددة، من بينها العادات والتقاليد والمعتقدات، والأدب الشعبي وفنون الأداء، والصناعات التقليدية.
وأضاف النوايسة أن رحيل الزعبي خلّف فراغًا كبيرًا في مجال حفظ التراث والهوية التراثية، وقال: "فقدنا باحثًا جادًا بذل ما استطاع من جهود بحثية لحفظ التراث من النسيان والضياع. وكنا، نحن الذين رافقناه في هذا الدرب الشاق، نعول عليه في تحقيق الكثير من الإنجازات التراثية، وفي مقدمتها موسوعة التاريخ الاجتماعي الأردني".
وأوضح أن العمل على هذه الموسوعة نوقش مع عدد من وزراء الثقافة، وأنه ظل على اتصال دائم بالزعبي بشأن المشروع، الذي يتناول الرموز التراثية، من شخصيات ومفردات، في مختلف مناطق الأردن، من شماله إلى جنوبه، ويربطها بمحيطها العربي والإنساني.
وأعرب النوايسة عن خشيته من ألا يرى المشروع النور في غياب الزعبي وأمثاله من الباحثين، لافتًا إلى أن الراحل ترك إرثًا تراثيًا مهمًا يخضع حاليًا للدراسة من قبل المهتمين بالتراث.
وأشار النوايسة، إلى أن الزعبي أخبره ذات يوم بنيته العمل على معجم تراثي أردني، على غرار كتابه "معجم أسماء الأدوات واللوازم في التراث العربي"، الذي ألّفه قبل نحو ثلاثين عامًا، مضيفًا: "ربما بدأ الزعبي العمل على هذا المعجم، لكن الموت عاجله".
واختتم النوايسة حديثه باستذكار الزعبي بوصفه باحثًا واسع الثقافة والمعرفة، وذا خبرة عميقة في التراث وأحوال الناس، مؤكدًا أن الساحة الثقافية الأردنية والعربية، فقدت برحيله علمًا من أعلام الثقافة ورجلًا خلوقًا.
وقال محمد المشايخ: "إن الزعبي قدم للمملكة مؤلفات ساهمت في حفظ الذاكرة الثقافية والفكرية للأردن، وجعلت من الثقافة جدارًا لحماية الهوية الوطنية ووسيلة لاستشراف المستقبل".
وأضاف أن الزعبي تناول التراث الشعبي الأردني بإحاطة وشمول، لما يحمله من قيمة وجمال، ولأنه يشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية وذاكرة الوطن، ويعكس قيم المجتمع الأردني المتجذرة، فيما يمثل السرد الشعبي جذور الهوية والذاكرة الجماعية، ويعزز الانتماء والوعي الوطنيين وينقل القيم بين الأجيال.
وتوقف المشايخ عند موسوعة الزعبي "في التراث الشعبي الأردني"، التي وصفها بأنها ثمرة جهد علمي كبير استغرق سنوات طويلة، وغطت مختلف تفاصيل الحياة الشعبية الأردنية، بما تختزنه من تجارب وذاكرة ووجدان شعبي.
وأشار إلى أن الموسوعة، رغم طابعها الأردني، تتضمن جوانب من الفولكلور في بلاد الشام والخليج العربي ودول عربية أخرى، وتتجاوز ذلك إلى بعض مناطق العالم، بما يعكس الأفق الوطني والعربي والإنساني للزعبي. وضرب مثالًا بما أورده عن "البشكير الرمثاوي"، مشيرًا إلى أن شباب الرمثا أحضروه من ألمانيا التي عملوا فيها خلال ستينيات القرن الماضي.
وقال المشايخ: "إن الأعمال الموسوعية تحتاج عادة إلى مؤسسات تضم عشرات الباحثين، لكن الزعبي "كان مؤسسة في فرد"، إذ جمع على مدى حياته ما سمعه ورآه في البيوت والمضافات والدواوين من أغانٍ وأمثال وقصص وحكايات وعادات وتقاليد، إلى جانب قراءاته الواسعة في المصادر والمراجع، ليقدم ثروة وطنية تعرف الأجيال الجديدة بتراث الأجداد".
وأوضح أن الموسوعة توزعت على ستة أبواب رئيسية، تناولت العادات والتقاليد، والأدب الشعبي وأشكال التعبير الثقافي، والفنون الشعبية وتقاليد أداء العروض، والحرف والصناعات الشعبية والمهن التقليدية، والمعارف المتعلقة بالطبيعة والكون، والتراث المادي.
ورأى المشايخ أن الزعبي صاغ موسوعته بأسلوب "السهل الممتنع"، متجنبًا الإطالة والإسهاب، ومستخدمًا الألفاظ العامية حين تعجز الفصحى عن أداء بعض معانيها ودلالاتها، إلى جانب بعض الألفاظ الأجنبية أو العربية والعامية غير المألوفة، وفق ما يقتضيه السياق. وأشار إلى أن الزعبي استلهم جانبًا مهمًا من معلوماته من أبناء الشعب الأردني وأصحاب المهن والحرف، وما تختزنه ذاكرتهم من معارف، إلى جانب اعتماده على مصادر ومراجع متنوعة وحرصه على إسناد المعلومات إلى مصادرها.
وتضم الموسوعة، التي تقع في 761 صفحة من القطع الكبير، عشرات المصادر والمراجع، فيما تشكل هوامشها، بحسب المشايخ، "موسوعة داخل الموسوعة". ومن أبرز الباحثين والفولكلوريين الأردنيين الذين عاد إليهم الزعبي: أحمد الربابعة، وأحمد عويدي العبادي، وروكس العزيزي، وطه الهباهبة، وعارف عواد الهلال، وعبدالله آل حصان، وعمر الساريسي، وعيسى الجراجرة الضمور، وفايز علي الغول، ومحمد أبو حسان، ونايف النوايسة، ونجيب القسوس، ونمر سرحان، ونمر حجاب، وهاني العمد، وعايد أبو فردة، وغيرهم.
كما أفادت الموسوعة من كتابات أدباء ومؤرخي الأردن وأساتذة الجغرافيا والبلدانيات، ومن كتابات عدد من الأجانب الذين زاروا المملكة وترجمت أعمالهم، لتقدم صورة واسعة عن الثروة الفولكلورية والتراثية في الأردن، وعن الجهود العلمية التي راكمها الباحثون في هذا المجال، وتوفر مراجع للباحثين وطلبة الجامعات والمختصين بالفولكلور.
ولفت المشايخ، إلى أن الهاجس الوطني كان حاضرًا في عمل الزعبي، إذ حرص على توثيق التراث الأردني بمختلف جوانبه من دون إثارة النعرات أو الإساءة إلى أي عشيرة أو شخصية رسمية أو شعبية، مركزًا على ما يجمع في التراث ونابذًا ما يفرق، ومبرزًا الجوانب الإيجابية. وأشار إلى حضور الجيش العربي الأردني والأجهزة الأمنية المختلفة، ودورها الوطني وإنجازاتها في الموسوعة، انطلاقًا من أهداف التراث الثقافي غير المادي التي حددها الزعبي، وفي مقدمتها الحفاظ على الهوية الوطنية، وتعميق الانتماء الوطني، والبحث في الكنوز التراثية وإبرازها، والتعريف بالثقافة الشفوية، وترسيخ القيم الإيجابية ونبذ القيم السلبية.
وقال المشايخ: "إن الموسوعة تستعيد أيامًا من الذاكرة الشعبية الأردنية والعربية، حين كان الناس يعيشون ببساطة وينشغلون بالعمل والإنتاج والعطاء، مستحضرة صور المواطن المزارع والحراث والحصّاد وصاحب الحرفة، الذي يعتمد على إنتاجه في تأمين احتياجات أسرته، فيما كانت الأمسيات مجالًا للسمر والتواصل الاجتماعي".
ودعا المشايخ وزارة الثقافة، إلى إطلاق "جائزة الدكتور أحمد شريف الزعبي للتراث الشعبي"، تقديرًا لإسهاماته في حفظ التراث وتوثيقه، وتكريمًا لمسيرته البحثية في هذا المجال.