حين تخطف الأرقام عقول المتابعين.. هل تصنع الشهرة "مؤثرا"؟
الغد-ديمة محبوبة
سمعت سمر صوت الضحك الذي يتسلل من غرفة ابنها سعد (14 عاما). لم يكن ضحكا عابرا، بل كان ضحكا متكررا يرافق مقاطع الفيديو القصيرة.
سألته عما يشاهد، فخرج إليها حاملا هاتفه بحماس، ومدّ الشاشة أمامها قائلا: "هذا مؤثر كبير.. لديه ملايين المتابعين، وأغلب محتواه مقالب مرعبة ومستفزة بعائلته".
تأملت سمر الشاشة لثوانٍ؛ شاب يبدّل تعابير وجهه بسرعة، ويقلّد أصواتا وحركات منتشرة، ويرتدي ملابس لافتة، ويقدم مقالب ساخرة بعائلته، بينما تتوالى التعليقات والإعجابات بأعداد هائلة.
حاولت أن تلتقط الفكرة التي جعلت هذا المقطع يحصد كل ذلك الاهتمام، لكنها لم تجد سوى مشهد صُمّم ليُضحك ويُستهلك ثم يُنسى.
لم يكن استغرابها من المقطع نفسه، بل من الطريقة التي قال بها ابنها عبارتي "مؤثر" و"ملايين المتابعين"، إذ بدا الرقم بالنسبة إليه دليلا كافيا على أن صاحب المحتوى يستحق الإعجاب.
سألته: "بماذا أثّر بك؟ وماذا تعلمت منه؟"، فجاءت الإجابة: "ما بعرف، بس هو مشهور، والكل بيتابعه".
لتكون نصيحتها لطفلها أن المشهور ليس بالضرورة مستحقا للشهرة، ولا يوصف بأنه مؤثر ما لم يقدم محتوى حقيقيا قائما على علم أو تجربة، ويقدم شيئا مفيدا.
ذلك السؤال البسيط يلخص تحولا كبيرا طرأ على مفهوم التأثير في زمن المنصات الرقمية.
فقبل أعوام، كان لقب "المؤثر" يطلق على من يملك علما أو تجارب أو إنجازات أو أفكارا تستحق أن تُسمع، أما اليوم فأصبح الرقم هو أول ما يُقدَّم عند التعريف بالشخص، وكأنه بطاقة اعتماد تكفي وحدها لإثبات القيمة.
الخلط بين الانتشار والتأثير
وتحوّل عدد المتابعين إلى معيار يمنح أصحابه حضورا اجتماعيا واسعا، ويفتح أمامهم أبوابا لم تكن تُفتح سابقا إلا لأصحاب الخبرة أو الإنجاز؛ حيث يُدعون إلى المؤتمرات، ويجلسون على منصات الحوار، ويُستشارون في قضايا تتجاوز كثيرا طبيعة المحتوى الذي اشتهروا به.
وفي أحيان كثيرة، يصبح الشخص مرجعا في موضوعات مثل الصحة أو التربية أو الاقتصاد، فقط لأن لديه جمهورا كبيرا، لا لأنه يملك معرفة حقيقية.
وتقول المتخصصة في الإعلام الرقمي، والمدربة في الدراية الإعلامية والمعلوماتية، الدكتورة بيان القضاة: "إن أحد أكبر الأخطاء التي صنعتها منصات التواصل هو الخلط بين الانتشار والتأثير".
وتوضح أن خوارزميات هذه المنصات لا تكافئ بالضرورة المحتوى الأكثر فائدة، وإنما المحتوى القادر على جذب الانتباه بسرعة وتحفيز التفاعل.
وتبين أن الفيديو المضحك أو المثير للجدل ينتشر أسرع بكثير من فيديو يشرح فكرة أو يقدم معرفة، لأن المنصة تبحث عما يُبقي المستخدم أطول وقت ممكن، وليس عما يضيف إليه.
وتضيف أن هذا الواقع أنتج ما تصفه بـ"التأثير المجوف"، حيث يستطيع شخص الوصول إلى ملايين الناس من دون أن يحمل رسالة أو قيمة حقيقية تستحق الانتقال. وتلفت إلى أن الخطورة لا تقف عند حدود الترفيه، بل تمتد عندما يبدأ أصحاب الجماهير الضخمة بتقديم نصائح أو آراء في مجالات لا يمتلكون فيها أي تأهيل علمي أو مهني.
وتكمل: "أشاهد باستمرار محتوى يتناول التربية أو الصحة أو التغذية أو حتى العلاج النفسي، يقدمه أشخاص ليست لديهم أي خلفية متخصصة، لكن جمهورهم يثق بهم لأنهم مشهورون، لا لأنهم مؤهلون".
الأرقام لا تعكس قيمة المحتوى
والمؤثر هو صانع محتوى وقائد رأي رقمي يمتلك المعرفة أو الخبرة أو السلطة المعرفية في مجال متخصص (Niche)، ويتمتع بالقدرة على إقامة علاقة قائمة على الثقة والأصالة مع قاعدة جماهيرية محددة عبر المنصات الرقمية؛ مما يمنحه القوة الفعلية للتأثير في آراء هذا الجمهور وسلوكياته وقراراته، سواء كانت قرارات استهلاكية أو فكرية أو مرتبطة بنمط الحياة، من خلال التفاعل المستمر ونسبة المشاركة العالية، ليتحول متابعوه من مجرد مشاهدين إلى مجتمع نشط يتأثر بتوصياته ورؤيته.
غير أن الواقع اليوم يكشف أن كثيرين يملكون ملايين المتابعين، لكنهم لا يملكون تأثيرا واضحا وحقيقيا. ورغم ذلك، يتابعهم كثير من المتابعين والمراهقين باعتبارهم شخصيات مؤثرة، بينما لا تعكس تلك الأرقام بالضرورة قيمة المحتوى أو أثره.
من جانبه، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن الظاهرة لا تتعلق بالمحتوى وحده، بل تعكس تغيرا في الطريقة التي يبني بها المجتمع ثقته بالأشخاص.
ويوضح أن المصداقية كانت في الماضي تُكتسب عبر سنوات طويلة من العمل والخبرة والإنجاز، بينما أصبح بالإمكان اليوم بناء صورة توحي بالمصداقية خلال أسابيع قليلة إذا نجح الشخص في إرضاء الخوارزمية.
ويؤكد أن امتلاك جمهور واسع لا يعني بالضرورة امتلاك تأثير حقيقي، كما أن قلة المتابعين لا تعني غياب القيمة. ويقول: "إننا لسنا أمام مشكلة في وجود المؤثرين الرقميين، فبينهم من يقدم محتوى مهما ومحترما، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرقم وحده إلى دليل على الجدارة".
خطورة العالم الرقمي
على الأجيال الصغيرة
ويضيف أن هذا التحول يترك أثرا اجتماعيا واضحا، خصوصا لدى الأجيال الصغيرة التي تبدأ بربط النجاح بعدد الإعجابات والمتابعين أكثر من ربطه بالعلم أو الاجتهاد أو الإنجاز.
فحين يرى الطالب أن شخصا يصنع مقاطع سطحية يحظى باهتمام يفوق ما يحظى به معلم أو طبيب أو باحث أفنى سنوات في تخصصه، فإن الرسالة التي يتلقاها تصبح أن الانتشار أهم من الكفاءة.
في تلك الليلة، لم تنه سمر الحديث عند ذلك السؤال. جلست مع ابنها لساعات، يتصفحان معا حسابات مختلفة، ويحاولان التفريق بين من يصنع محتوى يملأ الوقت، ومن يصنع محتوى يترك أثرا.
وتحدثت معه عن معلمة في مدرسة صغيرة غيّرت حياة مئات الطلبة، رغم أن أحدا خارج مدينتها لا يعرف اسمها، وروت له قصة طبيب بنى ثقة الناس به عبر أعوام من العمل والأمانة، من دون أن يمتلك ملايين المتابعين أو مقاطع تنتشر كل يوم.
ثم سألته: "لو خُيّرت بين شخص يتابعه ملايين لكنه لا يضيف لك شيئا، وشخص يتابعه ألف إنسان لكنه يغير طريقة تفكيرك، فمن منهما المؤثر الحقيقي؟".
هذه المرة لم يجب ابنها بسرعة كما فعل في البداية، بل بقي صامتا، ينظر إلى الشاشة للحظات، وكأنه يرى الأرقام بطريقة مختلفة لأول مرة.
وتقول سمر: "إن ذلك الصمت كان بالنسبة إليّ أهم من أي إجابة. فأنا لا أريد أن أمنعه من المتابعة أو الضحك، ما أريده فعلا أن يفرّق بين المؤثر الحقيقي وغيره ممن يُسمّون بالمؤثرين في هذا الوقت".
وهو السؤال نفسه الذي ترى الدكتورة بيان القضاة أنه يجب أن يصبح جزءا من ثقافة الاستخدام اليومي لمنصات التواصل.
حدود المعرفة التي ترافق الإنسان
فالمشكلة، بحسب رأيها، ليست في وجود محتوى ترفيهي أو سطحي، فهذا النوع من المحتوى كان موجودا دائما بأشكال مختلفة، لكن المشكلة الحقيقية هي غياب المهارة التي تساعد المستخدم على التمييز بين من يستحق المتابعة لأنه يضيف معرفة أو تجربة، ومن يظهر أمامه فقط لأن الخوارزمية قررت أن تدفعه إلى الواجهة.
في النهاية، تبقى الأرقام مجرد أرقام، وعدد المتابعين لا يمنح صاحبه تلقائيا الحكمة، ولا يحوّله إلى خبير، ولا يجعل رأيه أكثر صحة من غيره.
أما التأثير الحقيقي، فلا يُقاس بما يظهر على الشاشة، بل بما يبقى في العقل بعد إغلاقها؛ فهو الفكرة التي تغيّر قناعة، أو السؤال الذي يفتح بابا للتفكير، أو المعرفة التي ترافق الإنسان بعد انتهاء الفيديو.
ذلك هو الفرق بين من يملأ دقائق من وقتنا ومن يترك أثرا يمتد لما بعد الشاشة، وهو الفرق الذي أدركته سمر بفطرتها كأم قبل أن تدركه الأرقام.
ووفقا لأحدث الإحصائيات الصادرة عن مؤسسات الأبحاث الرقمية الرائدة عالميا (مثل DataReportal وMeltwater وDemandSage)، يتجاوز إجمالي عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم حاجز 5.79 مليار شخص، وهو ما يمثل زهاء 69.9 % من إجمالي سكان الأرض.
ضمن هذا المشهد الرقمي، تشير بيانات المنصات التحليلية المختصة باقتصاد صناعة المحتوى إلى وجود نحو 207 ملايين صانع محتوى ومؤثر عالميا يشاركون محتواهم عبر مختلف المنصات.
ويتوزع هؤلاء المؤثرون بين فئات متعددة؛ إذ تشكل فئة "المؤثرين الصغار جدا"، ممن يملكون أقل من 10 آلاف متابع، الشريحة الأكبر بنسبة تتجاوز 90 %، بينما لا تتجاوز فئة "المؤثرين الكبار والمحترفين" (من يملكون أكثر من مليون متابع) سوى مليوني مؤثر فقط على مستوى العالم.