عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Sep-2026

الظل الطويل لأسامة بن لادن

  الغد

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
والدن بيلو* - (فورين بوليسي إن فوكَس) 2026/9/11
 
 
صُممت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) لدفع الولايات المتحدة إلى الإفراط في التمدد عسكرياً، والدخول في دوامة إمبراطورية هابطة.
 
غالباً ما ينظر علماء الاجتماع إلى الفرد بوصفه نتاجاً للمجتمع. ولكن لا ينبغي أبداً، وأكرر: أبداً، التقليل من تأثير الشخصية في المجتمع. أو على الأقل، تأثير بعض الشخصيات فيه. ولعل الشخصية الوحيدة الأخرى في التاريخ الحديث التي كان لها تأثير في التطورات العالمية يضاهي تأثير دونالد ترامب هي أسامة بن لادن. فإذا كان ترامب هو الشخصية "النابليونية" في النصف الثاني من العقدين الأولين للقرن الحادي والعشرين؛ الشخصية التي تدفع قطار التاريخ إلى مسار مختلف، فإن ابن لادن كان الشخصية التي أدت هذا الدور في النصف الأول منهما. بل وربما لا يمكن فهم ترامب من دون أسامة.
في المسلسل التلفزيوني "البرج الذي يلوح في الأفق" The Looming Tower، الذي يجسد الأحداث التي سبقت 11 أيلول (سبتمبر)، يُقال للمشاهدين إن تصور وجود 72 حورية في انتظارهم في الجنة هو ما دفع الإرهابيين إلى تنفيذ هجماتهم.
لكن تلك ليست سوى نصف القصة. أما النصف الآخر -وربما النصف الأهم- فكان الرؤية الإستراتيجية لأسامة بن لادن.
تشي غيفارا وأسامة بن لادن
لا أعرف ما إذا كان ابن لادن قد قرأ إرنستو "تشي" غيفارا. ولكن، سواء فعل أم لم يفعل، كانت رؤيته الإستراتيجية ورؤية تشي متشابهتين في جوهرهما. بالنسبة لتشي، كانت الرؤية تقوم على خلق العديد من الـ"فيتنامات" لتشتيت قوات الإمبراطورية الأميركية. وكانت بالنسبة إلى ابن لادن تقوم على تنفيذ عمل دراماتيكي ليكون بمثابة عامل تسريع للتمرد المناهض للولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وكان كلاهما رجل فعل، عازماً على إخضاع إستراتيجيته للاختبار العملي. وقد فشل تشي بعد أن حوصر وقُتل في مرتفعات بوليفيا. لكن أسامة نجح، على الرغم من أن السيناريو لم يجرِ وفقاً للخطة.
كان الهجوم على البرجين التوأمين في نيويورك عملاً إرهابياً مروّعاً. لكنّ مضيّ ربع قرن منذ ذلك الحين أتاح لنا منظوراً يمكن معه إدانة ذلك العمل، من دون أي التباس، بوصفه عملاً إرهابياً -وإنما مع النظر إليه في الوقت نفسه كضربة إستراتيجية بارعة في الحرب ضد الإمبراطورية الأميركية.
لم تجرِ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) تماماً على النحو الذي أراده ابن لادن. بدل أن يستلهم معظم المسلمين الهجوم، أصابهم الرعب ونأوا بأنفسهم عن ذلك الفعل المروّع. لكن الحظّ حالفه بفضل جورج دبليو. بوش والمحافظين الجدد الذين وصلوا معه إلى السلطة في واشنطن في العام 2001.
رأى هؤلاء في هجوم ابن لادن فرصة منحها لهم القدر لإفهام أعداء أميركا وأصدقائها على السواء أن الإمبراطورية هي كينونة مطلقة القدرة. وكانت الحربان اللتان شُنّتا ظاهرياً لملاحقة "جذور الإرهاب" في الواقع ما كان الرومان يسمونه "الحروب النموذجية"، وكان هدفهما هو إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية العالمية بما يتلاءم مع ما سمّته واشنطن وضعها أحادي القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
وهنا أيضاً يصبح عامل الشخصية ذا صلة. فقد كان بوش الابن، المحبط من تردد والده، جورج هـ. دبليو. بوش، في القضاء على صدام حسين خلال حرب الخليج 1990-1991، قد بدأ هذين الغزْوين بوصفهما الخطوتين الأوليين في تحرك يهدف إلى القضاء على ما سُمّي "الدول المارقة"؛ وإجبار الدول التابعة على إبداء قدر أكبر من الولاء، أو استبدالها بحلفاء أقوى؛ ووضع المنافسين الإستراتيجيين، مثل الصين، أمام رسالة واضحة مفادها أنه لا ينبغي لهم حتى مجرد التفكير في منافسة الولايات المتحدة على السلطة.
في تجاهل مطلق لدروس فيتنام والإخفاقين البريطاني والسوفياتي في أفغانستان، دفعت إدارة بوش الولايات المتحدة إلى خضم حربين يستحيل الانتصار فيهما ضد مقاتلين شديدي الحافز في الشرق الأوسط، بينما كان ابن لادن يراقب المشهد بارتياح ويعيش من دون إزعاج على مرأى من حليف أميركي -هو الجيش الباكستاني- في مدينة أبوت آباد الهادئة التي تضم حامية عسكرية. ولم يكن هذا السيناريو مطابقاً تماماً لما تصوّره أسامة، لكنه لم يكن بصدد الاعتراض ما دامت إدارة بوش تضع الولايات المتحدة -بدافع سعيها إلى الهيمنة أحادية القطب- على طريق التمدد المفرط، وهو ما كان في نهاية المطاف هدفه الإستراتيجي.
الأوديسة الأميركية
كان ما أعقب ذلك رحلة أميركية استمرت 25 عاماً في الشرق الأوسط، من دون أن تلوح في الأفق أي إمكانية للوصول إلى إيثاكا. وعندما خلف باراك أوباما جورج بوش في رئاسة الولايات المتحدة، تعهد بإخراج أميركا من الشرق الأوسط، لكن سحب قوات الولايات المتحدة من العراق ناقضته مشاركة إدارته في إسقاط حكومة القذافي في ليبيا؛ وإشرافه على زيادة القوات الأميركية في أفغانستان؛ وتوسيع الحرب السرية ضد أهداف طالبان في باكستان -الحرب التي أودت بحياة مئات الأشخاص حيث تم تبرير سقوطهم بوصفه أنه "أضرار جانبية" ضرورية.
كان وصول دونالد ترامب إلى السلطة مدفوعاً -في جزء منه- بقوة المشاعر المناهضة للحرب. وظل يذكّر الناس خلال حملته الرئاسية في العام 2016 بأن منافسته، هيلاري كلينتون، كانت قد صوّتت عندما كانت عضواً في مجلس الشيوخ لمصلحة غزو العراق في العام 2003. لكنه انتهى بعد توليه المنصب إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بمستوى أكبر بكثير. كان هناك أولاً دعمه غير المشروط لإسرائيل، الذي قاده إلى خطوة كبرى أثارت غضب العرب: نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس. ثم تراجع عندما أخرج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران عن الإنجاز الوحيد الذي كان قد حققه أوباما في تخفيف التوتر، والذي كان قد فرض قيوداً فعالة على تطوير طهران لليورانيوم الصالح لصنع الأسلحة، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية. وأخيراً، منح شيكاً على بياض لبعض دول الإقليم لشراء الأسلحة التي مكنتها من التدخل بقسوة في الحروب الأهلية لدول إقليمية أخرى.
عندما قرر الرئيس جو بايدن في العام 2021 الانسحاب من أفغانستان، لم يكن دافعه الحرص على السلام العالمي، وإنما دفعته رغبة ملحّة في إعادة صياغة الإستراتيجية الأميركية لوضع تركيزها على الصين، حيث كان بوسع الولايات المتحدة الاعتماد على إستراتيجية احتواء تقوم أساساً على القوة البحرية، وحيث كانت قواتها أكثر استعداداً بكثير لتنفيذها من مطاردة حركات تمرد شعبية أو الانخراط في بناء الدول حيث لم تكن شروط النجاح متوافرة، كما في العراق وأفغانستان وسورية. وكان أوباما قد حاول فعل ذلك من خلال سياسة "إعادة التمحوُر نحو آسيا"، لكنه رضخ للضغوط المضادة من جنرالاته الذين طالبوه بـ"المضي قدُماً في المسار" في الشرق الأوسط. وبحلول الوقت الذي وصل فيه بايدن إلى السلطة، كان قد أدرك أن الاستمرار في المسار نفسه أدى إلى تآكل القوة الأميركية بشكل جذري. وقد ظهرت حقيقة أنه لم يكن من دعاة السلام، وإنما زعيماً حربي النزعة مصمماً على تحقيق هيمنة عسكرية أميركية لا تُنازع من خلال إستراتيجية جديدة، في تحركاته الاستفزازية لاستدراج الصين إلى المواجهة في بحر الصين الجنوبي من خلال تسيير سفن عبر مضيق تايوان بعد بضعة أشهر من الانسحاب من أفغانستان.
ولكن، تماماً كما كان الحال مع أوباما وترامب، كان الخروج من الشرق الأوسط أسهل على القول منه على الفعل. بدلاً من الانخراط العسكري، حاولت واشنطن استعادة قدر من السيطرة على الأحداث هناك من خلال بناء تقارب دبلوماسي بين إسرائيل والسعودية ودول الخليج العربية الأصغر، مثل قطر، والذي كان من المفترض أن يحقق الاستقرار في المنطقة. لكن الهجوم الذي نفذته "حماس" على إسرائيل في تشرين الأول (أكتوبر) 2023 نسف هذه الخطة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، حيث لم يكن بوسع الحكومات العربية أن تتحمل إبرام اتفاق مع إسرائيل بينما كانت الأخيرة تذبح شعباً عربياً آخر -الشعب الفلسطيني. وأصبحت الولايات المتحدة أكثر عزلة حتى مما كانت عليه عندما انسحبت من أفغانستان قبل أكثر من عامين، حيث أدانها العالم العربي بأسره -بل العالم كله، بينما كانت تزود الإسرائيليين بالأسلحة لارتكاب إبادة جماعية في غزة. وفي الوقت نفسه، اتخذت منافستها، الصين، موقعاً متماهياً مع الجنوب العالمي، وروّجت لدبلوماسية لصنع السلام بدت على النقيض من الدعم الأميركي غير المشروط للهجوم العسكري الإسرائيلي ذي الطابع الإبادي.
لا نهاية في الأفق
خاض دونالد ترامب مرة أخرى انتخابات العام 2024 باعتباره "مرشح السلام"، لكنه ما إن تولى السلطة حتى وضع نفسه مائة في المائة خلف الإستراتيجية الإبادية التي تنتهجها إسرائيل في غزة. لكنّ أكبر أخطائه الإستراتيجية تمثّل في السماح لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، باستدراجه إلى قصف إيران تحت وهم أن ذلك سيشعل انتفاضة شعبية في ذلك البلد. وبعد أكثر من ستة أشهر على قراره الذهاب إلى الحرب، يجد ترامب نفسه عالقاً ويائساً بينما تسيطر الحكومة الإيرانية على مجريات الأحداث، وترفض أن تتيح له مخرجاً من المأزق -باستثناء انسحاب مخزٍ وغير مشروط. وتتزايد شعبيته سوءاً يوماً بعد يوم بطريقة ترجح بدرجة كبيرة خسارة الجمهوريين لمجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي للعام 2026. لكن ترامب تعلّم، على الأقل، درساً واحداً من مغامرات بوش الابن: لا -وأكرر، لا تُدخل قوات برية على الأرض، وإلا ستكون قد انتهيت حقاً.
وهكذا، بعد مرور 15 عاماً على مقتله على أيدي قوات البحرية الأميركية الخاصة في أبوت آباد، يواصل أسامة بن لادن إلقاء ظله الطويل على الشرق الأوسط والسياسة الأميركية. وكما أقرت نيلي لحّود، محللة الاستخبارات الأميركية التي أعدّت أكثر الدراسات تفصيلاً عن آليات عمل تنظيم القاعدة من الداخل في ظل قيادة ابن لادن: "على الرغم من أن هجمات 11 أيلول (سبتمبر) انتهت إلى أن تكون انتصاراً باهظ الثمن لتنظيم القاعدة، غيّر أسامة العالم، وظل يؤثر في السياسة العالمية قرابة عقد بعد ذلك". وإذا كانت الولايات المتحدة هي القوة العالمية المرتبكة والمذهولة التي هي عليها اليوم -وقد اختُزلت، فوق ذلك، إلى مجرد كلب يهزّه ذيل صهيوني- فإن ذلك يعود، إلى حد غير قليل، إلى أسامة بن لادن.
في بعض الأحيان، تفضي أفعالٌ تستحق الإدانة الأخلاقية إلى نتائج تكون إيجابية في التحصيل الأخير. وفي الحقيقة، يعمل التاريخ، الذي كان يُوصف في أزمنة أقل علمانية بأنه "العناية الإلهية"، بطرائقه الغامضة الخاصة.
*والدن بيلو Walden Bello (1945–): مفكر وعالم اجتماع وناشط سياسي فلبيني، حاصل على درجة الدكتوراة في علم الاجتماع من جامعة برينستون، وأحد أبرز النقاد العالميين للعولمة النيوليبرالية والهيمنة الاقتصادية والسياسية الغربية. شارك في العام 1995 في تأسيس منظمة "ضوء على الجنوب العالمي" Focus on the Global South. شغل سابقاً منصب أستاذ وباحث في عدد من المؤسسات الأكاديمية، وكان عضواً في الكونغرس الفلبيني، وناشطاً بارزاً في الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية ونزع السلاح والعدالة الاقتصادية والبيئية. له مؤلفات عديدة في العولمة والاقتصاد السياسي والتنمية والمقاومة، من أبرزها "انتصار قاتم" Dark Victory و"المستقبل في الميزان" The Future in the Balance.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Long Shadow of Osama Bin Laden