أتمتة الإجراءات القضائية.. هل تقصر أمد التقاضي؟
الغد-سماح بيبرس
بعد ثلاثة أعوام على إقرار القانون المعدل لقانون أصول المحاكمات المدنية رقم 14 لسنة 2023 ونشره في الجريدة الرسمية، بدأت آثار التوسع بأتمتة الإجراءات القضائية تظهر بصورة أوضح داخل المحاكم الأردنية، مع اعتماد متزايد على التبليغات الإلكترونية، والجلسات عن بعد، والتقاضي الإلكتروني، في إطار توجه يهدف لتسريع الفصل بالقضايا، وتخفيف الضغط عن المحاكم، وتقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية.
ويأتي هذا التحول ضمن مسار أوسع لتحديث القطاع القضائي، توسعت خلاله الحكومة برقمنة الخدمات العدلية، عبر تعديلات تشريعية وإطلاق خدمات إلكترونية جديدة، كان آخرها خدمات الكاتب العدل الإلكترونية، بما ينسجم مع توجه رسمي لرفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتسهيل الوصول إليها، واختصار الوقت والجهد على المتقاضين والمحامين والجهات القضائية.
وفيما يرى قانونيون أن هذه الإجراءات أحدثت تحولا ملموسا بإدارة الدعوى المدنية، وأسهمت بتسريع بعض مراحل التقاضي، ولا سيما ما يتعلق بالتبليغات وتبادل اللوائح وسماع الشهود عن بعد، يرى آخرون أن أثرها لم ينعكس بعد بصورة كافية على تقليص أمد التقاضي، مؤكدين أن بعض الإجراءات الإلكترونية، رغم أهميتها، ما تزال بحاجة لتطوير تشريعي وتطبيقي أوسع حتى تحقق أثرها الكامل.
تخفيف الكلف والجهد
وقال رئيس اللجنة القانونية النيابية عارف السعايدة، إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال السنوات الماضية ساعدت بتخفيف الكلف والجهد، بخاصة فيما يتعلق بقبول شهادات النزلاء من داخل مراكز الإصلاح والتأهيل دون الحاجة لنقلهم إلى قاعات المحاكم، غير أنها، برأيه، لم تنعكس حتى الآن بشكل واضح على تسريع أمد التقاضي.
وأضاف أن القوانين التي يُنتظر أن يكون لها أثر مباشر بتسريع إجراءات التقاضي، والتي أُقرت مؤخراً، لم تظهر نتائجها العملية بعد بصورة كافية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة قد تكشف أثراً أكبر لهذه التشريعات بعد اكتمال تطبيقها وتقييم نتائجها.
وبيّن أن الحكومة ستحيل خلال الدورة العادية المقبلة لمجلس النواب مجموعة من التعديلات على عدد من التشريعات، من بينها قوانين التنفيذ، وأصول المحاكمات المدنية، وأصول المحاكمات الجزائية، لافتاً إلى أن هذه التعديلات من شأنها دعم التحول الإلكتروني بالقضاء، وتعزيز كفاءة الإجراءات، والمساهمة في تسريع الفصل في القضايا.
تسريع الفصل بالقضايا
من جهته، قال المحامي أحمد البطمة، إن الإجراءات والقوانين التي أقرتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة كان لها أثر واضح بتسريع الفصل في القضايا، مشيراً إلى أن بعض القضايا التي كانت تستغرق سنوات طويلة قبل صدور الأحكام فيها، أصبحت اليوم تحسم خلال سنة أو أقل في بعض الحالات.
وأوضح أن الإجراءات الإلكترونية، مثل التسجيل الإلكتروني للدعاوى، والتبليغات الإلكترونية، وعقد الجلسات عن بُعد، والاستماع إلى شهادات الشهود باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، أسهمت بصورة مباشرة في تسريع إجراءات التقاضي، وتقليل التأخير المرتبط بالإجراءات التقليدية، خصوصاً في مسائل التبليغ، والتنقل بين المحاكم، وحضور الأطراف أو الشهود.
وأشار إلى أن هذه الأدوات الإلكترونية خففت العبء عن القضاة والموظفين والمحامين، وساعدت بتنظيم العمل داخل المحاكم، وتقليل الوقت الضائع في الإجراءات الشكلية، بما أتاح للمحكمة التركيز بصورة أكبر على جوهر النزاع والفصل فيه.
مسار مهم وجيد
إلى ذلك، أكد عضو مجلس نقابة المحامين وليد العدوان أن توجه الحكومة نحو أتمتة إجراءات التقاضي يعد مسارا مهما وجيدا، غير أن بعض تطبيقاته قد تمس، برأيه، بتقاليد مهنة المحاماة والقضاء وبالأدوار الأساسية المرتبطة بالمحاكمات الوجاهية.
وقال: إن الإجراءات الإلكترونية تحمل إيجابيات واضحة من حيث تسريع المعاملات وإنجاز القضايا، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب طبيعة المحاكمة الوجاهية، بخاصة بالقضايا التي تتطلب مناقشة الشهود بصورة مباشرة أمام المحكمة.
ولفت إلى أن مناقشة الشاهد لا تقتصر على توجيه الأسئلة وتلقي الإجابات، بل تتضمن جانباً مهنيا دقيقا يقوم على ملاحظة انفعالات الشاهد وتصرفاته وردود أفعاله أثناء الإدلاء بالشهادة، وهو ما وصفه بـ"فن مناقشة الشاهد"، معتبراً أن المحاكمات عن بُعد قد لا توفر هذا البعد بالشكل ذاته، الأمر الذي قد ينعكس على جودة القرار القضائي ودقة تقدير البينات.
يشار إلى أن القانون المعدل لقانون أصول المحاكمات المدنية رقم 14 لسنة 2023 كان قد أقر أتمتة بعض الإجراءات القضائية، وتوسيع نطاق استخدام الوسائل الإلكترونية بالتقاضي والتبليغات، إذ اعتمد التبليغ الإلكتروني كوسيلة قانونية في الدعاوى المدنية، بما يتيح تبليغ المحامين والخصوم عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو أي وسيلة إلكترونية تحددها الأنظمة الصادرة لهذه الغاية، مع اعتبار هذا التبليغ منتجاً لآثاره القانونية من تاريخ الاستلام.
كما ألزم القانون أطراف الدعوى ووكلاءهم بتحديث بيانات الاتصال الخاصة بهم بصورة مستمرة، وإلا اعتُبرت البيانات المصرح بها سابقاً صحيحة لغايات التبليغ، في خطوة تهدف للحد من تأخير القضايا الناتج عن صعوبة التبليغ أو تغيير العناوين أو تعذر الوصول للخصوم.
وشملت التعديلات السماح بتقديم لوائح الدعوى واللوائح الجوابية والمذكرات والمرافعات ورقياً أو إلكترونياً، إلى جانب إمكانية إرفاق الشهادات الخطية المشفوعة بالقسم إلكترونياً.
كما وسّع القانون من استخدام الوسائل الإلكترونية في إجراءات المحاكمة، إذ أجاز عقد بعض الجلسات دون حضور الخصوم، خصوصاً تلك المتعلقة بتبادل اللوائح والمذكرات أو إصدار القرارات الإعدادية، شريطة تبليغها وفق الأصول القانونية، إضافة إلى السماح بسماع الشهود باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، سواء كانوا داخل المملكة أو خارجها، وفق ضوابط يحددها النظام.