"تجليات أدبية في الرواية العربية".. قراءة نقدية في جماليات السرد وتحولاته
الغد-عزيزة علي
صدر عن دار دجلة للنشر والتوزيع كتاب "أدب ونقد: تجليات أدبية في الرواية العربية"، للدكتورة فدوى
عبد الرحيم عودة، الذي يقدم قراءة نقدية في عدد من التجارب الروائية العربية، مسلطًا الضوء على جماليات السرد وتنوع الأساليب والتقنيات الفنية التي شكلت حضور الرواية العربية الحديثة.
ويستعرض الكتاب، وفق تقديم الدكتور علي الجريري، مجموعة من القضايا المرتبطة بالرواية العربية، من بينها التناص، والأدب النسوي، وصورة القدس، والهوية، وجدلية الأنا والآخر، من خلال تحليل نماذج روائية لكتّاب من أجيال وتجارب مختلفة، ما يمنحه طابعًا نقديًا يجمع بين تنوع النصوص ووحدة الرؤية الجمالية.
وأكدت المؤلفة أن الرواية باتت من أبرز الأجناس الأدبية القادرة على التعبير عن قضايا الإنسان المعاصر وتحولاته الاجتماعية والثقافية، وهو ما دفعها إلى تناول نماذج روائية متعددة للكشف عن جمالياتها الفنية وأبعادها الفكرية.
وأشار الدكتور علي الجريري، في تقديمه للكتاب، إلى تميز المؤلفة في تناول قضايا الرواية العربية، واهتمامها بقضايا المرأة والقدس، من خلال استعراض نشأة الرواية وتطورها ومدارسها المختلفة. كما برز تنوع موضوعاته التي تتناول جماليات التناص في رواية "الصبار"، لسحر خليفة، والأدب النسوي، وصورة القدس في روايات المقدسيين، إلى جانب دراسة البناء الدرامي التاريخي في رواية "رحلة ضياع"، لديمة السمان.
وأشار الجريري، إلى تفرد عودة في اختيار نصوص روائية متنوعة لكتّاب ينتمون إلى أجيال وتجارب مختلفة، ما جعل الكتاب بمثابة خريطة نقدية فسيفسائية منتقاة بعناية. ويتجلى هذا التنوع في تناولها شعرية التشكيل السردي في رواية "رأيت رام الله"، لمريد البرغوثي، وجدلية الأنا والآخر في "الطنطورية"، لرضوى عاشور، فضلًا عن دراسة الأنساق الثقافية المضمرة في رواية "الشتات: الحب المقاومة السجن الحرية"، لرأفت حمدونة.
وفي مقدمتها للكتاب، أكدت الدكتورة فدوى عبد الرحيم عودة أن الرواية ما تزال تحظى باهتمام النقاد والباحثين، لما تشهده من ازدهار وانتشار، وارتباطها بقضايا الإنسان المعاصر، مثل الهوية والأنا والآخر والهامش والمركز. وتشير إلى أن الرواية العربية بدأت ملامحها في القرن التاسع عشر مع "الساق على الساق"، لفارس الشدياق العام 1855، ثم تطورت في العقود اللاحقة.
وقالت المؤلفة: "إنه قبل الحديث عن نشأة الرواية وتطورها، لا بد من التوقف عند مفهومها؛ فهي من أبرز الفنون الأدبية القادرة على التعبير عن قضايا الإنسان المعاصر، ومعالجة مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية".
وتُعد الرواية فنًا سرديًا يقوم على نقل الأحداث بواسطة راوٍ، بخلاف المسرحية التي تعتمد على أفعال الشخصيات وحواراتها. ولتمييزها عن غيرها من الأجناس الأدبية، ينبغي تعريفها لغة واصطلاحًا.
تعددت مفاهيم الرواية وتعريفاتها لدى النقاد واللغويين، وحملت في المعاجم العربية دلالات متعددة. ففي "لسان العرب"، ترتبط لفظة الرواية بمعاني نقل الخبر وحفظه واستظهاره، وهي مشتقة من الفعل "روى"، الدال على الحمل والنقل، كقولهم: روى الحديث والشعر، أي حفظه ونقله.
أما "المعجم الوسيط"، فيربطها بمعاني السقي والحمل والنقل، فالراوي هو ناقل الحديث أو الشعر، والرواية هي القصة الطويلة. ويتضح من ذلك أن المعنى اللغوي للرواية يرتبط بالنقل والحفظ والإخبار، وقد تعددت دلالاتها باختلاف الدارسين.
وترى عودة، أن الرواية تتميز عن غيرها من الأجناس الأدبية بانفتاحها على مختلف الفنون والأنواع، واتساع فضائها الزمني والحدثي. وفي تعريفها الاصطلاحي، يرى عبد الله العربي أنها فن شامل، موضوعي أو ذاتي، يستمد بناءه الفني من المجتمع، ويستوعب تنوع الأساليب والتجارب، بما يعكس ما يزخر به من جماعات وطبقات وتناقضات. ومن هنا تتضح قدرة الرواية على التعبير عن قضايا المجتمع وتحولاته، ضمن بناء فني متنوع.
وازدهرت الرواية في القرن التاسع عشر، ثم تجاوزت مكانة الشعر والمسرح في العصر الحديث، لما تمتلكه من قدرة على استيعاب الفنون الأخرى؛ فاستفادت من الشعر في لغتها وصورها الجمالية، ومن المسرح في الحوار والمونولوج، كما امتلكت قدرة على إعادة تشكيل الواقع وبناء عوالم متخيلة، تعكس التجارب الإنسانية والثقافية.
وتشير إلى أن الرواية دخلت إلى الأدب العربي مع عصر النهضة الحديثة، نتيجة الاحتكاك بالغرب والترجمة والاقتباس، بعد أن كان الشعر الفن الأدبي المهيمن على الثقافة العربية. ويُعد العام 1912، محطة بارزة في تاريخ الرواية العربية مع صدور "زينب"، لمحمد حسين هيكل، التي مثّلت بداية الرواية الاجتماعية العربية، وصورت واقع الريف المصري وعاداته وتقاليده.
وتشير عودة إلى مساهمات المترجمين والكتّاب العائدين من البعثات العلمية، مثل فرح أنطون ونيقولا حداد، في ترسيخ أسس الفن الروائي العربي قبل الحرب العالمية الأولى. وبين الحربين العالميتين، برز كتّاب تركوا أثرًا واضحًا، من أبرزهم طه حسين في "الأيام"، التي اقتربت من السيرة الذاتية وعكست تطور الوعي الثقافي. كما كان لنجيب محفوظ مساهمة بارزة في تطور الرواية العربية، إذ أغنى المكتبة العربية بأعماله المتنوعة، وأصبح رمزًا للرواية الحديثة بعد فوزه بجائزة "نوبل" للآداب.
وعن اختيار عنوان الكتاب "جماليات أدبية في الرواية العربية"، أوضحت المؤلفة أنه جاء انطلاقًا من اهتمام علم الجمال الأدبي بدراسة جماليات النصوص وقيمتها الفنية. ويضم الكتاب ثمانية فصول، يتناول كل منها رواية عربية بالتحليل والكشف عن جمالياتها وأبعادها الأدبية.
وأضافت أن الفصل الأول من الكتاب يتناول "جماليات التناص"، في رواية "الصبار"، لسحر خليفة، ودوره في إثراء النص وتعميق أبعاده الفنية والفكرية. أما الفصل الثاني، فيبحث في الأدب النسوي من خلال العلاقة بين شعرية اللغة وسلطة الآخر، متناولًا خصائص اللغة السردية النسوية ومدى ارتباطها بجنس الكاتب وتجربته، ودورها في التعبير عن الذات وكسر القيود الاجتماعية والثقافية.
ويتناول الفصل الثالث صورة القدس في روايات الكتّاب المقدسيين، من خلال رواية "كافر سبت"، لعارف الحسيني، في ظل قلة الدراسات التي تناولت حضور القدس في الرواية مقارنة بالشعر. أما الفصل الرابع، فيبحث في البناء الدرامي التاريخي لرواية "رحلة ضياع"، لديمة السمان، موضحًا توظيف الرواية في توثيق مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين، خاصة النكبة وما خلفته من تهجير وتشريد ومعاناة للاجئين.
ويتناول الفصل الخامس شعرية التشكيل السردي في "رأيت رام الله"، لمريد البرغوثي، مركزًا على لغتها الشعرية وتقنياتها السردية في التعبير عن تجربة المنفى والعودة، إضافة إلى تحليل العتبات النصية وشعرية المكان والزمان ودورها في تشكيل أبعاد الرواية الفنية والجمالية.
يتناول الفصل السادس جدلية الأنا والآخر في رواية "الطنطورية"، لرضوى عاشور، من خلال دراسة علاقة الهوية بالغيرية وصراع الذات مع الآخر المحتل، مع التركيز على تجربة التهجير والمقاومة، وصور الاحتلال وأبعادها النفسية والأدبية والتاريخية.
أما الفصل السابع، فيبحث في الأنساق الثقافية المضمرة في رواية "الشتات: الحب المقاومة السجن الحرية"، لرأفت حمدونة، من خلال توظيف النقد الثقافي للكشف عن الدلالات الخفية والأنساق المضمرة في النص الروائي.