عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jun-2026

"سيولة الرأي العام" وتفاعله أمام الأحداث اليومية*محمود خطاطبة

 الغد

في الماضي، كانت الأحداث الكُبرى تستمر لفترات طويلة، إعلاميًا واجتماعيًا، الأمر الذي يسمح بنقاشات مُعمقة وتحليلات مُتعددة، تتناول الحدث من جميع جوانبه. أما اليوم، فالعالم يشهد تدفقًا غير مسبوق للأحداث والمعلومات.
 
 
في ظل هذا الواقع، برزت ظاهرة جديدة تتمثل في سرعة تلقي الرأي العام للأحداث اليومية، وسرعة انتقال اهتمامه من قضية إلى أُخرى، حتى باتت بعض القضايا التي كانت تستحوذ على اهتمام واسع، أكان محليًا أم إقليميًا أم دوليًا، تختفي من دائرة النقاش في غضون أيام أو حتى ساعات قليلة، دون أن تترك أثرًا عميقًا أو نقاشًا مُستدامًا، ما يعني أن اهتمام الناس ومواقفهم أصبحت سريعة التحول، وتشهد تقلبات ما بين عشية وضُحاها.
يُلاحظ أن التضامن مع القضايا الإنسانية أو النقاش حول الأزمات الاقتصادية والسياسية قد تحول إلى نمط استهلاكي، يقتصر تفاعل الشخص معه بـ»إعجاب» أو «مُشاركة» أو تعليق عابر، لا يترك أثرًا، وكأنه أدى ما عليه من واجبات، ثم ينتقل إلى حدث آخر مُختلف تمامًا عن سابقه، ويقوم بنفس ردة الفعل، مُكررًا الأسلوب نفسه.. وهذا بحد ذاته مُصيبة، فهُناك مواقف وآراء تتشكل بسبب انطباع أولي، أو حتى معلومات منقوصة، أو لنقل «جزئية»، ما تلبث أن تتغير مع ظهور حدث جديد. 
وهُنا يكمن الخوف، إذ إن إرهاصات مثل هذه الخطوة خطيرة جدًا على وعي ومُستقبل المُجتمعات، فخطرها يكمن بغياب الأثر المُستدام، خصوصًا إذا ما كانت الذاكرة قصيرة، والتي تُميز نوعًا ما الشعوب العربية، ومن ضمنهم الأردنيون.
المُشكلة تكمن في أن القضايا المصيرية، التي تتطلب حلولًا جذرية ونقاشات مُعمقة، باتت تُعامل مُعاملة أخبار لا قيمة لها (هامشية)، أو تلك التي يطرحها أُناس لا يملكون رؤية واضحة أو فكرًا، الأمر الذي يؤدي في النهاية، في حال لم تتم المُعالجة بشكل علمي مدروس يقوم عليها أُناس على قدر عال من الخبرة والمسؤولية، إلى ضياع الجهود المُجتمعية، وتعطيل ما يُعرف بتغيير حقيقي، كون المعنيين أو الجهات المسؤولة أصبحوا على يقين بأن مثل هذه «الموجات» عابرة، وخلال أيام لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة سيلتهي المواطن بموضوع جديد.
مرة ثانية، أقول إن «سيولة الرأي العام»، قد تكون سببًا رئيسًا في تحول المُجتمعات من قوى ضاغطة ومؤثرة إلى مُجرد شاشات عاكسة للأحداث.. الأمر الذي يؤكد ضرورة وجود خطة عملية علمية قابلة للتطبيق على أرض الواقع، من مهامها الأساسية التركيز على الوعي النقدي المُنظم، وبالتالي تنمية القُدرة على النقاش بشكل مُستدام حتى تتحقق النتائج المرجوة، أو لنقل لنُصبح أكثر فاعلية ومصداقية، وبالتالي ترسيخ ثقافة النقد البناء.
فعند ترك قضية مُهمة أو حدث مفصلي دون مُتابعة أو مساءلة الرأي العام، الذي يكون طوال الوقت مشغولًا بمواضيع أُخرى تكاد تكون بلا أي أهمية، فإن ذلك مدعاة للقلق والخوف، خصوصًا أن ذلك قد يخلق حالة من اللامبالاة!.. وهُنا يقع على عاتق المواطن ضرورة أن يُحقق توازنًا بين مُتابعة حدث ما وفهمه بشكل مُعمق، وذلك لضمان ألا يتحول الحدث إلى اهتمام مؤقت أو عابر.