عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Sep-2026

حين تصبح التعليقات أكثر إثارة من المحتوى.. ما الذي يدفعنا لقراءتها؟

 الغد-رشا كناكرية

 هل سألت نفسك من قبل: لماذا تتجه إلى قراءة قسم التعليقات، قبل أن تفهم حتى عما يتحدث المنشور؟ ولماذا يجذبك هذا الكم الهائل من التعليقات إلى قراءتها دون توقف؟ هذا ما يعيشه البعض في فضاء العالم الرقمي.
 
 
وقبل أن يكمل السطر الأول من أي منشور على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، يجد البعض نفسه يتجه إلى قسم التعليقات، لقراءة ما يختبئ بين خاناته من آراء وأفكار ومعتقدات وردود فكاهية وسوداوية. وهذا التصرف لا يقتصر على شخص واحد، بل هناك كثيرون غيره يفعلون ذلك.
تعليق يتبعه آخر وقراءة لا تتوقف؛ هذا ما يحدث مع كثيرين منا، بدوافع مختلفة للخوض بين خانات التعليقات، منها الفضول والضحك والسخرية والبحث عن التفاصيل. فعندما نشاهد أو نقرأ ما يثير الجدل، نجد البعض يتسابق إما إلى القراءة أو المشاركة بإضافة تعليق. وهناك من يفهم القصة من التعليقات ويبني رأيه الخاص، وآخرون يستمتعون بمشاهدة ما يدور من مشادات كلامية وصراعات، ويعيشون متعة المشاهدة الآمنة. ووصفه البعض بالدخول إلى مقهى ممتلئ بالناس الذين يتحدثون ويضحكون ويتفلسفون.
 بناء الآراء تبعاً للتعليقات 
ومن هؤلاء منال (44 عاما)، التي تعترف بأنها قد تستغرق ساعات وهي تقرأ التعليقات، "فهذه المتعة الأكبر"، على حد وصفها، مبينة أن التعليقات أهم من المنشور نفسه في نظرها، وأنها تستطيع أن تفهم القصة وتبني رأيها مما تقرؤه، وتنظر إلى الأمر من أكثر من زاوية.
"الفضول" هو ما يدفع منال إلى القراءة، على حد قولها، منوهة إلى أنها سهرت في إحدى الليالي على منشور يضم 370 تعليقا، تقرأ تعليقا يتبعه آخر، ولم تشعر بالوقت بل كان الأمر ممتعا ومسليا في نظرها. وتقول إن هذه العادة بدأت معها منذ زمن طويل، فقراءتها للتعليقات تزيد من فهمها لأفكار رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أعمارهم. 
وتعلم منال أن هناك كثيرين غيرها يفعلون ما تفعله، ولا تجد ذلك أمرا غريبا، بل عادة اجتماعية طبيعية منتشرة بين الجميع ومتقبلة، وتضيف المتعة إلى تفاصيل الحياة، على حد وصفها.
 الفضول والبحث عن الإثارة الرقمية
وأظهرت دراسة لظاهرة قراءة التعليقات قبل المنشور (تأثير القطيع)، اسمهاInfluence of social media comments on opinions about news، أن المستخدمين يميلون لقراءة التعليقات كأول معلومة بارزة تقع عليها أعينهم هربا من التدفق المعلوماتي الضخم.
ووجدت الدراسة أن حوالي 20 % من المستخدمين يقضون وقتا في قراءة التعليقات أطول مما يقضونه في قراءة المنشور أو المقال نفسه، ويعزى ذلك نفسيا إلى "تأثير العربة أو القطيع"، حيث يعد العقل البشري التعليقات تمثيلاً لرأي الأغلبية الأكثر دقة وسهولة في الاستيعاب.
ركز البحث على الجانب السلوكي للقراء غير الفاعلين،  وأظهرت النتائج أن آلية التمرير لقراءة التعليقات والبحث عن الردود الصادمة أو المضحكة تفجر جرعات سريعة ومتتالية من هرمون الدوبامين في الدماغ.  وهذا التفاعل البيولوجي يجعل القارئ محاصرا داخل "حلقة إدمان السلوكية" لدرجة يجد فيها نفسه يتصفح مئات الردود دون وعي، بدافع الفضول والبحث عن الإثارة الرقمية.
 لماذا ننجذب إلى التعليقات؟
في الواقع، إنه لم يعد المنشور وحده هو القصة، ففي كثير من الأحيان تبدأ القصة الحقيقية بعد انتهاء المنشور، عندما نفتح التعليقات ونجد أنفسنا ننتقل من تعليق إلى آخر، وكأننا دخلنا مجلسا افتراضيا لا نعرف أفراده، لكننا نريد أن نسمع ما يقولون.
جميع هذه الدوافع، باختلافها، أوجدت سؤالا واحدا: "لماذا ننجذب إلى قسم التعليقات؟".
ومن الجانب النفسي، يبين الباحث في علم النفس، عاصم المعايطة، أنه في كثير من الأحيان لا يريد الإنسان أن يعرف ماذا حدث فقط، وإنما كيف فهم الآخرون ما حدث.
ويوضح المعايطة أننا نستخدم آراء الناس بصورة تلقائية كنوع من البوصلة الاجتماعية، ونتساءل: "هل فهمت الموقف بشكل صحيح؟ هل انتبه الآخرون إلى شيء لم أنتبه إليه؟ وهل رد فعلي طبيعي مقارنة بردود فعلهم؟".
ويفسر المعايطة أننا نذهب إلى التعليقات قبل أن نكمل المنشور لأننا أحيانا نبحث عن تفسير جماعي للمحتوى أكثر من بحثنا عن المحتوى نفسه. ويذكر المعايطة أن دراسات التعليقات الرقمية وجدت بالفعل أن القراء قد يستنتجون، من مجموعة صغيرة من التعليقات، ما يعتقدون أنه "رأي الناس" بشكل عام، رغم أن المعلقين لا يمثلون المجتمع بالضرورة.
 التعليقات تفتح أمامنا فجوات كثيرة
ويضيف المعايطة، إن هناك أيضا عامل الفضول، فبحسب نظرية "فجوة المعلومات" لدى جورج لوينشتاين، عندما نشعر بأن هناك جزءا من القصة ما يزال مجهولا لدينا، يتولد لدينا دافع إلى معرفته، والتعليقات تفتح أمامنا فجوات كثيرة: "ماذا قال الناس؟ ماذا حدث فعلا؟ هل هناك قصة خلف الفيديو؟".
وهذا ما يجعلنا نستمر في قراءة التعليقات، تعليقا بعد آخر، لأنها ليست معلومة واحدة ننتهي منها، وإنما سلسلة من المفاجآت الصغيرة. ويقول المعايطة: "أنت لا تعرف ما الذي سيأتي بعد التعليق الذي تقرؤه، شخص يضيف معلومة، وآخر يسخر وثالث يعترض، ورابع يبدأ مشاجرة كاملة".
وهنا يتحول الفضول من سؤال واحد إلى مجموعة أسئلة صغيرة متتابعة، فكل إجابة قد تفتح سؤالا جديدا، ولذلك نشعر بأننا نريد قراءة "تعليق واحد إضافي" باستمرار، بحسب المعايطة.
ويذكر المعايطة أن هناك جانبا اجتماعيا أيضا، مبينا أننا لا نقرأ الكلمات فقط، وإنما نراقب الناس وهم يتفاعلون؛ فهناك من يتفق، ومن يعارض ومن يسخر، فنصبح كأننا نقف داخل مجلس أو مقهى، نستمع إلى حوار لا نشارك فيه. ولهذا يعتقد أن متعة التعليقات أحيانا هي متعة مراقبة المجتمع وهو يفكر بصوت مرتفع.
ومن جهة أخرى، يذكر المعايطة أن بعض التعليقات تكون أكثر تأثيرا أو إضحاكا لنا من المحتوى الأصلي؛ لأن المحتوى الأصلي يقدم لنا الحدث، بينما قد يقدم لنا التعليق المعنى الذي لم ننتبه إليه، كأن يكتب شخص جملة قصيرة جدا، فيعيد تفسير الفيديو كله، أو يلتقط تفصيلا صغيرا لم ينتبه إليه أحد، وفجأة يصبح هذا التفصيل أكثر ما يضحكنا.
التعليقات ليست بريئة  في تشكيل الرأي
ويشير المعايطة إلى أن السخرية، تحديدا، تعتمد كثيرا على المفاجأة وكسر التوقع، كما تشير أبحاث علم نفس الفكاهة إلى أن عنصر المفاجأة والتناقض بين ما نتوقعه وما يقال فعليا، من العناصر المهمة في الإحساس بالفكاهة.
أما من ناحية التأثير، فيبين المعايطة أن التعليقات ليست بريئة تماما في تشكيل رأينا، وأن هناك تجارب على قراءة الأخبار وجدت أن التعليقات قد تغير تقييم القارئ للمادة، بل إن التعليقات النقدية يمكن أن تقلل من مصداقية الخبر في نظر بعض القراء.
ولهذا يمكن القول إننا لا نقرأ التعليقات بعد المحتوى فقط؛ بل أحيانا نعيد قراءة المحتوى من خلال التعليقات.
في ختام حديثه، يبين المعايطة أن قسم التعليقات يجمع ثلاثة أشياء يحبها العقل البشري "الفضول، ومراقبة الآخرين، والمفاجأة"، لذلك يبدأ الأمر برغبة بسيطة في معرفة "ماذا قال الناس؟"، ثم نجد أنفسنا داخل قصة موازية قد تكون أكثر إثارة من المنشور نفسه.