آن كارسون.. مواجهة الملل بكنس الأرض و"هوميروس"*موفق ملكاوي
الغد
استمعت أكثر من مرة إلى المحادثة الهاتفية التي أجرتها إدارة جائزة نوبل مع الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون، لإبلاغها بفوزها بجائزة الأدب، وفي كل مرة، كان ثمة ما يدفعني لإعادة الاستماع ومحاولة فهم شخصية هذه الأديبة بإجاباتها المقتضبة التي بدت أكثر عمقا مما توحي به للوهلة الأولى.
كان لافتا التباين بين ضخامة الحدث وهدوء الاستجابة، وبين ما ينتظره المرء من كاتب بلغ ذروة الاعتراف الأدبي، وما تقوله امرأة تجلس في مطبخها لتشرب الشاي، وتفكر في كنس الأرض.
لم تحاول جعل اللحظة حدثا استثنائيا، فبدت ساخرة من الضجيج واتصالات الهاتف المستمرة، ومن فكرة انتظار رد فعل درامي منها يليق بحجم التكريم. وصفت الأمر بأنه «جنوني»، واعتذرت عن عدم تقديم مشهد مثير، فيومها يسير على نحو عادي، ولا تبدو معنية بتقديم نفسها بصورة يتوقعها الآخرون، أو تغيير سلوكها اليومي لمجرد أن العالم قرر الاحتفاء بها.
في حديثها عن الجائزة والمال والكتابة والملل، حافظت كارسون على منطق تحرير الأشياء من المعاني الجاهزة التي يفرضها الناس عليها. هي، مثلا، فكرت في الطرق التي يمكنها بها التبرع بالمال، ولم تقدم إجابة أخلاقية مطولة عن المسؤولية الاجتماعية للكاتب، أو تحول المناسبة لخطاب إنساني كبير، فقد انتقل تفكيرها مباشرة إلى حاجات الآخرين.
وللاحتفال بالفوز، تختار الخروج للمشي في الغابة هربا من الهاتف، وللإصغاء للسكون، فالحدث الذي يضعها في مركز اهتمام العالم يدفعها للبحث عن مكان يقل فيه حضور العالم.
تختار تعبير «غير متعمدة» بمعنى الصدفة، في وصف تجربتها الأدبية، وتوضح بأنها حاولت دائما أن تفعل شيئا آخر، لتبتعد بإجابتها عن الصورة الشائعة للكاتب الذي يعرف منذ البداية ما يريد أن يكونه، ويسير بثبات نحو مشروع محدد المعالم.
ربما يفسر ذلك عبارتها الأكثر تكرارا بالمقابلة «ابدأ من المنتصف»، والتي تحتمل قراءات عديدة، من بينها التحرر من الاعتقاد بأن كل شيء يحتاج لترتيب، فالبداية قد تكون النقطة التي يجد الكاتب نفسه فيها داخل التجربة. هي لا تقدم طريقة جاهزة للكتابة، وتقاوم فكرة الوصفات نفسها، لتدافع عن حق الكتابة في أن تبدأ من حيث تتولد الحاجة إليها.
في حديثها عن «هوميروس»، وسبب بقاء الحكايات الكلاسيكية ذات صلة بالناس اليوم، أجابت بأنها ليست مهتمة بمدى صلتها بنا، بل بمدى صلتنا نحن بها، وهي بذلك تنفي افتراض أن الحاضر يمتلك سلطة مطلقة على الماضي، أو أن قيمة النصوص تتوقف على قدرتها على الاستجابة لاحتياجاتنا المباشرة، منطلقة من موقف معرفي وجمالي مهم، يحرر الأدب من معيار المنفعة الآنية.
كارسون لا تتظاهر بأن الحياة ممتلئة دائما بالمعنى والإثارة، ولا تقدم وصفة كبرى للخلاص من الملل. تعترف بوجوده، وتختار الفعل لتحوله من حالة سلبية ينبغي التخلص منها، إلى قوة تدفع للحركة. تجنب الملل، بالنسبة إليها، ليس أمرا بالغ الأهمية، فهو معيار تختار على أساسه ما ستفعله، مثل أن تكنس الأرض، أو تقرأ هوميروس.
تضع كنس الأرض وقراءة هوميروس في سياق واحد، ولا تقيم بين الفعلين تلك المسافة الهائلة التي نتوقعها من أديبة أمضت عقودا في الاشتغال على النصوص الكلاسيكية. كنس الأرض النشاط البسيط، في مقابل قراءة هوميروس بما تحمله من فعل معرفي وجمالي معقد، يلتقيان عندها في القدرة على مواجهة الرتابة. في الحالتين، لا تنتظر كارسون اكتمال الشروط قبل الفعل، ولا أن تصبح الحياة مثيرة كي تنخرط فيها.
خلال المكالمة، لم تحاول كارسون إثبات عمقها. إجاباتها قصيرة وعابرة، لكنها تفتح الباب لأسئلة كثيرة، فهناك «هوميروس» للإلهام، و»ابدأ من المنتصف» للكتابة، بينما تحاول فعل أي شيء لتجنب الملل. إنها لا تستعرض معرفتها لتؤكد أهليتها للجائزة.
ورغم أن العبارات المكثفة قد تكون ملهمة لكنها لا تغني دائما عن التفسير، إلا أن كارسون لم تكن في مقام تقديم محاضرة فلسفية، فقد كانت تجيب عن أسئلة هاتفية في صباح غير عادي، بينما تحاول الحفاظ على شيء من عادية حياتها.
إجابات بسيطة جدا، تكشف عن امرأة تبدو متصالحة مع بساطة يومها، وغير مستعدة للمبالغة في الاحتفاء بذاتها. فحتى في صباح الفوز بجائزة نوبل، تبقى هناك أرض تحتاج إلى كنس.