الغد
عواصم ــ يشهد جنوب لبنان تصعيدا عسكريا متواصلا من جانب الاحتلال الإسرائيلي، رغم سريان الهدنة، حيث تتداخل الغارات الجوية مع عمليات نسف وتفجير تستهدف البنية المدنية في عدد من البلدات الحدودية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتسارع فيه التغيرات الميدانية على الأرض، بما يشير إلى مسار عملياتي يتجاوز الضربات التقليدية نحو إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في المنطقة.
ويوضح المحلل صهيب العصا أن ما يجري يمثل نسقا جديدا يثبته الاحتلال الإسرائيلي على غرار ما فعل في قطاع غزة، مشيرا إلى ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، حول ما وصفته بـ"خط أصفر" جديد ترسمه إسرائيل في جنوب لبنان.
وبيّن العصا أن هذا الخط يمتد من الحدود الشمالية الشرقية مع سورية مرورا بحاصبيا ومرجعيون والخيام، وصولا إلى الحافة الأمامية بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات، مع امتداد مماثل على الساحل الغربي عند شواطئ البياضة والناقورة. وأشار إلى أن هذه المنطقة تُعامل كحزام عازل تسعى إسرائيل إلى تثبيته ميدانيا.
وأكد أن العمليات العسكرية تتركز بشكل خاص في القطاع الأوسط، لا سيما في بنت جبيل ومحيطها، حيث ينفذ جيش الاحتلال عمليات قصف ونسف واسعة، طالت أيضا بلدات الطيري وبيت ليف وعيتا الشعب، إضافة إلى مناطق في القطاع الشرقي مثل الخيام والطيبة.
ولفت العصا إلى أن المرحلة الحالية تشهد انتقالا إلى عملية التدمير الممنهج ونسف المنازل، مستعرضا صورا مقارنة لمدينة بنت جبيل بين أعوام 2024 و2025 و2026، أظهرت تصاعدا كبيرا في حجم الدمار، خاصة في وسط المدينة.
وأشار إلى أن الاحتلال يحاول خلق واقع جغرافي جديد، بعد أن فرض واقعا ديموغرافيا من خلال منع السكان من العودة إلى قراهم. وأوضح أن نحو 55 إلى 60 قرية لبنانية باتت مناطق محظورة على سكانها، ما يعزز مساعي تشكيل منطقة عازلة خالية من السكان.
وأضاف أن هذا التوجه يشمل مختلف قطاعات الجنوب، من الطيبة ومرجعيون والخيام في الشرق، إلى بنت جبيل وعيتا الشعب والطيري وبيت ليف في الوسط، في إطار ما وصفه بتغيير طويل الأمد في شكل المنطقة ومسار الحرب.
بنت جبيل.. عقدة إستراتيجية
من جهته، قدّم العقيد الركن نضال أبو زيد الخبير العسكري والاستراتيجي، قراءة تحليلية للمشهد، موضحا أن بنت جبيل تمثل "مركزا إستراتيجيا رئيسا في جنوب لبنان"، واصفا إياها بأنها بوابة لخط قرى النسق الثاني.
وشرح أن أهمية المدينة تنبع من موقعها الرابط بين عدة محاور، منها شمع والقنطرة وصولا إلى الخيام، ما يجعلها نقطة ارتكاز للتحكم في الجنوب. وأضاف أن إعلان إسرائيل انتشارها في نحو 20 نقطة جنوب لبنان يندرج ضمن ما يعرف عسكريا بـ"مسك المناطق الحاكمة"، أي السيطرة على التلال المرتفعة التي توفر أفضلية في الرصد وإدارة النيران.
وأوضح أن السيطرة على هذه التلال تتيح لقوات الاحتلال الإسرائيلي مراقبة المناطق الشمالية من المنطقة العازلة، وتأمين المستعمرات في الجنوب، إضافة إلى تعزيز قدرات الاستطلاع.
وفي ما يتعلق باستمرار المواجهات، أشار أبو زيد إلى أن الاحتلال "دفع فاتورة باهظة في القوة البشرية والآليات"، موضحا أن ذلك يعود إلى نمط القتال الذي واجهه في الجنوب.
وأضاف أن "التآكل الميكانيكي والبشري" للاحتلال نتج عن أسلوب دفاعي تراجعي اعتمده حزب الله، قائلا إن هذا الأسلوب "قام على مبادلة الجغرافيا بالخسائر"، حيث تم التخلي عن بعض المناطق مقابل إيقاع خسائر في صفوف قوات الاحتلال.
كما أشار إلى أن بعض خسائر الاحتلال بعد وقف إطلاق النار تعود إلى ما يعرف بـ"مصائد المغفلين" (Booby Traps)، وهي أشراك بدائية تُزرع في الأبنية والممرات، وتؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المتقدمة.
التفاوض بالنار وفرض واقع أمني جديد
وفي قراءة للعلاقة بين المسار العسكري والسياسي، قال أبو زيد إن دولة الاحتلال "تريد أن تتفاوض بالنار"، عبر فرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان، يتضمن تغييرا جغرافيا من خلال التدمير، وديموغرافيا عبر تهجير السكان إلى شمال الليطاني.
وأوضح أن ما يُسمى بالخطين الأحمر والأصفر يندرج ضمن مفاهيم "منطقة الاهتمام" و"منطقة التأثير" في العقيدة العسكرية، وهي مناطق تُعطى فيها أولوية للنيران وجمع المعلومات الاستخبارية.
وأشار إلى أن العمليات الأخيرة شهدت زخما ناريا كبيرا، بالتوازي مع الدفع بوحدات النخبة، بما في ذلك الفرقة 98 مظليين، ولواءي مظليين، ولواء كوماندوز، إضافة إلى 3 كتائب قوات خاصة (أغوز، دوفديفان، وماغلان)، في حين تم سحب الفرق المدرعة.
وأوضح أن هذه القوات تنفذ عمليات تمشيط وبحث، مدعومة بمدفعية مكثفة، في تحول لافت في طبيعة
العمليات.-(وكالات)