عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Oct-2026

مواقع التواصل.. جراحةٌ عاجلة لاستئصال خطاب الكراهية والتكفير*د.كميل الريحاني

 الدستور

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الآراء، بل تحوّلت، في أيدي بعض المتطرفين وأصحاب الفكر التكفيري، إلى منابر لبث السموم الفكرية، والتحريض على الكراهية، وإثارة الفتن بين أبناء الشعب الواحد. وأمام هذا الخطر المتنامي، لم يعد الصمت مقبولاً، ولا الاكتفاء ببيانات الاستنكار كافياً، بل نحن بحاجة إلى عملية جراحية حازمة تستأصل خطاب الفتنة، وتلاحق كل من يحوّل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة للتحريض والتمزيق المجتمعي.
 
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الأديان أو الآراء، بل ذلك الفكر المنغلق الذي يصنّف المواطنين وفق معتقداتهم، ويوزّع صكوك الوطنية والإيمان، ويستبيح كرامة الآخرين وحقوقهم، وكأن الوطن ملكٌ لفئة دون أخرى. وما يزيد الأمر خطورة أن بعض الحسابات تستغل سرعة انتشار المنشورات، وتختبئ خلف أسماء مستعارة، لنشر الأكاذيب وتبرير العنف والتحريض على أبناء الوطن الواحد.
 
إن الأردن، الذي شكّل على الدوام نموذجاً للأخوّة الوطنية والعيش المشترك، ليس ساحةً لمغامرات المتطرفين، ولا يجوز السماح لأي جهة أو فرد بتهديد نسيجه الاجتماعي أو العبث بعلاقة ابنائه، أو تحويل الاختلاف الديني إلى وقود للصراعات والفتن. فالمواطنة حق أصيل، وكرامة الإنسان مصونة، والوطن يتسع لجميع أبنائه دون تمييز.
 
ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي تحركاً جاداً من الجهات المختصة لرصد المحتوى التحريضي، وتوثيق الأدلة الرقمية، وملاحقة مرتكبيه وفق الإجراءات القانونية، بالتوازي مع مطالبة منصات التواصل بإزالة المحتوى المخالف وفق القوانين والسياسات المعمول بها. فحرية التعبير حق، لكنها ليست ترخيصاً للتحريض على العنف أو الكراهية أو تهديد السلم المجتمعي.
 
وفي هذا السياق، تجرّم المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023 النشر المتعمد للمحتوى الذي من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، أو استهداف السلم المجتمعي، أو الحض على الكراهية والعنف أو تبريره، وتحدد عقوبات على هذه الأفعال.
 
إن المطلوب ليس مطاردة الآراء المخالفة أو إسكات النقد المشروع، بل تطبيق القانون بعدل على كل من تثبت مسؤوليته عن التحريض، دون تجاوز لضمانات المحاكمة العادلة.
 
علينا أن نحصّن فضاءنا الإلكتروني بالقانون والوعي والمساءلة، وأن لا نترك دعاة الكراهية يعبثون بوحدة المجتمع. إن حماية الأردن تبدأ بحماية عقول أبنائه، وصون وحدتهم الوطنية، ومحاسبة كل من يهدد أمنهم واستقرارهم.