الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ألون بن-مئير* - (مدونة بن مئير) 23/9/2026
في أغلب الأحيان، أعجز عن العثور على الكلمات التي يمكن أن تعبر عن فظائع الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، والفوضى والخراب المتواصلين اللذين تتيح الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين إيقاعهما بالفلسطينيين في الضفة الغربية. وبدلًا من كتابة مقال آخر أعبّر فيه عن غضبي واشمئزازي، اخترت أن أتحدث بصيغة أكثر مباشرة وفورية: تأملات قصيرة لاهثة لا تحتاج إلى أي تزيين أو شرح. وقد اخترت عشرة من المنشورات التي كنتُ قد نشرتها على صفحتي في "فيسبوك".
وترسم هذه المقاطع، مجتمعة، واقعًا ينبغي أن يهزّ كل ضمير: ذلك القدر الاستثنائي من القسوة التي يمارسها الجنود الإسرائيليون والمستوطنون وهم يتصرفون من دون خشية من العقاب. وليس ما يقومون به أعمال عنف عشوائية؛ إنها حملة متواصلة من الإكراه لها غاية واضحة حدّ الإيلام: تجريد الفلسطينيين من أرضهم، وجعل حياتهم لا تُطاق إلى أن لا يبقى أمامهم خيار سوى الرحيل.
***
في إسرائيل، الحقيقة خيانة
أشعل الفيلم الوثائقي "نازا" NAZA، من إخراج يوفال أبراهام وراشيل شور، إسرائيلَ غضبًا -لا ندمًا. وبدلًا من مواجهة ما يوثقه الفيلم من فظائع، أدانته غالبية الإسرائيليين. ووصمت الحكومة الإسرائيلية مُخرجَي الفيلم بالخيانة، وطالب وزراء بإسقاط جنسيتهما، وهما يعيشان الآن تحت تهديدات بالقتل.
وهو شيء مخزٍ. لكن المأساة الكبرى هي رفض إسرائيل أن تنظر في المرآة، وأن تعترف بأن جرائم ضد الإنسانية -إبادة جماعية- قد ارتُكبت في غزة. وفي الحقيقة، ليس الإنكار درعًا؛ إنه انهيار أخلاقي. وستحمل الأمة التي تعجز عن مواجهة ما أنزلته بالفلسطينيين هذه الوصمة لأجيال.
متى يستيقظ الإسرائيليون؟ إلى أن يفعلوا، ستبقى الحقيقة في انتظارهم -لكن الثمن سيرتفع كثيرًا، وسيأتي يوم استحقاقه لا محالة.
***
شهية نتنياهو لارتكاب جرائم الحرب لا تشبع
تبدو شهية رئيس الوزراء نتنياهو لارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية نهمة إلى حد أنها لا تشبع. بعد أن أخفق في تدمير "حماس" و"حزب الله" و"أنصار الله" الحوثيين، وبعد فشله الكارثي في فرض تغيير للنظام في إيران، أصبح يوجّه اهتمامه بصورة متزايدة إلى الضفة الغربية. ولم تصدر من واشنطن حتى كلمة واحدة لوقفه. والأسوأ من ذلك أن الجمهور الإسرائيلي وأحزاب المعارضة لا يكادون يقولون أي شيء بشأن هذه المهزلة التي تتكشف أمام أعين الجميع.
لقد تحطمت مكانة إسرائيل في المجتمع الدولي مُسبقًا؛ ومن الصعب معرفة ما الذي بقي فيها مما يمكن تدميره. هكذا يدفن نتنياهو ما كان ذات يوم حلمَ دولة يهودية تعيش في سلام وأمن مع جيرانها.
***
تشبيه حكومة نتنياهو بالوحش إهانة لكل الوحوش
تتجاوز فظاعة الطريقة التي عاملت بها إسرائيل الأطفال الفلسطينيين الجائعين في غزة قدرة الإنسان على الاستيعاب. حين يجري إلقاء الطعام على الأرض، ويُجبر الأطفال الذين أنهكهم الجوع على التدافع لالتقاط الفتات بطريقة تختزل هؤلاء الأطفال الجائعين إلى ما يشبه الجرذان، فإن ذلك لا يهين كرامتهم فحسب؛ إنه يسحقها عمدًا وعن سابق إصرار.
ثمة أطفال أنهكهم الجوع يُجبرون على التنازع على طعام غير صالح للاستهلاك الآدمي، لينتهي بهم الأمر مع حساء مائي وأيدٍ خاوية. لم تكن هذه مساعدة إنسانية؛ كان هذا إذلالًا محسوبًا ومتعمدًا.
لقد حطّمت حكومة نتنياهو هذه، والجنود الذين ارتكبوا جرائم الحرب، أخلاق إسرائيل إلى نقطة اللاعودة. وليست مقارنة هجومها الوحشي على الفلسطينيين بهجوم وحش متعطش للدماء سوى إهانة للوحش نفسه.
***
حكومة نتنياهو خطر يهدد اليهود في كل مكان
تزعم حكومة نتنياهو أنها تتحدث باسم اليهود في كل مكان بينما ترتكب جرائم ضد الإنسانية في الضفة الغربية وغزة. لكنّ سياساتها القائمة على التجريد من الممتلكات، والدمار واسع النطاق، والتهجير، والقتل، وبثّ الرعب بين المدنيين الفلسطينيين، تخون الإرث الأخلاقي لليهودية. وهي تعرّض بذلك اليهود في كل أنحاء العالم للخطر لأنها تخلق انطباعًا سامًا بأن جميع اليهود متواطئون في الفظائع التي ترتكبها إسرائيل، مما يؤدي إلى تصاعد غير مسبوق في معاداة السامية.
وقد لا تبلغ جرائم نتنياهو وحكومته الفاشية في حجمها ما ارتكبه النازيون بحق اليهود، ومع ذلك، فإن العقلية واللاإنسانية والقسوة التي تحكم هذه الأفعال تماثل روح النازيين ونواياهم وتصميمهم.
***
مجرم حرب
لا تقتصر استراتيجية حكومة نتنياهو في الضفة الغربية على إخضاع الفلسطينيين، وإنما تهدف أيضًا إلى جعل حياتهم شديدة البؤس واستنزافهم إلى نقطة لا عودة منها. ولتحقيق هذا الهدف، تلجأ إلى أساليب أقرب إلى الكوابيس: من المداهمات الليلية المتكررة وهدم المنازل بصورة روتينية، إلى الاعتقالات المتكررة ودفع العائلات إلى مغادرة بيوتها.
وقد تضرر أو دُمّر هذا العام أكثر من 190 منشأة للمياه والصرف الصحي، وأدى فقدان المياه الآمنة والنظيفة إلى انتشار الأمراض الجلدية والعدوى بين سكان تم تجريدهم مُسبقًا من كل أشكال الحماية.
وسوف يسجل التاريخ ذلك بوصفه حملة متعمدة لكسر شعب بأكمله، وسيسمي -ويُدين- المجرمين الذين أمروا بها، والذين نفذوها، والذين وقفوا يتفرجون عليها في صمت.
***
أطفال غزة سيتركون على جبين إسرائيل وصمة عار أبدية
يتجاوز ما يصفه الأطباء في غزة حدود الرعب: أطفال احترقت أجسادهم إلى درجة يستحيل معها التعرّف إليهم؛ وأطفال مزّقتهم الانفجارات وتركوا ينزفون على أرضيات المستشفيات، فيما يجد الأطباء، المنهكون والمحاصرون بنقص الإمدادات، أنفسهم مضطرين إلى تقرير من يستطيعون إنقاذه. وقال أحد الأطباء الذين عملوا هناك إنه رأى خلال أسبوع واحد أطفالًا متفحمين أكثر مما رأى طوال مسيرته الطبية التي خدم خلالها في مناطق حرب عدة.
ليس هؤلاء أرقامًا أو إحصاءات. إنهم أطفال لكل واحد منهم اسم وعائلة ومستقبل، وقد دمرهم الهجوم الإسرائيلي المتواصل الذي جرّدهم من إنسانيتهم. لا يمكن لأي هدف سياسي، ولا لأي استدعاء لمبررات الأمن، أن يبرر القتل الجماعي للأطفال وتشويه أجسادهم وإصابتهم. وسوف يظل ما ألحقه نتنياهو وحكومته الشريرة بأطفال غزة وصمة عار دائمة تلاحق إسرائيل.
***
جبن أوروبا وتواطؤها يتيحان لإسرائيل مواصلة فظائعها
لا يمكن وصف الديمقراطيات الأوروبية بأنها مجرد متفرج بريء؛ وقد جعلها رفضها فرض إجراءات عقابية حقيقية على إسرائيل شريكة لها في جرائمها. وهي تشاهد غزة بينما تتحول إلى أنقاض، والفلسطينيين في الضفة الغربية وهم يُقتلعون من أراضيهم تحت إرهاب المستوطنين وعنفهم وبطش الجيش، ثم تكتفي بإصدار بيانات جوفاء عن "القلق".
بل إن المراجعة التي أجراها الاتحاد الأوروبي نفسه خلصت إلى وجود أدلة لا خلاف عليها على أن إسرائيل انتهكت بصورة جسيمة بند حقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة المبرمة معها. ومع ذلك تواصل أوروبا حماية الامتيازات التجارية لإسرائيل والحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية معها وكأن شيئًا لم يحدث، وتفشل في وقف نقل الأسلحة.
يجب على أوروبا أن تعلّق اتفاقيتها مع إسرائيل، وتفرض عقوبات على المسؤولين عن هذه الأفعال، وتسحب سفراءها، وتفرض حظرًا على تصدير الأسلحة إليها.
إن الصمت في مواجهة هذا القدر من الدمار هو موقف مشين يبعث على الغضب؛ إنه جبن وتواطؤ.
***
ترامب متواطئ في جرائم ضد الإنسانية
أتاحت الإدارات الأميركية المتعاقبة لإسرائيل مواصلة احتلالها وشنّ اعتداءاتها المتكررة على الفلسطينيين من خلال الحماية الدبلوماسية، والمساعدات العسكرية، والحيلولة بصورة روتينية دون إخضاع إسرائيل لأي مساءلة دولية ذات معنى. لكن ترامب رفع مستوى هذا التواطؤ إلى درجة أكثر صلافة.
في الوقت الذي يُقتل فيه المدنيون الفلسطينيون ويُهجّرون ويُجوّعون ويُحرمون من المساعدات الإنسانية الأساسية، اختار ألا يستخدم النفوذ الأميركي الهائل للمطالبة بوقف فوري لهذه الفظائع. وبدلًا من ذلك، تشكل مصادقته على تقديم أسلحة إضافية بقيمة 2.8 مليار دولار مكافأة للحملة العسكرية الإسرائيلية المدمرة وضمانًا لاستمرارها.
لا شك في أن تزويد إسرائيل بالسلاح وسط هذا الدمار واسع النطاق هو مشاركة فعلية، وينطوي على مسؤولية أخلاقية وسياسية عن استمرار هذه الجرائم. وهذا تواطؤ واضح في جرائم ضد الإنسانية.
***
أفضل عقول إسرائيل تهجر بلدها الذي ينهار أخلاقيًا
تدفع إسرائيل إلى الخارج بالأشخاص الذين لا تستطيع تحمل خسارة أمثالهم. فمنذ العام 2023، هاجر نحو 200 ألف إسرائيلي من إسرائيل -بينهم أطباء ومهندسون وعلماء ومتخصصون في قطاع التكنولوجيا المتقدمة- في نزيف متسارع للعقول يضعف مستقبل البلاد.
ولا يفرّ هؤلاء من انعدام الأمن أو عدم اليقين الاقتصادي، وإنما يهجر كثيرون منهم دولة تنزلق أكثر فأكثر إلى كارثة أخلاقية نتيجة تدميرها الوحشي لغزة، واستمرار تجريد الفلسطينيين من أراضيهم في الضفة الغربية بلا نهاية.
لا يستطيع شعب أن يمارس البطش بشعب آخر ويقوم بتطبيع الإفلات من العقاب، ثم يتوقع أن يظل نسيجه الأخلاقي والاجتماعي سليمًا. إن قادة إسرائيل يدمرون حياة الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه يضحّون بأفضل أبنائها وأكثرهم كفاءة ممن لم يعودوا يرون في البلد مستقبلًا يمكنهم العودة إليه.
***
على الإسرائيليين النهوض لوقف الجرائم المرتكبة باسمهم
إن هجوم إسرائيل على الفلسطينيين هو كارثة أخلاقية تستدعي الغضب وليس الصمت. ولا شك في أن الضغط الدولي ضروري، لكن على الإسرائيليين أنفسهم أن ينهضوا ويدينوا بصورة قاطعة هذه الجرائم المرتكبة باسمهم. إن حكومتهم لا تلحق الأذى بالفلسطينيين فحسب، وإنما تدمر الأسس الأخلاقية التي قامت عليها إسرائيل، وتلطخ ضمير الشعب اليهودي في كل مكان.
إن تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم يهدد مستقبل إسرائيل، ويثير أسئلة عميقة حول حقها هي نفسها في الوجود. ولا يستطيع الإسرائيليون الاكتفاء بالحزن أو الاكتفاء بالاعتراض في صمت. عليهم أن ينظموا صفوفهم، ويقاوموا، ويحتجوا، ويُضربوا عن العمل. وعليهم أن يطالبوا بإنهاء فوري لعنف الدولة. وإذا لم يفعلوا، فلن يبقى لهم سوى دولة جوفاء لا تليق باسمها، وسوف يكونون هم الذين يدفعون الثمن الأكبر.
*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي، ولد في العراق لأسرة يهودية وانتقل إلى إسرائيل في شبابه قبل أن يستقر لاحقًا في الولايات المتحدة.
يشتهر بكتاباته وتحليلاته المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين. عمل أستاذًا للعلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وشارك في محاضرات وندوات دولية تناولت قضايا الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان والدبلوماسية. نشر مقالاته في صحف ومجلات دولية، ويعرف بأسلوبه النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية التي يراها معرقلة للسلام، مع تركيزه على الحوار والتفاهم بين الشعوب كسبيل لإنهاء النزاعات.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Unflinching Daily Horror In The West Bank