الغد
عواصم - في واشنطن، وفي 26 من الشهر الحالي، جلست سفيرتا بيروت وتل أبيب لتوقعا اتفاقا إطاريا قيل إنه سيُخرج لبنان من دوامة حرب أنهكته، لكن بمجرد أن جفّ الحبر سارع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إعلان أن إسرائيل "لن تنسحب من الحزام الأمني ما دام حزب الله لم ينزع سلاحه"، فبدا الاتفاق لكثيرين وثيقة تستبدل مدافع الاحتلال بفتيل فتنة زُرع في قلب لبنان وقد يشتعل طرفاه في أي وقت.
الاتفاق في جوهره يُلزم لبنان بنزع سلاح حزب الله وفق مسار محدد، لكنه في الوقت نفسه يمنح دولة الاحتلال هامشا واسعا للتحرك بحجة "الدفاع عن النفس"، ويضع أراضي لبنانية تحت ما تسمى "مناطق تجريبية" وطرف الاحتلال ذاته هو من يقيس مدى نجاح الدولة اللبنانية في إدارتها.
أما حزب الله الذي يمتلك السلاح، والمعني بالحرب في الأساس، فليس طرفا في الاتفاق أصلا. وهذا التناقض في بنية بنود الاتفاق يجعل السؤال الحقيقي لا يتعلق بالنصوص، بل بما سيترتب عليها: هل يحول هذا الاتفاق الصراع من مواجهة مع الخارج إلى فتنة داخلية؟ وهل لبنان مؤهّل للخروج من هذه المعادلة سالما؟
في هذا التساؤل تتقاطع قراءات المحللين على أن الاتفاق لا يشعل الحرب الأهلية بصورة مباشرة، لكنه يفتح أمام لبنان مرحلة طويلة من الضغوط والأزمات المتراكمة التي قد تنزلق، في أي لحظة، من الاحتكاك السياسي إلى الاحتكاك الأمني.
هل لبنان أمام حرب أهلية؟
يُجمع محللون على رفض القطع بأن الاتفاق سيُفضي حتما إلى حرب أهلية، غير أن هذا الإجماع على نفي السيناريو المباشر لا يعني نفي المخاطر الجسيمة. وبين هذين الحدّين تتشعب قراءاتهم وتتباين وجهات نظرهم، وكل واحد منها يُضيء زاوية لتداعيات الاتفاق.
الخبير العسكري ومنسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات اليونيفيل العميد منير شحادة يعدد ثلاثة عوامل تحول دون الانزلاق السريع:
- قيادة الجيش اللبناني ستتفادى الصدام المباشر لأنها تدرك أن ذلك يهدد تماسك المؤسسة وتركيبتها الداخلية المتنوعة سياسيا.
- حزب الله يتجنب الحرب الداخلية تاريخيا لأنها تتحول في أي لحظة إلى صراع طائفي مذهبي يستنزفه أكثر مما تستنزفه مواجهته مع إسرائيل.
-أغلب القوى السياسية اللبنانية، مهما اختلفت، لا تريد تكرار تجربة عام 1975.
من هذه العوامل مجتمعة يستخلص شحادة "أن الاحتمال الأكثر ترجيحا ليس حربا أهلية شاملة، بل مرحلة طويلة من الضغوط والاشتباكات المحدودة والأزمات السياسية ومحاولات فرض أمر واقع بالتدريج".
وبلهجة فيها شيء من التحذير، يقول الباحث الدكتور شفيق شقير إن الاتفاق "غير قابل للحياة إذا جرت محاولة تنفيذه كما هو معلن" في ظل رفض حزب الله المطلق. لكنه يُميّز بين مسارين لا مسار واحد:
- تنفيذ الاتفاق كما هو (حرفيا) وبسرعة يحمل "قابلية لإنتاج أزمة داخلية حادة"
- أما التدرج مع تسويات سياسية وحوار داخلي فيفتح نافذة لاحتواء التوتر.
وعلى هذا يكون "المحك الحقيقي إرادة الأطراف المحلية والإقليمية في تجنب الانفجار، لا مجرد نصوص الاتفاق المكتوبة".
المواقف اللبنانية ومأزق الفتنة
ثمة تحوّل مهم أحدثه الاتفاق بعيدا عن المشهد الإعلامي؛ فبينما كانت الضغوط في مسار سويسرا تتجه نحو ربط تثبيت وقف إطلاق النار بانسحاب الاحتلال، أعاد الاتفاق رسم المعادلة فجعل نزع السلاح شرطا أساسيا في إنهاء القتال والانسحاب، وخفّف الضغط عن حكومة نتنياهو.
وعلى هذا الأساس، انتقل مركز الثقل من المواجهة مع الخارج إلى مسألة احتكار الدولة للسلاح في الداخل، وهو انتقال يحمل في طيّاته بذور الاحتكاك اللبناني الداخلي.
وعلى هذه الخريطة تتوزع المواقف اللبنانية من الاتفاق:
- الرئيس جوزيف عون يصف الاتفاق بأنه "خطوة أولى على طريق استعادة لبنان سيادته الكاملة".
- رئيس الوزراء نواف سلام يدعم المسار التفاوضي وما أفضى إليه.
- رئيس البرلمان نبيه بري أطلق تحذيرا شديدا في كلمة مقتضبة: "يا أهلي في كل لبنان، إنها الفتنة".
- حزب الله يرفض الاتفاق، ويصفه النائب حسن فضل الله بـ"الهدية للعدو الإسرائيلي".
وفي ثنايا هذا الانقسام الواضح يبرز سؤال المآلات: هل صُمّم الاتفاق من الأساس ليشعل الداخل اللبناني؟
مدير مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير هادي قبيسي يرى في الاتفاق "محاولة لإيجاد بديل عن سيناريو الحرب الإقليمية" التي فشلت، وأن واشنطن وتل أبيب لجأتا إلى "إيجاد فتنة محلية" كخيار بديل.
وفي الوقت نفسه، ينبه قبيسي إلى محدودية هذا السيناريو مستحضرا شاهدا من التاريخ، فـ "المقاومة انطلقت أصلا في ظروف الحرب الأهلية في الثمانينيات، واستمرت وتطورت رغم ذلك".
أما المحلل السياسي أمين قمورية فيطرح سؤالا حول النوايا الأميركية: هل تريد واشنطن فعلا انتزاع ورقة لبنان من يد إيران، أم أنها توظّفها من أجل الضغط في مفاوضات أكبر وأشمل تتصل بالملف النووي الإيراني ومضيق هرمز؟
ويجمل الفكرة كل من شحادة وشقير بأن الاتفاق "يحمل عناصر قد تجعل خطر الاحتكاك الداخلي أكبر إذا فشل المسار السياسي"، فإذا باتت الدولة مطالبة دوليا بتنفيذ بنود لا يقبلها حزب الله، وهنا يصبح "الاحتكاك السياسي مرشحا للتحول إلى احتكاك أمني" بالتدريج.
ويرى قمورية أن حزب الله سيختار في المرحلة الراهنة "التمهل" انتظارا لمسار المفاوضات الأميركية الإيرانية؛ فإن أسفرت عن اتفاق يمنح لبنان مكاسب تغيّرت المعادلة، وإن لم تُثمر بقي الحزب في موقع الرفض دون الاندفاع نحو مواجهة مسلحة مع الدولة.
ويُصادق العميد شحادة على هذا الاستنتاج بأن الحزب "سيحاول كسب الوقت أكثر من البحث عن مواجهة جديدة، إلا إذا شعر بأن الاتفاق يتحول إلى مسار يؤدي إلى نزع قوته بالكامل"، فعندها فقط قد تتغير حساباته جذريا.
والخلاصة التي يذهب إليها المحللون أنه ما بين التوقيع في واشنطن وتباين المواقف في لبنان، يبقى الاتفاق الإطاري ذا لون رمادي أكثر منه بوابة واضحة نحو الاستقرار، وقد يصبح فخا تنجذب الأطراف اللبنانية إليه تحت لافتة "الفتنة السياسية".-(وكالات)