ليعترفوا بمعاناة الفلسطينيين.. لا بد أن تنطق بحنجرة إسرائيلية
الغد
هآرتس
حنين مجادلة
إن معرفة الفلسطينيين باليهود والإسرائيليين المناهضين للصهيونية، أو الذين يقفون إلى جانب نضال الفلسطينيين، هي نتيجة مهمة للإبادة الجماعية في قطاع غزة. وقد جعل الظهور الإعلامي الذي حظيت به هذه الأقلية الإسرائيلية في وسائل الإعلام الدولية والشبكات الاجتماعية، حضورها في الخطاب الفلسطيني غير مسبوق. يستمع الفلسطينيون إلى الإسرائيليين اليساريين المناهضين للصهيونية، أو إلى الذين يعملون معهم ويتابعونهم. وبالنسبة إلى من يتبنون الرؤية الأحادية الجانب للأمور، أسود-أبيض، تعد هذه حقيقة محيرة.
كيف يجب علينا التعامل مع هؤلاء الإسرائيليين؟ هذا السؤال يُطرح باستمرار، في كل مرة يحظى فيها إسرائيلي يعارض الاحتلال بتغطية إعلامية دولية، وفي كل مرة يتحدث فيها يهودي عن جرائم إسرائيل أمام جمهور اعتاد تجاهل شهادات الفلسطينيين، وفي كل مرة ينجح فيها إسرائيلي في الوصول إلى مكان يصعب على الفلسطينيين الوصول إليه، مثل يوفال أبراهام.
الادعاءات مألوفة. أبراهام، بصفته ليبراليا إسرائيليا، لا يعمل على تحرير فلسطيني، بل يعمل على إصلاح إسرائيل. هو لا يعمل أي معروف للفلسطينيين، بل يحاول إنقاذ المجتمع الذي ينتمي إليه، لا تفكيك علاقات القوة التي يتمتع بها. أفلامه لا تهدد إسرائيل، وبحق، بل تسمح لها بعرض وجهها المستنير للعالم، حتى وهي تقوم بتدمير غزة. ويتساءل آخرون: كيف يمكن الإشادة بشهادات المستعمرين الذين يروون جرائمهم؟ هل مجرد كشفهم يخفف من تواطؤهم في الجريمة؟ وهل معارضة المرء للاحتلال تزيل مكانته في مجتمع الشعب المحتل؟ حتى لو كان يؤيد الفلسطينيين، فإنه لا يزال إسرائيليا، ويتمتع بامتيازات الدولة، وهو جزء من البنية التي يُمارس فيها القمع.
إن الحساسية التي يثيرها أبراهام وأمثاله لم تنشأ من فراغ. فهي تلمس جرحا فلسطينيا معروفا. العالم يميل إلى الاستماع إلى الإسرائيليين بطريقة تختلف عن استماعه إلى الفلسطينيين. وهذا يعطي مصداقية وقوة وهيبة لما يقوله الإسرائيليون منذ عقود. ويبدو أن الاعتراف بمعاناة الفلسطينيين يحتاج أولا إلى أن يمر عبر صوت إسرائيلي.
هذا غضب مفهوم، لكن من هذا الغضب ينبثق أحيانا استنتاج إشكالي: كل ما يصدر عن الإسرائيليين مشوب بالفساد. يوفال أبراهام ورحيل شور يعارضان النظام، ولم تُثر أفلامهما أي انفعال في إسرائيل، بل أثارت الغضب الشديد والعنف والدعوات إلى سحب الجنسية منهما، بل وحتى إلى قتلهما. ولم يتم قبولهما كجزء من الإجماع، حتى الإجماع الليبرالي، بل وُصفا بالخيانة. وكل من يسعى إلى تصويرهما كذراع أخرى للدعاية الإسرائيلية يتجاهل الواقع.
أبراهام وأمثاله ببساطة يملكون الوثائق والشهادات والمصادر التي لا نستطيع نحن الفلسطينيين الوصول إليها. ويمكنهم إيصال صوت الطيار والضابط ورجل الاستخبارات ومشغّل النظام والمستوطن. ويمكنهم كشف خبايا النظام من الداخل. وهذه ميزة مهمة يمكن استخدامها لدعم حجة الفلسطينيين. لا حاجة إلى الذعر.
من المهم أيضا تذكّر الظروف التي أُنتج فيها هذا الفيلم. فقد قام بإخراجه أبراهام وشور في الوقت الذي ظهرت فيه إسرائيل وكأنه لا يمكن مقارنتها بغيرها، وتشبه أقل فأقل إسرائيل رابين وحمامة السلام الصهيونية، ليس فقط بالنسبة إلى الفلسطينيين، بل أيضا بالنسبة إلى اليهود المعارضين للنظام.
نحن كفلسطينيين غير ملزمين برؤية يوفال ورحيل كأبطال، وغير ملزمين بتقديسهما، ولكن لا توجد أيضا حاجة إلى إدانة الفلسطينيين الذين يفعلون ذلك.