"التربية الوالدية".. كيف نبني حوارا فاعلا وأسرة أكثر تماسكا؟
الغد-عزيزة علي
تمثل الأسرة اللبنة الأساسية والمؤسسة الأولى المسؤولة عن تشكيل وعي الطفل وتوجيه سلوكه وعليه يسلط كتاب "التربية الوالدية: رؤية منهجية تطبيقية في التربية الأسرية"، الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي – فرع الأردن، الضوء على دور الأسرة في بناء شخصية الأبناء وتعزيز قدراتهم النفسية والوجدانية والأخلاقية، مقدما رؤية تربوية تجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي، وتخاطب الآباء والأمهات بصورة مباشرة.
ويبحث الكتاب، وهو من تأليف هشام الطالب، وعبد الحميد أبو سليمان، وعمر الطالب، فيما راجع الترجمة ونقحها نزار العاني، من خلال مجموعة من المحاور والأنشطة التطبيقية، أبرز التحديات التي تواجه العلاقات الأسرية، وسبل تعزيز التواصل بين الآباء والأبناء، وبناء بيئة منزلية آمنة ومستقرة تقوم على الحوار والتفاهم والمشاركة، مع التركيز على أهمية السنوات الأولى في تشكيل شخصية الطفل ومنظومته القيمية.
كما يتناول الكتاب أساليب تنمية شخصية الأبناء وقدراتهم القيادية، والتعامل مع بعض التحديات المرتبطة بالتغيرات الاجتماعية والتقنية، ومنها الإفراط في استخدام التلفاز وألعاب الفيديو والهواتف المحمولة، مقدما بدائل وأنشطة أسرية تهدف إلى تعزيز التفاعل بين أفراد الأسرة واستثمار الوقت بصورة إيجابية.
ويستند الكتاب إلى خبرات وتجارب تربوية من العالمين الإسلامي والغربي، إلى جانب الاستفادة من التراث الإسلامي والهدي النبوي وبعض الخبرات الإنسانية المعاصرة، في محاولة لتقديم دليل عملي يساعد الآباء على تطوير مهاراتهم التربوية وبناء علاقات أكثر تماسكا وفاعلية مع أبنائهم.
ويتناول الكتاب التربية الأسرية من منظور منهجي وتطبيقي، موجهاً إلى الآباء والأمهات، ومركزاً على دور الأسرة في بناء شخصية الأبناء وتكوين منظومتهم النفسية والقيمية، ولا سيما خلال مرحلة الطفولة المبكرة.
ويأتي الكتاب في إطار رؤية المعهد العالمي للفكر الإسلامي الرامية إلى الإسهام في معالجة حالة الركود الفكري والتراجع الحضاري في العالم الإسلامي، من خلال إحياء العقل والوجدان المسلم فكرياً وأخلاقياً، مع التركيز على التربية الأسرية بوصفها مدخلاً أساسياً في بناء الإنسان.
ويركز الكتاب على تنمية المهارات الثقافية والتربوية والاجتماعية داخل البيت، باعتباره البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل التمييز بين الصواب والخطأ، مشيراً إلى أن المعرفة وحدها لا تكفي لضمان السلوك الصحيح، بل لا بد من بناء الإرادة والوجدان بما يساعد الإنسان على تحويل ما يدركه عقله إلى سلوك عملي.
ويبرز الكتاب الدور المحوري للأسرة في استكمال ما تقدمه المدرسة، فالمدرسة تزود الأطفال بالمعارف والمهارات العلمية والبدنية والفنية، بينما تضطلع الأسرة بدور أساسي في ترسيخ القيم وتكوين النظرة إلى الإنسان والحياة والعالم.
ويخاطب كتاب "التربية الوالدية"، بحسب المؤلفين الآباء والأمهات بمختلف معتقداتهم ومذاهبهم وأديانهم، كما يستهدف كل من يرغب في الاستفادة من النصائح والتوجيهات والأنشطة الأسرية التي يتضمنها. ولا يوجه الكتاب خطابه إلى المتخصصين والخبراء في مجال التربية بقدر ما يركز على تقديم معرفة عملية يمكن للآباء تطبيقها في حياتهم اليومية.
ويركز الكتاب على أبرز العقبات والمشكلات التي تواجه الأسرة، محاولاً تقديم حلول عملية لها، واستعراض أساليب تنشئة أفراد يتحلون بالصلاح وحسن الخلق، ويمتلكون الصفات القيادية التي تؤهلهم للإسهام في بناء المجتمع.
وتتمثل أبرز أهداف الكتاب في: تأكيد أهمية التربية الوالدية الصالحة في تنشئة الأبناء وبناء الأسر، وترسيخ مسؤولية الوالدين التربوية بوصفها أولوية على المستويين النظري والتطبيقي.
وتعليم الآباء المهارات التربوية اللازمة لممارسة الوالدية الصالحة، بما يسهم في تنشئة أبناء يتمتعون بقوة الشخصية وحسن الخلق، ويمتلكون مقومات الإسهام في بناء المجتمع والحضارة الإنسانية.
مساعدة الآباء على توفير بيئة أسرية سعيدة ومتوازنة، قادرة على أداء وظائفها، وتعزيز الترابط والتماسك والتعاون بين أفرادها".
ويتناول الجزء الأول من الكتاب فوائد التربية الوالدية الصالحة، مع تعريفها وبيان سبل تحقيقها، إلى جانب استعراض واقع الممارسة الوالدية ومصادر المعلومات المتاحة حولها في العالم الإسلامي والولايات المتحدة، وطرح أساليب تربية أطفال يتمتعون بسلامة الخلق والقدرة على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع.
أما الجزء الثاني، فيتناول الأساليب والأدوات اللازمة لتعزيز النمو البدني والوجداني والعاطفي لدى الأبناء، فيما يركز الجزء الثالث على بناء مقومات الشخصية.
كما يناقش الكتاب تأثير الإفراط في مشاهدة التلفاز، وممارسة ألعاب الحاسوب والفيديو، واستخدام الهواتف المحمولة، في الأطفال والحياة الأسرية، ويقدم بدائل عملية تساعد الأسرة على الحد من هذا الإفراط.
وفي ختام كل فصل، يقدم الكتاب مجموعة من الأنشطة والتدريبات المبسطة التي يشارك فيها الآباء والأبناء، بهدف تعزيز الحوار والتواصل داخل الأسرة، ومساعدة أفرادها على فهم بعضهم بعضاً بصورة أفضل، والاستمتاع بوقتهم المشترك، والمشاركة في اتخاذ القرارات وتبادل المهارات. ويسهم ذلك في بناء علاقات أسرية قائمة على الرحمة والترابط، وتهيئة بيئة منزلية أكثر سعادة وتماسكاً.
وتتطلب بعض الأنشطة الاستعانة بمصادر خارجية، مثل المكتبات العامة أو الاستفادة من تجارب أسر أخرى أو طلب المشورة المتخصصة. ويشجع المؤلفون الأسر على ممارسة هذه الأنشطة داخل المنزل أو حول مائدة الطعام، وتحويلها إلى فرص للحوار والتفاعل الإيجابي، باعتبار أن النقاش والتأمل والحوار الأسري أهداف تربوية في حد ذاتها.
ويؤكد المؤلفون أن التواصل المستمر والفعال يمثل أحد أهم جوانب تربية الأبناء، لما له من دور في مساعدتهم على النمو ليصبحوا بالغين أكثر سعادة وتحملًا للمسؤولية. ويشيرون إلى أهمية أن يتعلم الآباء متى وكيف يتحدثون إلى أبنائهم، والأهم من ذلك، كيف يستمعون إليهم باهتمام وصبر.
وعلى الرغم من الحب الفطري غير المشروط الذي يكنه الآباء لأبنائهم، فإنهم يحتاجون إلى تطوير مهارات التواصل، بوصفه عملية متبادلة بين الطرفين ينبغي أن تستمر بصورة إيجابية. كما يشدد الكتاب على ضرورة مساعدة الأبناء على تنمية قدراتهم وإمكاناتهم من دون اللجوء إلى القوة، والاستفادة من تجارب الآباء والأمهات الآخرين في التعامل مع المواقف والمشكلات الصعبة.
ويدعو الكتاب الآباء كذلك إلى إعادة النظر في بعض الموروثات والممارسات القديمة، انطلاقاً من أن قِدم الممارسة لا يعني بالضرورة صحتها أو ملاءمتها، خصوصاً في ظل المتغيرات والظروف المستجدة التي تتطلب أساليب تربوية أكثر إبداعاً وفاعلية.
كما يستعرض الكتاب بعض الأخطاء الشائعة التي قد يرتكبها الآباء من دون قصد، والمشكلات التي تواجههم في تربية أبنائهم، ويقدم مقترحات للتعامل معها.
ومن الجوانب التي يوليها الكتاب اهتماماً خاصاً تنمية الصفات القيادية لدى الأطفال. ولا يقصد المؤلفون بالقيادة السعي إلى الرئاسة أو الاستئثار بالسلطة، وإنما بناء شخصيات تتمتع بالقوة البدنية والأخلاقية، وتلتزم بالمعايير الإنسانية، وتكون قادرة على الإسهام بفاعلية في المجتمع، مع امتلاك حس المسؤولية المدنية والمواطنة الصالحة.
ويرى المؤلفون أن البيت تحول لدى كثير من المراهقين إلى مجرد مكان للمبيت وتناول الطعام، مؤكدين ضرورة توفير بيئة منزلية آمنة ومستقرة وسعيدة للآباء والأبناء. فالبيت، في نظرهم، ليس مجرد جدران ومكان للإقامة، بل فضاء للتواصل والترابط، يتعلم فيه كل فرد دوره في بناء العلاقات الأسرية.
ويشير الكتاب إلى أن كثيراً من الآباء والأبناء يواجهون صعوبة في بناء علاقات إيجابية، وقد يؤدي الإحباط والغضب، في بعض الحالات، إلى تراجع محاولات الفهم المتبادل، واستبدال القطيعة بالتواصل والتراحم.
ويؤكد المؤلفون أن تربية أبناء سعداء ومتوازنين تمثل هدفاً أساسياً للآباء، وأن الكتاب يقدم أفكاراً وممارسات تساعد على تعزيز فرص تحقيق هذا الهدف وبناء علاقات ناجحة بين الآباء وأبنائهم. كما يشددون على أهمية اغتنام الفرص المتاحة لتحسين العلاقة مع الأبناء، وعدم الاستسلام لفكرة فوات الأوان.
ويتضمن الكتاب بيانات وإحصاءات مستمدة من مصادر متعددة وفي فترات زمنية مختلفة، بهدف توضيح الاتجاهات العامة ومنح القارئ تصوراً عن إمكانات التغيير. ويوضح المؤلفون أن الإحصاءات، رغم أهميتها في دعم القرارات، متغيرة بطبيعتها، ولذلك أُدرجت للاستئناس والاسترشاد، لا باعتبارها حقائق ثابتة ومطلقة.
كما تلقى المؤلفون ملاحظات ومقترحات من عدد من الخبراء والمراجعين بشأن تنسيق الكتاب وإخراجه؛ فاقترح بعضهم نشره في صورة كتيبات، بينما رأى آخرون فصل الجانب النظري عن الجانب التطبيقي، واقترح فريق ثالث إصدار دليل عملي يجمع بين النظرية والتطبيق.
ويشير المؤلفون إلى تقديرهم لهذه المقترحات، مؤكدين أن هذه الطبعة تمثل الصيغة الأولى للكتاب، مع تطلعهم إلى الاستفادة من ملاحظات القراء في الطبعات المقبلة وإصدار الكتاب بأحجام وتنسيقات مختلفة.
ويخلص المؤلفون إلى أن الكتاب ثمرة خبراتهم العملية في العالمين الإسلامي والغربي، ويسعى إلى الجمع بين هدي الوحي والسنة النبوية من جهة، والاستفادة من الخبرات الإنسانية في التراث الإسلامي والثقافة الغربية من جهة أخرى، ليقدم إسهاماً في مجال العلاقة بين الآباء والأبناء والتربية الأسرية.