عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Jun-2026

في مديح الهزيمة

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
باتريك لورنس* - (كونسورتيوم نيوز) 23/6/2026
 
بعد يوم من المحادثات مع إيران، تبدو ادعاءات جيه. دي. فانس بإحراز تقدم واهية حتى وفق المعايير المتساهلة التي أصبحت الولايات المتحدة تضعها لنفسها هذه الأيام في مساعيها الدبلوماسية.
 
حسنًا، عقد جيه. دي. فانس أولى محادثاته مع الإيرانيين منذ أن وقّع الرئيسان الأميركي والإيراني مذكرة التفاهم المثيرة للجدل بين الجانبين يوم الأربعاء قبل الماضي. واستمرت هذه المحادثات ثماني عشرة ساعة، من يوم الأحد وحتى الساعات الأولى من يوم الاثنين.
وما الذي تحقق؟ ليس لا شيء -هكذا يريدنا نائب رئيس نظام ترامب، ومعه وسائل الإعلام التي تؤدي دور الكتبة للإمبراطورية، أن نستنتج. قال فانس وهو في طريق عودته إلى بلاده: "كان أمس يومًا جيدًا جدًا جدًا. لقد أحرزنا تقدمًا كبيرًا. وفعلنا بالضبط ما أردنا أن نفعله".
في هذه الأيام، يتعين قراءة جميع التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين على مستويين: النص الظاهر؛ وما بين السطور. وفي هذه الحالة، كان ما أراد جيه. دي. فانس فعله بالضبط هو إبقاء جميع القضايا الجوهرية العالقة بين واشنطن وطهران بعيدة في الأفق، بطريقة تتجنب وقوع قطيعة كارثية منذ اللحظة الأولى.
في هذه المرحلة المبكرة، يتمثل الهدف الأميركي ببساطة في إبقاء الإيرانيين على طاولة المفاوضات. وبعبارة أخرى، فإن هذا يُعد -وفق معايير فن الحكم الأميركي في القرن الحادي والعشرين- إنجازًا وليس "لا شيء".
وقد رأينا هذا المشهد من قبل -خاصة في حالة العلاقات الأميركية-الصينية. عندما لا يكون لدى الإمبراطورية ما تضعه على الطاولة المصنوعة من خشب الماهوغاني سوى مجموعة من المطالب العدوانية التي يستحيل على الطرف الآخر تلبيتها، يصبح مجرد قول "نحن ما نزال نتحدث" إنجازًا يمكن تسجيله في خانة النجاحات.
كانت لدى واشنطن إعلانات عدة سارع المسؤولون إلى إطلاقها يوم الاثنين، للإيحاء بأن فانس حقق قدرًا من الزخم خلال جلوسه قبالة المسؤولين الإيرانيين والوسطاء الباكستانيين والقطريين في مدينة لوتسرن السويسرية -المدينة الألبية التي عرضتها سويسرا لاستضافة مجريات المفاوضات خلال الأيام الستين المقبلة.
وبطبيعة الحال، كان مضيق هرمز على رأس القائمة. وتؤكد القيادة المركزية الأميركية أنه أُعيد فتحه الآن. كما أعلن سكوت بيسنت، وزير الخزانة في إدارة ترامب، عن إعفاءٍ مدته ستون يومًا يسمح للإيرانيين بموجبه بتصدير النفط إلى الأسواق العالمية. ويقول فانس الآن إن طهران وافقت على السماح لمفتشي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بالعودة إلى البلاد. "بوم-اليوم"، كما كان والدي يقول. ولنواصل المسير.
لكنني، في الواقع، لا أرى أي "بوم-اليوم" في أي من كل هذا. ربما يكون المضيق مفتوحًا رسميًا أو لا يكون. وقد يبقى مفتوحًا أو لا يبقى كذلك، خاصة وأنه لم يعد بالإمكان أخذ كلام القيادة المركزية الأميركية على محمل الثقة في هذه القضايا، بعد أن أظهرت مؤخرًا ميلًا واضحًا إلى نشر المعلومات المضللة.
على أي حال، بمجرد انتهاء محادثات لوتسرن، غادر أعضاء الوفد الإيراني إلى سلطنة عُمان للعمل على التفاصيل الخاصة بخطتهم الثنائية لإدارة المضيق والتحكم به.
من اللطيف جدًا أن يسمح سكوت بيسنت للإيرانيين بتسويق إنتاجهم النفطي في الخارج لبضعة أشهر، لكن هذا ليس في حقيقته أكثر من إجراء يصفه الدبلوماسيون بأنه "الثمرة المتدلية الخفيضة"؛ الخطوة الأسهل والأقل كلفة سياسيًا.
كما أفاد موقع "ذا كرادل" يوم الاثنين، فإن إيران تحقق أداءً جيدًا في أسواق التصدير منذ اندلاع الحرب. ونقل الموقع عن عبد الناصر همّتي، محافظ البنك المركزي الإيراني، قوله إن "الترتيب الجديد" لن يفعل أكثر من خفض بعض التكاليف التي تفرضها العقوبات.
وهم التقدم
عندما يتعلق الأمر بالادعاء بأن طهران ستسمح لمفتشي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بالعودة إلى البلد، فإن هذه نقطة لا أصدقها ببساطة. وقد امتنع الجانب الإيراني بشكل واضح عن تأكيد ما قاله فانس. ولم يصدر عنهم شيء في هذا الشأن سوى الصمت.
ربما تسمح طهران في مرحلة ما بدخول مفتشي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، من يدري؟ ولكن من يدري أيضًا أي الشروط هي التي سيتم ذلك وفقها. ولا يسعني سوى أن أقرأ هذه المسألة باعتبارها مناورة من فانس تهدف إلى خلق انطباع بوجود تقدم.
ولعل الأهم من ذلك أنه بينما كان فانس يتحدث بإسهاب عن خطط "نزع السلاح النووي" من الجمهورية الإسلامية في نهاية المطاف، أعلن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، يوم الأحد -وكأنه يرد عليه مباشرة- أن الجمهورية الإسلامية "لن تتخلى أبدًا" عن حقها في تخصيب اليورانيوم. وفي الحقيقة لم يكن بزكشيان -وهو رئيس إصلاحي لا يميل عادة إلى إطلاق تصريحات استفزازية- موجودًا في لوتسرن، وربما كان يخاطب جمهورًا داخليًا، لكنني أصدقه على أي حال. كانت مسألة التخصيب دائمًا بالنسبة لطهران مسألة سيادة أيضًا، ولا يُظهر الإيرانيون -ولهم في ذلك كل التقدير- أي قدر من التنازل في مثل هذه القضايا، مهما كانت الظروف.
كان في هذا السياق أن سافر رافائيل غروسي، الذي قام بعمل دؤوب لتقويض الحياد المفترض لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" منذ تعيينه مديرًا لها في العام 2019، إلى سويسرا خلال عطلة نهاية الأسبوع والتقى وزير الخارجية السويسري. وافترضَ أنه كان لا بد أن يلتقي أحدًا ما، لكن الوفد الإيراني رفض إجراء أي محادثات معه.
وهناك أيضًا المسألة اللبنانية، بطبيعة الحال، حيث ما يزال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني ووقف اعتداءاته الممتدة حتى بيروت مطلبًا إيرانيًا أساسيًا.
ومن جهتهم، لا يُظهر الإسرائيليون -الذين يرددون: "لسنا طرفًا في المفاوضات"- أي نية لإيلاء هذا المطلب اهتمامًا جديًا -ربما باستثناء بعض الإجراءات الرمزية التي توحي بأنهم يسايرون إدارة ترامب بينما تتواصل المحادثات السويسرية. وقد أفادت قناة "الجزيرة" يوم الاثنين بأن فانس والرئيس اللبناني جوزيف عون تحدثا، في اتصال هاتفي جرى بعد محادثات لوتسرن، عن "آلية لخفض التصعيد" تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار في لبنان. هل لهذه المسرحيات من نهاية؟
لا يهم ما يعتقده جوزيف عون أو يقوله أو يقرره؛ إنه في الحقيقة لا يملك السلطة التي تخوله إدارة لبنان فعليًا.
الدولة الصهيونية الإرهابية
ماذا عن إطلاق اسم أنيق على هذه المحاولة الجديدة للسيطرة على الدولة الصهيونية الإرهابية الخارجة عن السيطرة؟ هل يعتقد أحد جديًا أن ذلك سيدفع نظام تل أبيب إلى تغيير مساره؟
عندما يتعلق الأمر بي، فإنني أنظر إلى المسألة من زاوية معاكسة. وفي الحقيقة، لا يبدو أنني الوحيد الذي يشعر بالقلق من أن هذه لحظة مثالية قد يلجأ فيها الإسرائيليون إلى إحدى عمليات "العلم الكاذب" التي اعتادوا تنفيذها كلما لاح في الأفق احتمال لقدوم السلام.
بعد يوم واحد من المحادثات، يبدو لي أن محاولة فانس الافتتاحية لإيجاد أرضية مشتركة مع الجمهورية الإسلامية ليست سوى ترتيب هش مؤقت يُبقي الأمور متماسكة بصعوبة. وتبدو لي الادعاءات بإحراز تقدم واهية -حتى وفق المعايير المتراخية التي أصبحت الولايات المتحدة تعتمدها هذه الأيام في جهودها الدبلوماسية.
لا عدد للمرات التي أثبت فيها تأجيل المشكلات وترحيلها إلى المستقبل إغراء يقود إلى الكوارث. وفي هذه الحالة، يترك هذا النهج الولايات المتحدة مكشوفة أمام شتى أنواع المفاجآت غير المرغوبة، وهي في الحقيقة مفاجآت ما كان ينبغي أن تكون مفاجآت من الأساس، لولا ميل النخب السياسية الحاكمة إلى العيش داخل ما أسميه "إمبراطورية التظاهر" -ذلك العالم من الأوهام الذي يصرون على الاحتماء به دفاعًا عن أنفسهم في مواجهة حقائق القرن الحادي والعشرين.
بالنسبة لي، أعوّل على أن يبقى الإيرانيون منفتحين على التوصل إلى تسويات مقبولة مع تقدم هذه المحادثات. لكنهم لن يعودوا، كما يقول أليستر كروك، إلى القفص الذي تم حبسهم فيه، بشكل أو بآخر، منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل سبعة وأربعين عامًا.
تنص الجملة الختامية من البند الرابع في مذكرة التفاهم -وهو البند المتعلق برفع الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية- على ما يلي:
"تتعهد الولايات المتحدة الأميركية كذلك بسحب قواتها من محيط الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال ثلاثين يومًا من التوصل إلى الاتفاق النهائي".
من الصعب أن تكون هناك مبالغة في التعظيم من حجم الدلالات المترتبة على هذا الشرط المؤلف من جملة واحدة. وأنا لا أرى إدارة ترامب مستعدة لقبول هذه الدلالات، على الرغم من توقيع ترامب نفسه على المذكرة.
إننا نتحدث هنا عن رؤيتين مختلفتين جذريًا للعالم: كيف يعمل اليوم؛ وكيف سيعمل مع تقدم قرننا الحالي. وما أريد قوله هو أن ما يفعله جيه. دي. فانس وزملاؤه، حين يؤجلون جميع القضايا الجوهرية العالقة بين واشنطن وطهران، هو تأجيل يوم الانفصال الحتمي الذي لا يمكن التوفيق فيه بين الطرفين.
تشكل النقاط الأربع عشرة الواردة في المذكرة التمهيدية التي وُقعت الأسبوع قبل الماضي استسلامًا تاريخيًا من جانب الإمبراطورية، لكنها في الوقت نفسه انتصار -وإن كان محدودًا- لما تبقى من الديمقراطية الأميركية. ولا ينبغي أن يغيب هذا التمييز عن الأذهان.
مضت ثلاثة وعشرون عامًا على نشر الراحل فولفغانغ شيفلبوش Wolfgang Schivelbusch  كتابه "ثقافة الهزيمة" The Culture of Defeat، (متروبوليتان، 2003). لكم هي كثيرة المرات التي بدا فيها الطرح الذي قدمه هذا الكاتب الرائع -والصديق أيضًا- ملائمًا لعصرنا. بينما يستطيع المنتصرون في الحروب والصراعات أن يخلصوا إلى أنهم لا يحتاجون إلى أكثر من الاستمرار في النهج نفسه الذي أوصلهم إلى النصر، يمتلك المهزومون ميزة التأمل الذاتي. ومن هذا التأمل قد ينبثق طريق إلى إعادة الابتكار، وإلى تبني اتجاه جديد.
فلنحتفِ بهزيمة الإمبراطورية بهذا المعنى، ولنترقب اليوم الذي يدرك فيه القائمون عليها فضيلة الاعتراف بإخفاقاتها المتكررة وخسائرها المتلاحقة، بحيث يكتشفون الحكمة الكامنة في البدء من جديد.
 
*باتريك لورنس: صحفي وكاتب ومحلل سياسي أميركي، أمضى سنوات طويلة مراسلًا صحفيًا في الخارج، وخاصة لصالح صحيفة "إنترناشيونال هيرالد تريبيون". يكتب بانتظام في قضايا السياسة الدولية والعلاقات الأميركية مع العالم، ويشتهر بانتقاداته للسياسة الخارجية الأميركية والإعلام الغربي. وهو الآن كاتب عمود ومؤلف ومحاضر. من أحدث كتبه "الصحفيون وظلالهم" Journalists and Their Shadows. ومن أبرز كتبه الأخرى "لم يعد هناك وقت: الأميركيون بعد القرن الأميركي" Time No Longer: Americans After the American Century. 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: In Praise of Defeat