عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Nov-2026

"فلسطين بين فتحَين".. محمد العقيلي يقرأ محطات مفصلية من تاريخها

 الغد-عزيزة علي

 يقدم كتاب "فلسطين بين فتحَين" للمؤرخ الأردني الدكتور محمد إرشيد العقيلي، قراءة تاريخية لمحطات مفصلية في تاريخ فلسطين، متتبعًا تطور مكانتها السياسية والحضارية والدينية عبر العصور، ومسلطا الضوء على جذورها العربية والإسلامية، وصولًا إلى التحولات التي شهدتها في التاريخ الحديث والمعاصر.
 
 
وتناول الكتاب الصادر عن الآن ناشرون وموزعون، تاريخ فلسطين ضمن سياقها العربي الإسلامي، بدءًا من العصور القديمة، مرورًا بالفتح الإسلامي والعصور الأموية والعباسية، وصولًا إلى الحروب الصليبية والعهدين الأيوبي والمملوكي. ويبرز المؤلف أثر الموقع الجغرافي والإستراتيجي لفلسطين في جعلها محورًا للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، وممرًا للجيوش والغزوات التي تعاقبت على بلاد الشام عبر القرون.
ويولي العقيلي اهتماما خاصا بمرحلة الحروب الصليبية، مستعرضًا الظروف السياسية التي ساهمت في نجاح الحملات الصليبية، وفي مقدمتها الانقسامات والصراعات بين القوى الإسلامية، وما ترتب عليها من احتلال القدس وإقامة ممالك وإمارات صليبية في بلاد الشام. وفي المقابل، يتتبع جهود القادة المسلمين، من عماد الدين زنكي ونور الدين محمود إلى صلاح الدين الأيوبي، في توحيد الجبهة الإسلامية ومواجهة الوجود الصليبي.
وتبرز معركة حطين واستعادة بيت المقدس العام 1187م بوصفهما محطتين مركزيتين في الكتاب، إذ يربط المؤلف بين انتصارات صلاح الدين ومشروعه لتوحيد مصر وبلاد الشام، مؤكدًا أهمية الوحدة السياسية والعسكرية في استعادة الأراضي المحتلة. كما يتناول دور المماليك في التصدي للغزو المغولي، بدءًا من معركة عين جالوت العام 1260م، وصولا إلى إنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام العام 1291م.
وفي قراءته للتاريخ الحديث، يربط المؤلف بين التجربة الصليبية والتحولات التي شهدتها فلسطين مع صعود الحركة الصهيونية، مسلطًا الضوء على أثر الدعم الخارجي والانقسامات العربية والإسلامية في تطورات القضية الفلسطينية. ويؤكد أن دراسة التاريخ لا تقتصر على توثيق الأحداث الماضية، بل تتيح استخلاص الدروس المتعلقة بأهمية الوحدة والتخطيط والاستعداد في مواجهة التحديات.
وأشار العقيلي، في مقدمة الكتاب، إلى أن معظم الدراسات المعاصرة ركزت على الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية لفلسطين منذ مطلع القرن العشرين، ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى، حين تضافرت جهود الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، قبل أن تؤدي الولايات المتحدة الأميركية دورًا بارزًا في دعم الكيان الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي المقابل، يرى المؤلف أن الدراسات التي تناولت تاريخ فلسطين في العصور الإسلامية ما تزال محدودة، رغم امتداد جذورها العربية إلى ما قبل الإسلام بقرون، وترسخ هويتها العربية الإسلامية بعد انتشار الإسلام في بلاد الشام.
ويتناول الكتاب مرحلة الحروب الصليبية، التي يربطها المؤلف بحالة التفكك والانقسامات التي شهدتها القوى الإسلامية آنذاك، مسلطًا الضوء على دور نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس وقلاوون في مواجهة الوجود الصليبي واستعادة الأراضي وإنهائه في المنطقة.
ويبرز العقيلي أهمية معركة حطين بوصفها محطة مفصلية في تاريخ فلسطين، إذ مهّد انتصار صلاح الدين الأيوبي فيها لاستعادة بيت المقدس، فيما واصل المماليك من بعده جهودهم لإنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام.
ويربط المؤلف هذه الأحداث بالتطورات التي شهدتها فلسطين في العصر الحديث، معتبرًا أن الدعم الدولي للحركة الصهيونية ساهم في إقامة الكيان الصهيوني، ومؤكدا أن صمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم يمثلان امتدادًا لمسيرة تاريخية في مواجهة الغزوات والاحتلالات.
ويقدم الكتاب قراءة تربط الماضي بالحاضر، وتسلط الضوء على مكانة فلسطين في التاريخ العربي الإسلامي، وأثر التحولات السياسية والعسكرية في مسارها عبر القرون.
ويضم كتاب "فلسطين بين فتحَين"، اثني عشر فصلا، تتناول تاريخ فلسطين عبر الحقب الإسلامية، منذ العصور القديمة وحتى العهد المملوكي. ويستعرض الفصل الأول تاريخ فلسطين القديم، والتنظيم الإداري لبلاد الشام، والهجرات السامية والعربية إليها، فيما يتناول الفصل الثاني الوجود العربي والممالك والقبائل التي تعاقبت على المنطقة.
ويبحث الفصل الثالث طلائع الفتح الإسلامي في حياة الرسول ﷺ، من خلال الغزوات والسرايا، فيما يتناول الفصل الرابع الفتح الإسلامي في العهد الراشدي، وأبرز معاركه، ومنها أجنادين واليرموك، وفتح دمشق وبيت المقدس وقيسارية، إلى جانب التنظيمات الإدارية والعسكرية والمالية وموقف الدولة من أهل الذمة.
ويخصص الفصل الخامس لتاريخ فلسطين في العهد الأموي واهتمام خلفائه ببيت المقدس، فيما يتناول السادس العهد العباسي الأول، وموقف الفلسطينيين منه، ومزاعم حماية شارلمان لبيت المقدس. أما الفصل السابع، فيستعرض تاريخ فلسطين من العهد الطولوني إلى الفاطمي، ودور القوى والأمراء العرب في أحداث المنطقة، والصراع بين الخلافتين العباسية والفاطمية الذي جعل فلسطين ساحة للتنافس بينهما.
ويتناول الفصل الثامن الغزو الصليبي لبلاد الشام وفلسطين، وقيام الممالك الصليبية، في ظل انقسام القوى الإسلامية. ويرصد الفصل التاسع جهود عماد الدين زنكي وابنه نور الدين في توحيد الجبهة الإسلامية، فيما يركز الفصل العاشر على دور صلاح الدين الأيوبي في توحيد مصر وبلاد الشام، والانتصار في حطين واستعادة بيت المقدس، ثم تداعيات انقسام البيت الأيوبي واستغلال الصليبيين له.
ويبحث الفصل الحادي عشر النظم الإدارية في العهدين الصليبي والأيوبي، ومحاولات الصليبيين تغيير الطابع الديني والحضاري لفلسطين، فيما يتناول الفصل الأخير دور المماليك في وقف الزحف المغولي في معركة عين جالوت، وإنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام وفلسطين.
وأشار المؤلف إلى أن الكتاب هو محاولة لإبراز أبرز محطات تاريخ فلسطين عبر العصور الإسلامية، مع إقراره بإمكانية وجود ثغرات، نظرًا إلى ارتباط تاريخها السياسي والإداري بمراكز الحكم في دمشق وبغداد ومصر. ويأمل أن يشكل هذا العمل إضافة إلى جهود المؤرخين السابقين، ومساهمة في استكمال البحث في تاريخ فلسطين.
وأكدت خاتمة الكتاب أن فلسطين كانت عبر تاريخها القديم والوسيط جزءًا من بلاد الشام وامتدادًا طبيعيًا للجزيرة العربية، وأنها تمثل في التاريخ الحديث والمعاصر قلب الوطن العربي. وقد منحها موقعها الإستراتيجي أهمية كبيرة، إذ كانت ممرًا للجيوش وميدانًا للصراعات بين القوى المختلفة، الأمر الذي جعلها هدفًا للغزوات والأطماع الاستعمارية، وساهم في التقاء مصالح الاستعمار الغربي مع الحركة الصهيونية.
وأشار المؤلف إلى أن أقدم سكان فلسطين هم العرب اليبوسيون والكنعانيون، الذين أسسوا فيها حضارة عريقة ذات طابع عربي، ثم تعاقبت عليها غزوات عديدة، منها العبرانية والآشورية والبابلية والفارسية واليونانية والرومانية، لكنها لم تستطع محو هويتها العربية وتراثها الحضاري. ومع ظهور الإسلام، تحررت فلسطين من الحكم البيزنطي، وأصبحت جزءًا من العالم العربي الإسلامي، واكتسبت القدس مكانة دينية متميزة بارتباطها بالمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
ويرى العقيلي أن فلسطين تمتعت بمكانة مهمة في العهدين الأموي والعباسي، ثم أصبحت محورًا للصراع بين القوى الإسلامية المختلفة، ولا سيما الفاطميين في مصر والسلاجقة في بلاد الشام. وساهم الانقسام السياسي والتنافس بين الدول والإمارات الإسلامية في إضعاف الأمة، مما سهّل نجاح الحملات الصليبية واحتلال القدس وإقامة ممالك وإمارات صليبية في بلاد الشام.
لكن المقاومة الإسلامية تصاعدت بقيادة عماد الدين زنكي، ثم نور الدين محمود، الذي أدرك أن تحرير فلسطين يتطلب توحيد القوى الإسلامية. واستكمل صلاح الدين الأيوبي هذا النهج، فوحد مصر وبلاد الشام، وانتصر على الصليبيين في معركة حطين سنة 1187م، واستعاد القدس بعد نحو تسعين عامًا من الاحتلال الصليبي، مظهرًا التسامح في التعامل مع سكانها وخصومه. غير أن وفاة صلاح الدين وانقسام الدولة الأيوبية أدّيا إلى استمرار الصراع.
وفي العصر المملوكي، واجه المسلمون خطر المغول والصليبيين، فحققوا انتصارًا حاسمًا في معركة عين جالوت سنة 1260م، ثم واصلوا تحرير المدن الساحلية حتى انتهى الوجود الصليبي في بلاد الشام سنة 1291م.
ويرى المؤلف وجود أوجه شبه بين الحركتين الصليبية والصهيونية، من حيث نشأتهما في البيئة الغربية، وتوظيف الدين لتبرير التوسع والاستيطان، واعتمادهما على الدعم الخارجي، واستغلالهما حالة الانقسام العربي. ويؤكد أن نجاح الغزو الصليبي ارتبط بضعف الوحدة الإسلامية، وأن توحيد مصر وبلاد الشام كان أساس انتصار صلاح الدين.
وخلص المؤلف إلى أن مواجهة الحركة الصهيونية تتطلب تحقيق الحد الأدنى من الوحدة والتضامن العربي والإسلامي، وإنهاء الانقسامات، وتوحيد الطاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. كما شدد على ضرورة تطوير التعليم والتكنولوجيا، والاستعداد العسكري، وإعداد الأجيال الجديدة روحيًا ومعنويًا وسياسيًا، والاستفادة من التوازنات الدولية وكسب التأييد للقضية الفلسطينية.