عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Nov-2026

صدور الطبعة الثانية من رواية "البحار.. حي ولا أخاف" لهاشم غرايبة

 الغد-عزيزة علي

 صدرت الطبعة الثانية من رواية "البحّار.. حي ولا أخاف"، للروائي والقاص الأردني هاشم غرايبة، في عمل يستكشف الذاكرة الإنسانية وما تختزنه من تفاصيل تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، مستعيدًا من خلالها سيرة الإنسان في مواجهة تحولات المجتمع، وانتقالاته بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وما يرافقها من تجارب وأسئلة تتصل بالإنسان والحياة والمصير.
 
 
وتشكل الذاكرة والاعتراف والكتابة محاور أساسية في العمل، إذ يستعيد الراوي ماضيه عبر تدوين الأحداث والتفاصيل التي شكلت حياته، في محاولة لمواجهة النسيان وإعادة قراءة التجربة الإنسانية، وطرح أسئلة تتعلق بالحياة والمصير وقدرة الإنسان على الاستمرار رغم الخيبات والتحولات.
وتتنقل الرواية بين الذاكرة الشخصية وأسئلة المجتمع، مستحضرة قسوة الحياة في مراحل الطفولة، وتحديات الفقر والمرض، إلى جانب التحولات التي طالت الأجيال الجديدة وفرصها في التعليم والإبداع والعمل، في قراءة تتجاوز السيرة الفردية نحو تأمل أوسع في أحوال الإنسان والمجتمع، وقدرته على الاستمرار ومواجهة الخسارات.
وتتناول الرواية، من خلال شخصية "سليم الناجي"، تجربة إنسانية تتجاوز حدود السيرة الفردية إلى قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، مسلطة الضوء على قسوة الحياة في مراحلها المختلفة، وما تفرضه من تحديات تتصل بالمرض والحروب والخسارات، إلى جانب قضايا الشباب وتراجع فرص الإبداع والبحث العلمي.
وتبدأ أحداث الرواية بفصل "على الرصيف"، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة عقب انتهاء التحقيق معه، لتنطلق رحلة استعادة الماضي والتنقيب في تفاصيل حياة امتدت عقودًا. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وثيقة بين الذاكرة والكتابة، إذ يقرر الراوي تدوين كل ما عرفه وعاشه وقرأه وسمعه، لتغدو الأوراق وسيلته لاستعادة ما غاب من حياته ومواجهة النسيان.
وقال الراوي: "أجمل ما في كتابة الاعترافات.. استرجاع متعة الاستغراق في لحظات جميلة تجاهلتها لسبب ما"، مستعيدًا صورًا وروائح وأصواتًا ظلت عالقة في ذاكرته؛ من صلاة الأم في غبشة الفجر، ومذاق خبز الشعير "الكردوش"، الساخن، إلى تساقط الشهب في ليالي الحصاد، والعسل الممزوج بالسمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز. وتمتد هذه الذاكرة إلى مشاهد من السفر والترحال، مثل ميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر أيلول الذي رافق درب مهرّبي البضائع على الحدود.
ولا تكتفي الرواية باستعادة التفاصيل الحميمة، بل تنتقل منها إلى أسئلة أكثر قسوة تتصل بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويتجلى ذلك في الفصل الثاني، "زمن الخسارات"، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية وُلد خلالها "بين حربين عالميتين"، في زمن لم يكن تسجيل المواليد فيه أمرًا شائعًا، وسط ظروف أحاط بها الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية.
ويستعيد البطل قسوة تلك المرحلة، مشيرًا إلى أن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يلقى حتفه بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف. كما يروي حادثة شقيقه الرضيع الذي اختطفته "الشُّوحة"، (طائر الحدأة الجارح) من البيدر، فيما كانت الأم منشغلة بفك حمل القش عن الناقة، في مشهد يلخص قسوة الحياة وهشاشة الوجود في تلك البيئة.
ومن الذاكرة الشخصية، تتسع مساحة السرد لتشمل قراءة نقدية لأوضاع الشباب والمجتمع العربي، إذ يوجه الراوي حديثه إلى شخصية "أحمد سامي"، الشاب الذي يغدو رمزًا لجيل يشعر بأنه حُرم من فرصه، قائلًا: "الشباب قمتم بتقزيمهم، وتثبيط هممهم، وأهملتم المتفوقين والمبدعين منهم لصالح المنافقين والمحاسيب والرّاشين".
وينتقد الراوي، في هذا السياق، تراجع التفكير الحر والبحث العلمي والفنون والثقافة، وما يراه من غياب للمشاريع الكبرى القادرة على استثمار طاقات الشباب واحتضان إبداعاتهم. كما يتناول علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، رابطًا هذه التحولات بالمسار المختلف الذي اتخذه حفيده "أحمد".
وتحتل الكتابة موقعًا محوريًا في الرواية، بوصفها فعلًا لمقاومة النسيان وتأكيدًا لاستمرار الإنسان عبر ما يتركه من أثر. ويختصر الراوي موقفه من الحياة بقوله: "أنا أعيش في عالم دنيء، ولكني حي ولا أخاف"، قبل أن يدرك أن ما يدوّنه قد يبقى بعد رحيله، وأن الكتابة تمنحه نافذة على الأبدية.
ويعكس الغلاف الأخير هذا المنحى الاعترافي، من خلال فقرة تستعيد أبرز الصور والتفاصيل التي تشكل ذاكرة الراوي، ومنها صلاة أمه في غبشة الفجر، وذرات السكر العالقة بكفها، ومذاق الكردوش الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، والعسل مع السمسم، وصوت حليب البقرة بين أصابع أمه، وصولًا إلى ميناء هامبورغ وعوّامة النيل وشلالات نياغارا وقمر أيلول على درب المهربين.
وتجمع رواية "البحّار.. حي ولا أخاف"، بين السيرة الذاتية والتخييل الروائي واستعادة الذاكرة، مستحضرةً عبر تفاصيل الحياة اليومية عالمًا تتجاور فيه الطفولة والشيخوخة، والفقر والسفر، والخسارة والأمل. ومن خلال هذا التداخل، تقدم الرواية تأملًا في قدرة الإنسان على مواصلة الحياة رغم الخيبات والتحولات، وفيما تتيحه الذاكرة والكتابة من إمكانات لاستعادة الماضي ومواجهة النسيان.
ويذكر أن هاشم غرايبة روائي أردني ولد في قرية حوّارة شمال الأردن، حاصل على درجتي البكالوريوس في المختبرات الطبية من العراق (1975)، والاقتصاد من جامعة اليرموك (1990).
تولى رئاسة تحرير مجلتي "براعم عمّان"، الصادرة عن أمانة عمّان الكبرى، و"وسام" الصادرة عن وزارة الثقافة، كما شغل منصب مدير الدائرة الثقافية في بلدية إربد العامين 2005 و2006، والمنسق العام لاحتفالية إربد مدينة الثقافة الأردنية العام 2007. وشارك في عدد من المجالس الأكاديمية والثقافية، منها مجلس إدارة جامعة إربد الأهلية، ومجلس أمناء الكلية الأردنية للعلوم والتكنولوجيا، ومجلس كلية الفنون الجميلة بجامعة اليرموك.
ونال جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة العام 1987 عن مجموعته "هموم صغيرة"، ودرع الرواد العرب من جامعة الدول العربية العام 2000، وجائزة محمد نزّال العرموطي للإبداع والدراسات العمّانية عن روايته "الشهبندر"، العام 2008، كما حصل على منحة مشروع التفرغ الإبداعي الثقافي العام 2007.