الغد
لاستطلاعات الرأي بالكيان المُحتل تاريخٌ طويل مع المفاجآت الانتخابية التي قلبت النتائج النهائية بصورة غير مُتوقّعة، مما يجعل الأسابيع القليلة المتبقية حتى أواخر أكتوبر القادم بمثابة «دهر كامل» في العُرف الانتخابي الصهيوني قد يتسّع لمتغيرات دراماتيكية، كالتي حدثت في انتخابات 1996 حينما نام «شمعون بيريز» مُطمئناً لفوز «حزب العمل» بفارق مريح على «نتنياهو» فاستيقط مصدوماً لنبأ فوز الليكود، في واقعة تكررت انتخابياً عامي 2015 و2022 حينما قلب الطاولة في الربع ساعة الأخيرة.
تُطلق الأوساط السياسية الصهيونية على تلك الظاهرة الانتخابية عبارة «التنبؤ بالطقس وسط العاصفة» للدلالة على شدّة تقلب مزاج الناخبين وسلوكهم التصويتي المخفيّ، وللإشارة بطرافة إلى اتساع الفجوة بين استطلاعات الرأي وصناديق الاقتراع، بحيث أضحى مصطلح «انقلاب» (مهباخّ) الذي ظهر بعد انتخابات 1977 حينما كسّر «الليكود» لأول مرّة حلقة استحكام «العمل» بالسلطة منذ عام 1948، متداولاً بكثرة هذه الأيام.
الاستطلاعات الحالية التي تمنح الصدارة لحزب «يشار» برئاسة المتطرف «غادي آيزنكوت» قد تُعبر عن «مزاج اللحظة الحالية» وليست بالضرورة ثابتة، إزاء عدة عوامل حاسّمة، مثل هامش «الخطأ البنيوي» الناتج عن «الناخب المخفيّ» من اليمين المتطرف الذي لا يُفصح عادة عن آرائه الحقيقية لمراكز الاستطلاع الهاتفية أو الرقميّة، لكنه يصوت لنتياهو بكثافة يوم الاقتراع، أسوة بتجارب سابقة، مما يقود لعامل آخر يخص الفارق بين المقاعد وتشكيل الحكومة وفق النظام الانتخابي الصهيوني الذي لا يعتمد على من يتقدم المشهد، بل من يستطيع جمع تحالف من 61 مقعداً، حيث كتلة اليمين و»الحريديم» (المتشددين دينياً) التابعة لمعكسر «نتنياهو» عادة ما تكون أكثر تماسكاً وعقائدية متشددة مقارنة بمعسكر الوسط الذي يُمثله زوراً المتطرف «آيزنكوت».
وأمام وجود أحزاب صغيرة إما تدور حول نسبة الحسّم الانتخابية (3.25 %) أو تفشل في عبورها، مع احتمال تفكك الائتلافات أو «تشتت المعسكرات» عند ذوبان الأصوات، فإن ذلك يعني بالنسبة لمعسكر المعارضة ضياع آلاف الأصوات وتجييرها حسابياً لصالح كتلة «نتنياهو» المتطرفة. ومع اقتراب موعد الانتخابات، قد يخف التعاطف الشعبي الذي حظي به «آيزنكوت» وفق مزاعم «شرعية الدم والتضحية» نظير فقدان أفراد من عائلته في حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة، حينما تتحول المعركة إلى سياسية واقتصادية واجتماعية مقابل تراجع العواطف لصالح الحسابات الحزبية الضيقة.
وليس مستبعداً أن يقوم «نتنياهو» المأزوم سياسياً وقضائياً باستخدام حيله الانتخابية التي بدأها مُبكراً، عبر بث مقاطع فيديو تثير «فزّاعة» حكومة «آيزنكوت» المعتمدّة على الأحزاب العربية، مثل القائمة الموحدة، إزاء حصول معسكره على 57 إلى 60 مقعداً، وهو خطاب ناجع يستحضر النزعات العنصرية العدوانية لدى المستوطنين. وبمجرد الدخول الفعلي في معركة الحملات الانتخابية، ستقوم ماكينة «نتنياهو» الإعلامية بنبش التاريخ العسكري والسياسي «لآيزنكوت» ومحاولة توريطه في ملفات أو تصريحات تُظهره «يسارياً مُتنكراً» أو سياسياً قليل الخبرة، لتجريده من ميزة «الاستقامة» التي تحمل شعار حزبه. هذا التحريض المنظم يدفع عادة شريحة واسعة من ناخبي اليمين والوسط – اليمين «المترددين» للعودة إلى كتلة «نتنياهو» المتطرفة.
وعند حدوث أي تصعيد عسكري على جبهات العدوان الصهيوني ضد الأراضي الفلسطينية المحتلة أو لبنان أو إيران، فإن ذلك من شأنه أن يُعيد ترتيب الأولويات لدى الداخل الصهيوني المحكوم بالهواجس الأمنية والذي يميل تقليدياً في تلك اللحظات للالتفاف حول القيادة السياسية الحالية المُجربة بدلاً من المغامرة بوجه جديد. ويدرك «نتنياهو» جيداً تلك النزعة في نفوس المستوطنين اليهود، عبر استغلال الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية واستمرار جرائم الاحتلال في قطاع غزة وجنوب لبنان، في محاولة منه للضرب على وتر الأمن المفقود بالمنطقة لإعادة «المترددين» إلى معسكره وتعزيز وضعه الانتخابي.
ربما يمتلك «نتنياهو» نفساً طويلاً وخبرة ممُتدة في تفكيك معسكر خصّمه الانتخابي وإثارة القلق والذعر في نفوس الناخبين من دولة فلسطينية مستقلة مستقبلاً، وقد يستطيع «آيزنكوت» الصمود أمام الضربات الإعلامية المتوالية والإتكاء على أوراق فساد خصمه وفشله السياسي، انعكاساً لاستطلاعات رأي مُتقلبّة.
لكن ذلك لا يعني مُطلقاً أن بقاء اليمين الديني المتطرف في السلطة سيكون فرصة مواتية للتهدئة والتعافي الفلسطيني، أو أن فوز «المعارضّة» سيجلب الاعتراف «بحل الدولتين» وبحقوق الشعب الفلسطيني، فكلاهما يؤمنان بالمشروع الصهيوني التوسعّي الذي لا مكان فيه للسلام.