عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Sep-2026

واشنطن وطهران.. من يملك مفتاح الخروج من الحرب؟

 الغد-إيمان الفارس

 لا تبدو أزمة المواجهة الإيرانية- الأميركية قابلة للحسم عبر وسيط واحد، بقدر ما تحتاج إلى صيغة تجمع بين النفوذ السياسي والقدرة على التأثير وضمانات ما بعد التسوية. وبذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي؛ من هو الوسيط الأقوى؟ بل كيف يمكن جمع نقاط قوة الوسطاء في مسار واحد يجعل التسوية أقل كلفة من استمرار الحرب.
 
 
وفي هذا السياق، كشفت تحليلات خبراء سياسيين وإستراتيجيين، في تصريحات لـ"الغد"، أن باكستان تبدو الأكثر جاهزية للعب دور الوسيط العملي، بما تمتلكه من قنوات اتصال مع واشنطن وطهران وعلاقات متوازنة مع الصين ودول الخليج، بينما تملك الصين الثقل الإستراتيجي والاقتصادي الأكبر، ما يؤهلها لاحقا لتقديم ضمانات أوسع لأي اتفاق.
أما قطر وسلطنة عمان، فتبرز أهميتهما بإدارة الاتصالات الحساسة واحتواء التصعيد، بينما تستطيع تركيا أداء دور سياسي وأمني مساند، في حين يبقى الخليج طرفا لا يمكن تجاوز مصالحه الأمنية في أي تسوية.
ونوهوا إلى أن جوهر الوساطة لا يرتبط فقط بمن يملك قنوات الاتصال، بل بمدى استعداد الطرفين للانتقال من منطق القوة إلى منطق التفاوض. مشيرين إلى أن الصيغة التي قد تبدو الأكثر واقعية؛ هي وساطة جماعية تقودها باكستان سياسيا، وتدعمها قطر وعمان في خفض التصعيد، والصين في الضمانات الاقتصادية والإستراتيجية، بمشاركة تركيا ودول الخليج في الترتيبات الأمنية.
الوسيط الأقوى سياسيا
وحول الجهة التي تمتلك مفتاح التسوية، أكد الخبير د. منذر الحوارات، أنه لا يبدو بأن هناك وسيطا واحدا قادرا حتى الآن على حسم الصراع الإيراني الأميركي أو إنهائه، في ظل تشابك الملفات المطروحة وتجاوز الأزمة ووقف إطلاق النار إلى قضايا أكثر تعقيدا، تشمل البرنامج النووي والعقوبات والحصار البحري، وصولا إلى مضيق هرمز الذي بات جزءا أساسيا من صلب المواجهة وتداعياتها.
وفي قراءة لمشهد الوساطة بين طهران وواشنطن، رأى الحوارات أن باكستان تبدو حتى هذه اللحظة الطرف الأكثر تأهيلا للعب دور الوسيط الأقوى سياسيا، نظرا لما تمتلكه من قنوات اتصال مقبولة مع الطرفين، إلى جانب علاقاتها الوثيقة مع الصين ودول الخليج العربي، ما يمنحها مساحة تحرك واسعة بين الأطراف المعنية بالصراع.
وقال إن "باكستان هي الأكثر تأهيلا حتى هذه اللحظة"، مستندا بذلك لتجربتها السابقة في تبادل ونقل المقترحات بين أميركا وإيران، والتي أسهمت بالوصول إلى مذكرة التفاهم المؤقتة التي جرى التوصل إليها بين الطرفين.
واعتبر أن هذه الخبرة، تمنح إسلام آباد أفضلية نسبية في أي مسار تفاوضي جديد، خصوصا في ظل الحاجة لقناة تستطيع التواصل مع الطرفين من دون أن تكون جزءا مباشرا من الصراع.
في المقابل، أشار الحوارات إلى أن سلطنة عمان وقطر تملكان قدرة أكبر على إدارة الاتصالات السرية ومسارات التهدئة الميدانية، بما يجعلهما عنصرين مهمين في أي ترتيبات لخفض التصعيد، موضحا بأن السلطنة تتمتع بخبرة واسعة في المفاوضات مع إيران، فضلا عن موقعها الجغرافي الذي يؤهلها للتعامل مع "أزمة هرمز"، باعتباره ممرا بحريا حيويا يرتبط بصورة مباشرة بتطورات المواجهة.
أما قطر، فرأى أنها تمتلك بدورها أدوات مهمة في هذا المسار، بفعل قنواتها المباشرة مع الولايات المتحدة وإيران، وقدرتها على التحرك السريع، ما يجعلها مؤهلة للمساهمة في الاتصالات الرامية لاحتواء التصعيد وتهيئة الظروف أمام التفاوض.
وبشأن الدور الصيني، رأى الحوارات أن بكين تمتلك ثقلا اقتصاديا ونفوذا مهما على طهران، لكن الولايات المتحدة لا تنظر إليها في الوقت الراهن باعتبارها وسيطا مباشرا في هذا الصراع، وهو ما يحد من قدرتها على أداء دور الوسيط المنفرد. وقال إن "الصين رغم ثقلها الاقتصادي ونفوذها على طهران، فإن أميركا لا تنظر إليها كوسيط"، مرجحا بأن يكون دورها الأكثر فاعلية لاحقا عبر تقديم ضمانات سياسية واقتصادية لأي اتفاق مستقبلي، بدلا من تولي الوساطة منفردة بين الطرفين.
ولم يستبعد الحوارات في الوقت نفسه أدوارا لتركيا والسعودية ومصر، معتبرا أن هذه الدول تستطيع المساهمة بنقل الرسائل بين الأطراف، لكن قدرتها على التأثير تبقى محدودة مقارنة بالأطراف التي تمتلك أدوات ضغط مباشرة. مضيفا أن "تركيا أيضا والسعودية ومصر يمكنهم نقل الرسائل"، لكنه بين أن هذه الأطراف لا تمتلك أدوات ضغط حقيقية، تمكنها من فرض تسوية أو دفع الطرفين نحو إنهاء الصراع.
وبناء على ذلك، يميل الحوارات إلى تصور صيغة وساطة جماعية، بدلا من البحث عن وسيط منفرد، بحيث تتوزع الأدوار بين عدة دول، وفقا لنقاط القوة التي يمتلكها كل طرف. مقترحا بأن تقود "باكستان المفاوضات، وعمان وقطر تعملان على وقف الضربات ومحاولة فتح الممر الملاحي، بينما الصين ودول الخليج تقدمان ضمانات اقتصادية وأمنية"، بما يشكل في مجموعه صيغة متكاملة للوساطة يمكن أن تتعامل مع الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية والبحرية.
وأكد أن جوهر المشكلة، لا يكمن في غياب الوسطاء القادرين على التحرك، بقدر ما يرتبط بعدم وصول واشنطن وطهران حتى الآن لقناعة مشتركة بأن استمرار الحرب، بات أكثر كلفة من التوصل إلى تسوية. موضحا بأن "المشكلة ليست غياب الوسطاء، إنما عدم وصول واشنطن وطهران حتى الآن لقناعة بأن استمرار الحرب أصبح مكلفا، وأن كلفة التسوية أقل بكثير من كلفة استثمار الحرب".
وشدد الحوارات على أن الوسيط الحاسم في نهاية المطاف، قد لا يكون دولة بعينها، وإنما قرار الطرفين نفسيهما عندما يدركان أن استمرار المواجهة لم يعد يحقق المكاسب التي يمكن أن تبرر كلفتها، وأن وقف الصراع وإنهاء حالة التوتر في المنطقة أصبحا أقل كلفة وأكثر فائدة من استمرار الحرب.
وقال إن "الوسيط الحقيقي يمكن أن يكون كلا البلدين عندما يدركان هذه الحقيقة، وهي أن عليهما وقف هذا الصراع وإنهاء هذا التوتير في المنطقة".
نتائج ميزان القوة
وحول فرص نجاح أي وساطة بإنهاء الصراع، لم ير رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن حسم الصراع الإيراني الأميركي، يرتبط بوسيط واحد يمكنه إنهاء المواجهة، بقدر ما يتحدد بنتائج الصراع نفسه، وما يفرزه من توازنات قوة، معتبرا أن أي دور للوساطة سيبقى محكوما بما يفرضه هذا الميزان على طرفي المواجهة.
وقال شنيكات إن "الوسيط الحاسم، هو نتائج ميزان القوة"، موضحا بأن الحل يرتبط بطبيعة توازنات القوة بين إيران والولايات المتحدة، ففي حال نشأ نوع من التوازن، تصبح المعادلة أكثر قابلية للتسوية، وعندها يتدخل الوسيط لتثبيت حالة التوازن وتحويلها إلى مسار تفاوضي.
وأشار إلى أن الوسيط في هذه الحالة، قد يكون باكستان أو قطر أو تركيا، أو أي دولة أخرى تدخل على خط الأزمة، لكن قدرتها على التأثير ستبقى مرتبطة بما تفرزه المواجهة من موازين، معتبرا أن كلا الطرفين يمتلك نقاط قوة وضعف يمكن أن تؤثر في مسار الحرب وفرص التوصل للتسوية.
وبالنسبة لإيران، اعتبر أن أهم أوراق قوتها، تتمثل في مضيق هرمز، مبينا أن فعالية هذه الورقة تعتمد على قدرة طهران على منع مرور السفن وناقلات النفط عبر المضيق. مضيفا أن فرض حصار مطبق على حركة الملاحة، يمكن أن يدفع الولايات المتحدة لتقديم تنازلات، في حين أن نجاح واشنطن بتجاوز العقبة الإيرانية وتشغيل أحد ممرات المضيق سيضعف هذه الورقة.
في المقابل، تواجه إيران، بحسب شنيكات، نقاط ضعف كبيرة، أبرزها الحصار البحري الخانق والظروف الاقتصادية الصعبة، إلى جانب حجم التدمير الذي تعرضت له في الحرب، مشيرا إلى أن استمرار المواجهة يستنزف قدراتها، بما في ذلك مخزون الصواريخ، لافتا إلى أن أي دولة تعتمد في النهاية على حركة التجارة والاستيراد والتصدير.
أما الولايات المتحدة، فرأى أنها تواجه بدورها عناصر استنزاف، خصوصا على مستوى الذخيرة وتجديد بنك الأهداف في إيران، لافتا إلى أن ارتفاع أسعار النفط وتراجع المخزون الإستراتيجي العالمي يمثلان عاملا ضاغطا على الولايات المتحدة، وقد يؤدي استمرار ذلك للدفع نحو تقديم تنازلات، خصوصا في ظل الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب.
وبشأن الوساطة، أكد شنيكات أن الدول المرشحة للقيام بهذا الدور، أكانت باكستان أو قطر أو تركيا أو دول الخليج أو الصين، ستظل محكومة بمعادلة القوة بين إيران والولايات المتحدة.
وقال إن هذه الدول "بالنهاية محكومة بمعادلة توازن القوة بين الطرفين"، ما يعني أن الوسيط لا يستطيع فرض تسوية منفصلة عن موازين القوة القائمة، موضحا بأن العملية تحتاج لوقت، خصوصا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه قيودا سياسية داخلية مرتبطة بانتخابات التجديد النصفي، إذ إنه "قد ينفذ ضربات هنا وهناك بدون الانخراط في صراع شامل"، ما قد يترك المجال أمام مسارات تفاوضية، لكن نجاحها سيبقى مرتبطا بما يفرزه الميدان من توازنات.
ونوه شنيكات إلى أن الوسيط الأقوى لا يمكن تحديده بمعزل عن نتائج المواجهة، فالوساطة لا تصنع التسوية وحدها، بل تصبح أكثر فاعلية عندما يصل الطرفان لتوازن يجعل كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة التفاوض، وعندها يمكن لأي وسيط يمتلك قنوات اتصال مناسبة، المساعدة بتثبيت هذا التوازن وتحويله لاتفاق.
تفاهمات قابلة للتنفيذ
وحول هوية الوسيط الأقوى، لم يعتقد الخبير د. بشير الدعجة، أن هناك من يستطيع بمفرده إنهاء الصراع الإيراني الأميركي حاليا، معتبرا أن التسوية الحقيقية تتطلب جهة قادرة على التأثير في الطرفين، وامتلاك قنوات مباشرة بينهما، وتحويل الرسائل المتبادلة لتفاهمات قابلة للتنفيذ.
وقال الدعجة، إن "الوسيط الأقوى من يستطيع الجمع بين هذه الوظائف الثلاث"، موضحا بأن الصين تتقدم من حيث الوزن الإستراتيجي، بينما تبرز باكستان وقطر وعمان من حيث القدرة على التحرك الميداني ونقل الرسائل المباشرة.
ورأى الدعجة أن الصين هي "الوسيط الأثقل وزنا إستراتيجيا"، باعتبارها شريكا اقتصاديا رئيسا لإيران وقوة عالمية قادرة على مخاطبة واشنطن من موقع الندية، فضلا عن ارتباط مصالحها بأمن الطاقة والملاحة في الخليج. 
وأضاف أن تجربة بكين بإعادة العلاقات السعودية - الإيرانية العام 2023، منحتها رصيدا سياسيا في المنطقة، لكنها لا تستطيع إنهاء الحرب وحدها، فأي تسوية تتطلب معالجة ملفات البرنامج النووي والصاروخي وأمن الملاحة والقدرات العسكرية، مقابل رفع العقوبات واستعادة إيران قدرتها على تصدير النفط.
في المقابل، اعتبر أن باكستان "الوسيط الأكثر قدرة على الحركة بين الطرفين حاليا"، مستفيدة من علاقاتها الإستراتيجية مع أميركا، وصلاتها التاريخية والأمنية والاقتصادية مع إيران، وعلاقاتها القوية بدول الخليج، إلى جانب قنواتها مع الصين ووزنها العسكري. بيد أن قدرتها الاقتصادية والسياسية الدولية أقل من الصين، ما يجعل دورها الأقوى، يكمن بتقريب المواقف ونقل الرسائل وفتح مسار التفاوض.
أما تركيا، فقال إنها تمتلك ميزة الجمع بين علاقاتها مع إيران وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، بما يمنحها ثقلا سياسيا وأمنيا، وإن كانت حساباتها مع واشنطن وطهران وروسيا والخليج، تحد من قدرتها على لعب دور الوسيط المحايد بالكامل.
وبشأن دول الخليج، أكد الدعجة، أنه لا يمكن التعامل معها كوسيط واحد، بل ككتلة مصالح، مشيرا إلى أن قطر تمتلك قنوات سياسية مع طهران وواشنطن، بينما تتمتع السلطنة بخبرة طويلة في الوساطة الهادئة، في حين تملك السعودية ثقلا عربيا واقتصاديا وأمنيا، يجعل مشاركتها في أي ترتيبات نهائية ضرورية.
ورأى أن الصين هي "الأقوى من حيث القدرة الإستراتيجية الشاملة"، وباكستان "الأكثر قابلية للتحرك كوسيط عملي"، بينما تمثل قطر والسلطنة مفتاح الاتصالات الحساسة، وتركيا ثقلا سياسيا وأمنيا، فيما  يملك الخليج مفتاح الاستقرار الإقليمي. لذلك فإن الحل الأفضل لا يكمن في وسيط منفرد، بل في صيغة وساطة متعددة الأطراف تجمع هذه الأدوار، بحيث تتولى الصين ثقل التسوية الاقتصادي والإستراتيجي، وتضطلع باكستان بدور حلقة الوصل، وتدير قطر والسلطنة الاتصالات الحساسة، وتسهم تركيا بترتيبات الأمن الإقليمي، وتكون السعودية ودول الخليج جزءا من صياغة الضمانات الأمنية والاقتصادية.
وأكد الدعجة، أن التسوية يجب ألا تقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن تشمل ضمان حرية الملاحة في هرمز، وتخفيفا تدريجيا للعقوبات مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقق، وضمانات بشأن البرنامج النووي وترتيبات أمنية إقليمية، معتبرا أن "الوسيط الناجح ليس الذي يقنع طرفا بأن الآخر محق، بل الذي يجعل تكلفة الاستمرار أكبر من تكلفة التسوية".