الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دانيال فالكوني* - (كاونتربنش) 1/7/2026
كتبت المنظِّرة السياسية الشهيرة ديانيل ألين ذات مرة: "إن ’إعلان الاستقلال‘ مهم لأنه يساعدنا على إدراك أننا لا يمكن أن نحصل على الحرية من دون مساواة". ومع احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الخمسين بعد المائتين لاستقلالها في 4 تموز (يوليو) 2026، يربط "إعلان الاستقلال" (1776) و"دستور الولايات المتحدة" (1787) و"مرسوم الشمال الغربي" (1787) جميعها بين التصورات المبكرة للقوة الإمبريالية، والسيادة، والشرعية، والترابط المتبادل.
يمثل الجمع بين هذه الوثائق الثلاث خروجاً عن التأريخ التقليدي الذي يضع أحياناً بداية الإمبريالية الأميركية في القرن التاسع عشر، وفي سياق التوسع غرباً أو سعي الولايات المتحدة إلى السيطرة على أماكن مثل ألاسكا (1867) وهاواي (1898)، وهما الحالتان الأخيرتان لما يُعرف بـ"أطروحة المياه الزرقاء" للإمبريالية.[1]
أزعم أن المبادئ التأسيسية للبلاد كانت متجذرة في الاستعمار والإمبريالية أكثر مما كانت متجذرة في الحرية والتحرر. وبعبارة أخرى، بدأت عملية الاستعمار قبل القرن التاسع عشر بوقت طويل.
بدأت الولايات المتحدة منذ القرن الثامن عشر بالتكوُّن كجمهورية وإمبراطورية في آن واحد. وكما أشار الباحث غريغ غراندين مؤخراً، "كانت الحرية الأميركية مبنية على غزو لا نهاية له". وقد تجلّى ذلك في التوسع الإقليمي وفي مصادرة أراضي السكان الأصليين، وهو ما كان جزءاً بنوياً مندمجاً في مراحلها المبكرة.
كتب توماس باين في العام 1776: "لدينا القدرة على أن نبدأ العالم من جديد". وكان باين حالة نادرة باعتباره الوحيد تقريباً الذي كان تقدمياً من بين "الآباء المؤسسين" لأنه استشرف حرية داخلية وليس إمبراطورية خارجية. وقد نظر معاصروه، في أفضل الأحوال، إلى السكان الأصليين باعتبارهم عوائق أو أطفالاً يحتاجون إلى التأديب عندما لا يتم توجيههم لأغراض دبلوماسية. وفي أسوأ الأحوال، كان يُفترض إزالتهم أو قتلهم تماماً.
في العام 1776، نص "التقرير الأول حول كندا" على الهدف الذي حدده بوصفه استراتيجية إقليمية.[2] وحتى مع "مواد الاتحاد" (1777) كان هناك اعتراف بسيادة السكان الأصليين، لكنّ تكهنات وُجدت هناك في الوقت نفسه حول مستقبل "شؤون الهنود".[3]
ووثّق مؤرخون مثل الأب فرانسيس بول بروشا، وكولين غ. كالواي، وروبرت ج. ويليامز الابن، التحول في النظرة الاستعمارية من اعتبار السكان الأصليين حلفاء استراتيجيين وإخوة في الحرية، إلى اعتبارهم أطفالاً وأمماً تعتمد على الوصاية. وانتقل الأميركيون الأصليون من كونهم متساوين إلى كونهم قاصرين في حاجة إلى وصاية.[4] وأدت "معاهدة باريس" (1783) إلى مزيد من تقويض سيادة السكان الأصليين وشرعيتهم، وسهّلت نقل مُلكية أراضي أجدادهم من دون موافقتهم. كما تولي الدراسات الحديثة اهتماماً أكبر بـ"مرسوم الشمال الغربي" مقارنة بالدستور، وتشير إلى السياسات التوسعية المباشرة التي صاغها هذا المرسوم ثقافياً في وثائق التأسيس والاستراتيجيات الأميركية.[5]
كان يُفترض أن تكون الولايات المتحدة أيضاً جمهورية وإمبريالية في الوقت نفسه. وقد استُخدم "المرسوم" لتنظيم المستوطنين البيض وتهدئتهم وحماية مصالحهم من طبقة مُلاك المزارع الكبيرة.
وعلاوة على ذلك، وبما أن جيمس ماديسون كان يفضّل التوسع المنظم ويخشى الديمقراطية المباشرة، فقد "تم استخدام [المرسوم] كأداة لنزع الملكية للأغراض الاستيطانية وممارسة العنف ضد الشعوب الأصلية وأراضيها. لكن كونه خدم أهداف تفوق البيض يمكن أن يحجب حقيقة أن جزءاً كبيراً من عمله الأساسي لم يكن موجّهاً لصالح الرجال البيض، بل استُخدم تحديداً لتسخير وتوجيه الكيانات السياسية التي أنشأوها"، كما تقول المؤرخة جيسيكا تشوبين روني.[6]
قبل سنوات من تمدد الولايات المتحدة نحو ألاسكا أو هاواي، وفي رسالة كتبها جورج واشنطن من ماونت فيرنون بتاريخ 29 آب (أغسطس) 1788، قال:
"إن الظروف الطبيعية والسياسية والأخلاقية لإمبراطوريتنا الناشئة تبرر هذا التوقع. لدينا إقليم غير محدود تقريباً، تفوق مزاياه الطبيعية للزراعة والتجارة [مزايا] أي إقليم آخر في العالم".[7]
وبالمثل، كتب توماس جيفرسون إلى جيمس ماديسون من مونتيسيلو بتاريخ 27 نيسان (أبريل) 1809: "أنا على قناعة بأنه لم يوجد أي دستور من قبل كان ملائماً إلى هذا الحد كما هو دستورنا لإقامة إمبراطورية واسعة ومناطق حكم ذاتي..."[8]
وفي العام 1787، كتب ألكسندر هاملتون في العدد الأول من مجلة "أوراق فيدرالية": "إلى شعب ولاية نيويورك: إن موضوع النقاش يفرض أهميته بنفسه؛ حيث لا يتضمن في نتائجه أقل من وجود الاتحاد، وأمن ورفاه الأجزاء المكونة له، ومصير إمبراطورية هي من نواحٍ عديدة الأكثر إثارة للاهتمام في العالم..."[9]
بعبارات أخرى، كان واضحاً لدى واشنطن وجيفرسون وهاملتون في هذه المراسلات أن "الإمبراطورية" كانت عنصراً حتمياً ومطلوباً في الاستراتيجية الأميركية الكبرى، وهي اعتبارات تفوقت على مفاهيم الديمقراطية والجمهورية.
وفي سياق آخر، كتب توماس جيفرسون من باريس بتاريخ 25 كانون الثاني (يناير) 1786 إلى المحامي في فرجينيا أرشيبالد ستيوارت:
"يجب النظر إلى اتحادنا على أنه النواة التي ستُسكَن أميركا وتُعمّر منها بأكملها، شمالاً وجنوباً. وعلينا أيضاً أن نحرص على ألا نضغط على الإسبان مبكراً، حفاظاً على مصلحة تلك القارة العظيمة. لا يمكن أن تكون تلك البلدان في أيدٍ أفضل. أخشى أنهم أضعف من أن يحتفظوا بها حتى يصبح عدد سكاننا متقدماً بما يكفي لننتزعها منهم [قطعة] بعد [قطعة]. يجب أن تكون السيطرة على نهر المسيسيبي لنا".[10]
وهنا يوضح جيفرسون، من خلال كتاباته، فكرة الصيانة الدقيقة والنية التي كان مستعداً لتبنيها بشأن توسيع العنف الاستعماري بشكل بنيوي في كل الاتجاهات، بالتنسيق مع "مرسوم الشمال الغربي".
بتاريخ 7 أيلول (سبتمبر) 1783، خاطب جورج واشنطن المحامي في نيويورك جيمس دوين من روكي هيل قرب برينستون، نيوجيرسي، قائلاً:
"للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر غريباً بعض الشيء -عندما يُطلب مني إبداء رأيي في شروط السلام المناسب الذي يجب إبرامه مع الهنود- أن أتطرق إلى مسألة تشكيل الولايات الجديدة؛ لكن الاستيطان في البلاد الغربية وإبرام السلام مع الهنود متشابهان لدرجة أنه لا يمكن تعريف أحدهما من دون التطرق إلى الآخر".
وتابع واشنطن:
"أكرر مرة أخرى، وأنا واضح في رأيي، أن السياسة و[الاقتصاد] يشيران بقوة إلى جدوى الحفاظ على علاقات جيدة مع الهنود، وإلى أولوية شراء أراضيهم بدلاً من محاولة طردهم بالقوة من بلادهم؛ وهو ما جربناه بالفعل، ويشبه دفع وحوش الغابات البرية التي تعود فور انتهاء المطاردة، وقد تنقض على من تبقى هناك؛ بينما التوسع التدريجي لمستوطناتنا سيجعل الساكن الأصلي ينسحب كما ينسحب الذئب؛ فكلاهما من الوحوش المفترسة، وإن اختلفا في الشكل".[11]
تبدو تعبيرات واشنطن هنا مرعبة في لغتها الصريحة التي تدفع نحو الأبوية والملكية. وقد يرى المدافعون عن الرئيس الأول و"أبو الأمة" أن الرسالة تتعلق بالدبلوماسية وصنع السلام وحفظه، لكنها مكتوبة في الغالب بطريقة قد يصفها إيمي سيزير بأنها تقوم على نزع الإنسانية، وتجريد البشر من إنسانيتهم، ومحاولة "تحويلهم إلى أشياء".[12]
في رسالة من واشنطن العاصمة بتاريخ 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1801، خاطب توماس جيفرسون جيمس مونرو قائلاً:
"من الصعب تصديق أن بريطانيا العظمى أو ملاك الأراضي الهنود لديهم من النزاهة أو الاحترام ما يكفي ليوافقوا على إراحتنا باستقبال مستعمرة كهذه بأنفسهم؛ وهناك شك في قدرة هؤلاء البشر على البقاء طويلاً في مثل هذا المناخ القاسي. على حدودنا الغربية والجنوبية، تسيطر إسبانيا على أرض شاسعة، يسكنها الهنود، باستثناء بعض المناطق المعزولة التي يملكها رعايا إسبان. من المشكوك فيه حقاً ما إذا كان الهنود سيبيعون أراضيهم؟ وهل ستكون إسبانيا مستعدة لاستقبال هؤلاء الناس؟".
وتابع جيفرسون:
"من شبه المؤكد أنها لن تتخلى عن السيادة. وينطبق السؤال نفسه علينا هنا أيضاً كما في الحالة الأولى: هل نكون مستعدين لوجود مثل هذه المستعمرة على تماس مباشر معنا؟ مع أن مصلحتنا الحالية قد تدفعنا إلى الانحصار داخل حدودنا، فإن من الممكن ألا نغفل عن أزمنة بعيدة، حين يؤدي تضاعف أعدادنا السريع إلى التمدد خارج تلك الحدود ليغطي القارة الشمالية بأكملها، إن لم يكن الجنوبية أيضاً، بشعب يتحدث اللغة نفسها، وتُحكمه أشكال متشابهة، وقوانين متشابهة؛ ولا يمكننا أن نتأمل بارتياح أي شائبة أو اختلاط على ذلك السطح".
واستخدم جيفرسون لغة أكثر حدة وصرامة في رسالته إلى جون آدامز بتاريخ 11 حزيران (يونيو) 1812 من مونتيسيلو:
"سيستسلم المتخلفون ويُدفعون إلى الوراء أكثر. سينزلقون إلى الهمجية والبؤس، ويتناقص عددهم بسبب الحرب والحاجة، وسنضطر إلى طردهم، مع وحوش الغابة، إلى الجبال الصخرية. ومع ذلك، سيتم قهرهم في كندا. إن امتلاك تلك البلاد يضمن حماية نسائنا وأطفالنا إلى الأبد من الفأس وسكين سلخ فروة الرأس، بإبعاد من يحرضونهم". [13]
يُظهر جيفرسون هنا منظوره الإمبريالي، ويؤطر إقصاء الشعوب الأصلية وإخضاعها باعتباره ضرورة للسيطرة الإقليمية وأمن المستوطنين. وهو يوضح بجلاء إيمانه بالتفوق العرقي، وبفصل الشعوب، وبالمشروع الإمبراطوري العام القائم على نظام قانوني عنيف بنيوياً وثقافياً. وقد أراد دولة تُفضل عالماً أنغلوسكسونياً ناطقاً بالإنجليزية، وتستخدم مشروع "الحرية الأميركية" بوصفه آلية توسعية لتأسيس ديمقراطية عرقية قائمة على الطبقات.
لاحقاً، في العام 1823، لاحظ وزير الخارجية، جون كوينسي آدامز، وجود "قوانين للجاذبية السياسية" إلى جانب الجاذبية الفيزيائية، وقال: "كما أن التفاحة، إذا انفصلت عن شجرتها الأصلية، لا بد أن تسقط إلى الأرض، فإن كوبا، إذا فُصلت قسراً عن ارتباطها "غير الطبيعي" بإسبانيا وغير القادرة على إعالة نفسها، ستنجذب حتماً نحو الاتحاد الأميركي الشمالي".[14]
وفي وقت لاحق من ذلك العام، صاغ الرئيس جيمس مونرو في رسالته السنوية إلى الكونغرس في 2 كانون الأول (ديسمبر) مبدأ حرية القارتين الأميركيتين من الاستعمار الأوروبي المستقبلي. وأصبح هذا التوجه يُعرف لاحقاً باسم "مبدأ مونرو".[15]
بحلول العام 1824، احتفى أنصار أندرو جاكسون به باعتباره تجسيداً لروح الثورة الأميركية؛ حيث كان يترشح للرئاسة بوصفه ديمقراطياً، وكان شعاره الانتخابي "المبادئ المجيدة للعام 1776".[16] وربما مثّل ذلك بداية المحاولات الشعبوية الأميركية المبكرة لتقويض السياسات الإمبريالية النخبوية من اليمين.
كتب هوارد زن، مؤلف "تاريخ الشعب للولايات المتحدة"، عن الاستثنائية الأميركية، موضحاً أنه في العام 1846 دفع الديمقراطيون بقوة نحو التوسع. وصاغ العبارة الشائعة جون أوسوليفان، محرر مجلة "ديموكراتيك ريفيو"، الذي كتب في العام 1845: "مصيرنا الواضح هو أن نغطي القارة التي خصصتها العناية الإلهية للتطور الحر لملاييننا المتزايدة سنوياً".[17]
وتعود فكرة أن أميركا تُقاد بالعناية الإلهية إلى زمن انفصالها عن بريطانيا، عندما صاغ جون آدامز عبارة: "كانت إرادة السماء أن تُفصل الدولتان".[18]
سبق أن أدّت السياسات التوسعية المرتبطة ببناء "قناة بنما" وحروب القرنين العشرين والحادي والعشرين إلى مشاريع ضمّ إضافية. وشمل الضم هذه القائمة الطويلة من الأراضي الاستراتيجية: لويزيانا (1803)، فلوريدا (1819)، جمهورية تكساس (1845)، التنازل المكسيكي (1848)، شراء غادسدن (1853)، ألاسكا (1867)، هاواي (1898)، بورتوريكو (1898)، وبعد بنما مباشرة الجزر العذراء (1917).
لكنّ ما سبق كل ذلك كان التصورات الأميركية المبكرة لإمبراطورية قارية، وهو ما يساعد على تفسير "عقيدة دونرو" التي يطبقها ترامب وفلسفة "أميركا أولاً" التي تتضمن سياسة "الضغط الأقصى"، أو ما وصفه رازي كانيكلغيـل بأنه سعي ترامب إلى تحقيق "أجندة إمبريالية جديدة".[19]
وبالإضافة إلى ذلك، في 10 شباط (فبراير) 2025، وصفت صحيفة "فايننشال تايمز" ترامب وشي جينبينغ وبوتين بأنهم توسعيون ملتزمون بـ"عصر جديد من الإمبراطوريات".
أنتجت التصورات الأميركية المبكرة لإقامة إمبراطورية قارية السياسة الإمبريالية التي نعيشها في اللحظة الراهنة. وإلى جانب "اكتشاف" العالم الجديد، والفترة الاستعمارية، والعبودية طويلة الأمد، قادت الولايات المتحدة المبكرة حملات "المصير المتجلي" وتدخلاً في المكسيك.
وفي العام 1832، دعم الحزب الديمقراطي وجناح من أنصار جاكسون توسّع الأراضي الأميركية عبر ضمّ تكساس.[20] كما ظهرت دعوات إضافية إلى التوسع في شعارات مثل "أربعة وخمسون أربعون، أو القتال"، وهي سياسة للضم تعود إلى العام 1844 في عهد جيمس كيه بولك، الذي أراد أن يُرسم خط حدود أوريغون عند خط العرض 54° 40’.[21]
منذ وقت طويل قبل ترامب ورؤيته لبسط النفوذ الأميركي الإقليمي المتجدد في قناة بنما، وفنزويلا، وكوبا، وغرينلاند، وامتداداً إلى غزة، كانت هناك من بين النخبة الأرستقراطية -من مالكي العبيد والقادة مثل جورج واشنطن، وتوماس جيفرسون، وألكسندر هاملتون، وجون كوينسي آدامز- مجموعة وضعت الأسس الأولى لهذا التصور الإمبريالي.[22] وتساعد الرسائل الخاصة لهذه المجموعة على تفسير مفهوم الإمبراطورية والعقلية القاسية التي نراها في القرن الحادي والعشرين مع حلول الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة.
كتبت المؤرخة صوفيا روزنفيلد مؤخراً:
"يا له من وقت لمحاولة الاحتفال بتأسيس هذه الأمة! الإمبريالية عادت. وبدأت قوات فيدرالية عسكرية بالتجمع في المدن لاجتثاث أشخاص يُعتبرون غير مرغوب فيهم أو غير موالين. ويقدّم الرئيس نفسه أقرب إلى ملِك منه إلى موظف مدني، من خلال الخطط لإنشاء قاعته الذهبية الجديدة، وموكب الحاشية والأوليغارشيين الذين يقدمون له الولاء. في ظل هذا الوضع، ما الخيارات المتاحة لسرد قصة ’إعلان الاستقلال‘ بعد 250 عاماً؟ هل يكون كل ما تبقى أمامنا هو الملهاة أو المأساة؟".
يكشف تاريخ الولايات المتحدة، منذ تأسيسها وحتى أوائل القرن التاسع عشر، عن طموحاتها الإمبريالية.[23] ولم يكن ذلك عرضياً بقدر ما كان جزءاً مركزياً من تكوين الدولة.
من رسائل واشنطن وجيفرسون إلى بنية "مرسوم الشمال الغربي"، تم تصوير مصادرة أراضي السكان الأصليين وإخضاعهم على أنها ضرورة لنمو جمهورية قارية. واستخدم القادة الأميركيون الأوائل باستمرار خطاب الحرية إلى جانب استراتيجيات التوسع الإقليمي، واضعين سوابق لسياسات لاحقة مثل "المصير المتجلي" والتدخلات الخارجية.
في الحقيقة، كان ما أسسه "الآباء المؤسسون" هو هرمية عرقية. وقد صاغوا ماهية الولايات المتحدة بوصفها كياناً لا ينفصل عن الإمبريالية. وبذلك، ليست "الإمبريالية الجديدة" الأميركية في الجنوب العالمي جديدة من الأساس.
والآن، مع وصول أميركا إلى عامها الـ250، يتضح أن الإمبريالية لم تكن انحرافاً عن المثُل الديمقراطية الطموحة بين العامين 1776 و1787، بل كانت موازية لها، وما تزال هذه حالها حتى الوقت الحاضر.
* دانيال فالكوني هو مؤرخ ومعلم وصحفي. بالإضافة إلى CounterPunch، كتب لمجلة العراق المعاصر والعالم العربي، ذا نيشن، جاكوبين، تروث آوت، فورين بوليسي إن فوكس وسكالاواج. يعيش في مدينة نيويورك وهو عضو في جمعية الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America 250 and the Imperial Nation
المراجع
1. United Nations General Assembly, Resolution 637 (VII) of 16 December 1952, "Maintenance of the Right of Self-Determination," U.N. Doc. A/Res/637(VII) (1952). (This resolution countered the notion that imperialism was only conducted overseas).
2. Continental Congress, First Report on the Committee to Digest the Resolutions Respecting Canada and Indian Allies (1776).
3. Articles of Confederation and Perpetual Union (1777), National Archives.
4. Francis Paul Prucha, American Indian Policy in the Formative Years: The Indian Trade and Intercourse Acts, 1790-1834 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1962).
5. William Frederick Poole, The Ordinance of 1787 and Dr. Manasseh Cutler as an Agent of its Information (Cambridge, MA: University Press, 1876).
6. Jessica Choppin Roney, "An Expansion of the Same Society: Republican Government and Empire in the Early Republic," Journal of American History III, no. 1 (June 2024): 15-38.
7. George Washington to Sir Edward Newenham, August 29, 1788, in The Papers of George Washington, Presidential Series.
8. Thomas Jefferson to James Madison, April 27, 1809, The Papers of Thomas Jefferson.
9. Alexander Hamilton, The Federalist Papers, no. 1, in The Federalist, ed. Clinton Rossiter (New York: Penguin Books, 1961).
10. Thomas Jefferson to Archibald Stuart, January 25, 1786, Paris, in The Papers of Thomas Jefferson.
11. George Washington to James Duane, September 7, 1783, Rocky Hill near Princeton, New Jersey, in The Papers of George Washington. ↑
12. Aimé Césaire, Discourse on Colonialism, trans. Joan Pinkham (New York: Monthly Review Press, 2000).
13. Thomas Jefferson to John Adams, June 11, 1812, Monticello, in The Papers of Thomas Jefferson.
14. John Quincy Adams, as quoted in Morrison Samuel Elliott, The Oxford History of the American People, 3 vols., vol. 2 (New York: New American Library, 1972). Adams, a northerner and eventual 6th president of the United States was the first to ever serve in the post-founding-father-era (after Washington through Monroe). He continued, however, with the mindset of a Virginia planter elite and forged ahead with imperial institutional governance.
15. James Monroe, "Annual Message to Congress," December 2, 1823. ↑
16. Arthur M. Schlesinger Jr., History of American Presidential Elections, 1789-1968, 4 vols. (New York: Chelsea House McGraw-Hill, 1971). ↑
17. Howard Zinn, A People’s History of the United States (New York: Harper & Row, 1980).
18. Familiar Letters of John Adams and His Wife Abigail Adams During the American Revolution.
19. Razi Canikligil, "New American Expansionism: Trump’s Manifest Destiny," Envoy, Spring 2025.
20. Dictionary of American Politics, ed. Edward Conrad Smith and Arnold John Zurcher (New York: Barnes & Noble, 1955).
21. Dictionary of American Politics, ed., 1955).
22. Trump’s Board of Peace Is Dividing Countries in Europe and the Middle East," Associated Press, January 21, 2026.
23. David Barsamian, Imperial Ambitions: Conversations with Noam Chomsky on the Post-9/11 World (New York: Metropolitan Books, 2005).
ملاحظات المترجم:
- مرسوم الشمال الغربي Northwest Ordinance (1787) هو قانون أصدره كونغرس الولايات المتحدة بموجب وثائق الكونفدرالية، لتنظيم إدارة وتوسّع الأراضي الواقعة شمال غرب نهر أوهايو. وضع هذا المرسوم إطاراً قانونياً لتحويل هذه الأراضي إلى ولايات جديدة ضمن الاتحاد، كما حدد آلية قبولها على قدم المساواة مع الولايات الأصلية. والأهم أنه أرسى مبادئ مبكرة للحكم المدني في هذه المناطق، لكنه في الوقت نفسه أقرّ عملياً عملية توسّع استيطاني أدت إلى إعادة تنظيم الأرض على حساب السكان الأصليين، ما جعله نصاً تأسيسياً في تاريخ التوسع القاري الأميركي.
- أطروحة "المياه الزرقاء" للإمبريالية Blue-Water Thesis هي تفسير تاريخي-سياسي يرى أن الإمبراطورية لا تقوم على التوسع القاري أو السيطرة على الأراضي المجاورة فقط، بل تتأسس أساساً من خلال القوة البحرية والقدرة على بسط النفوذ عبر المحيطات. وفق هذا التصور، تصبح السيطرة على البحار والممرات البحرية، وإنشاء قواعد عسكرية عابرة للقارات، وحماية طرق التجارة العالمية، هي الأدوات الجوهرية لصعود الإمبراطوريات الحديثة. ويُستخدم هذا الإطار عادةً لشرح توسع قوى مثل الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وما بعده، خصوصاً عبر ضم جزر ومناطق بحرية استراتيجية، مثل هاواي وبورتوريكو، باعتبارها نقاط ارتكاز في نظام نفوذ عالمي يعتمد على "المياه المفتوحة" بدلاً من الحدود البرية التقليدية.
- التقرير الأول حول كندا First Report on Canada (1776) هو وثيقة أعدتها لجنة من أعضاء الكونغرس القاري الثاني خلال الأشهر الأولى من حرب الاستقلال الأميركية، لتقييم أسباب فشل الحملة الأميركية الرامية إلى ضم كندا (وخاصة مقاطعة كيبيك) إلى الثورة ضد بريطانيا. خلص التقرير إلى أن السكان الكنديين، وخاصة النخب الدينية والفرنكوفونية، لم يبدوا استعداداً كافياً للانضمام إلى التمرد، وعزا ذلك إلى عوامل سياسية ودينية وعسكرية، من بينها تأثير قانون كيبيك الذي منح الكاثوليك امتيازات ساعدت على ترسيخ ولائهم للتاج البريطاني. ويُعد التقرير من أوائل الوثائق الأميركية التي بلورت رؤية استراتيجية لكندا بوصفها مجالاً حيوياً للأمن والمصالح الأميركية، حتى وإن تعذر إخضاعها في ذلك الوقت.
- مواد الاتحاد Articles of Confederation كانت أول دستور للولايات المتحدة، أقرّه الكونغرس القاري الثاني في العام 1777 ودخل حيز التنفيذ في العام 1781. أنشأت اتحاداً فضفاضاً بين الولايات الثلاث عشرة، ومنحت الحكومة المركزية سلطات محدودة جداً، حيث افتقرت إلى صلاحية فرض الضرائب أو تنظيم التجارة مباشرة، وهو ما كشف عن ضعف النظام وأدى في النهاية إلى استبداله بـ"دستور الولايات المتحدة" الذي دخل حيز التنفيذ في العام 1789.
- القدر المتجلّي Manifest Destiny هو عقيدة سياسية وأيديولوجية أميركية ظهرت في القرن التاسع عشر، تقول إن للولايات المتحدة رسالة وقدراً إلهياً يبرران توسعها غرباً عبر قارة أميركا الشمالية ونشر مؤسساتها وقيمها. واستُخدمت هذه العقيدة لتبرير ضم الأراضي، وتهجير السكان الأصليين، والتوسع على حساب المكسيك وغيرها، وأصبحت أحد الأسس الفكرية للتوسع الأميركي والإمبريالية المبكرة.