عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-May-2026

طهران ومأزق التفاهم المستحيل*د.عامر سبايلة

 الغد

في الوقت الذي تتحرك فيه أطراف إقليمية ودولية للضغط على طهران وتهيئة المناخ للانتقال نحو مفاوضات قد تقود إلى اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو فرص إنجاز هذا الاتفاق محدودة للغاية. فالمعضلة لم تعد مرتبطة فقط بتعقيد الملفات السياسية والأمنية، بل بطبيعة النظام الإيراني نفسه، الذي يرى في أي تفاهم شامل مع واشنطن تهديداً مباشراً للأسس العقائدية والسياسية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية.
 
 
فأي اتفاق حقيقي لن يكون مجرد تسوية تقنية تتعلق بالبرنامج النووي أو العقوبات، بل تحولاً استراتيجياً يفرض إعادة صياغة دور إيران الإقليمي، وإخضاع جزء كبير من سياساتها الأمنية والمالية لرقابة دولية وأميركية. ولهذا، فإن التفاهم مع الولايات المتحدة يُنظر إليه داخل مراكز القوة الإيرانية باعتباره بداية تآكل تدريجي للبنية الفكرية والسياسية للنظام، وليس مجرد تنازل سياسي عابر.
وفي هذا السياق، لا تبدو التحركات الباكستانية والإقليمية الجارية أقرب إلى دبلوماسية تسوية بقدر ما تعكس حالة طوارئ سياسية وأمنية، هدفها نقل رسائل الضغط والتحذير إلى مختلف مراكز القرار داخل إيران، فالمشهد الإيراني لم يعد مركزياً كما كان، بل تحول إلى شبكة معقدة من مراكز النفوذ المتوازية والمتنافسة، إلى درجة أن الوصول إلى موقف موحد بات أزمة بحد ذاته، ما يجعل أي اتفاق محتمل هشاً حتى قبل ولادته.
الأخطر أن التيار الأكثر نفوذاً داخل النظام لا ينظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لإنقاذ إيران، بل بوصفه بداية الانكسار الكبير، فالمشكلة بالنسبة لهذا التيار لا تكمن فقط في حجم التنازلات، بل في اليوم التالي للاتفاق، حين تبدأ الأسئلة الكبرى بالظهور داخل بنية النظام نفسها: كيف يمكن لنظام قام على فكرة “المواجهة الدائمة” أن يعيد تعريف نفسه بعد التسوية؟ وكيف يمكن لخطاب “العداء التاريخي” أن يتحول فجأة إلى صيغة تعايش سياسي؟
هنا تحديداً تكمن المعضلة الحقيقية. فجزء كبير من شرعية النظام بُني على سردية الصراع الطويل مع الولايات المتحدة والغرب، ما يجعل أي تسوية طويلة الأمد أشبه بعملية تفكيك بطيء للأسس العقائدية التي حافظت على تماسك النظام لعقود. ولهذا، فإن بعض دوائر التشدد ترى أن الخطر الحقيقي ليس الحرب، بل السلام نفسه، لأن الحرب تعيد إنتاج خطاب التعبئة، بينما يفرض التفاهم واقعاً جديداً قد لا يستطيع النظام التكيف معه.
وفي المقابل، فإن إيران، مهما حصلت على ضمانات، ستبقى أسيرة الشك العميق تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً في ما يتعلق بإمكانية عودة الحرب أو استئناف عمليات استهداف النظام. فالمؤسسة الإيرانية تدرك أن التحدي الأخطر لم يعد خارجياً فقط، بل داخلي أيضاً، مرتبط بقدرة النظام على إدارة أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة، ومنع تحوّلها إلى حالة استنزاف مزمنة تهدد بنية الدولة نفسها.
أما استراتيجية “التفاوض على المفاوضات” التي تعتمدها طهران حالياً، فقد تتحول تدريجياً إلى عبء عليها أكثر من كونها ورقة قوة. إذ تستند هذه المقاربة إلى التلويح بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، والتمسك باليورانيوم المخصب كورقة ردع وضغط. لكن هاتين الورقتين بدأتا تفقدان فعاليتهما مع تنامي التوافقات الدولية حول حماية الملاحة الدولية، وتصاعد القناعة الغربية بأن بقاء اليورانيوم المخصب داخل إيران يمثل خطوة نحو امتلاك قدرة نووية عسكرية.
وفي هذا الإطار، قد يتحول الملف النووي من ورقة قوة إلى عبء استراتيجي يهدد النظام نفسه، لأنه يمنح خصوم إيران مبررات إضافية لتوسيع الضغوط وربما العودة إلى الخيار العسكري. كما أن استمرار الجمود الحالي لا يعني تجميد الأزمة، بل تعميقها تدريجياً، وتحويل الأزمات الداخلية الإيرانية إلى أزمات بنيوية أكثر استعصاءً على المعالجة مستقبلاً.
وفي المحصلة، تبدو محاولات طهران لاستثمار عامل الوقت أو التصعيد في ملفات الطاقة والملاحة مجرد أدوات تكتيكية قصيرة الأمد، في وقت تعمل فيه الولايات المتحدة وإسرائيل على إبقاء خيار المواجهة قائماً، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن كسر الجمود قد لا يتحقق إلا عبر ضغوط عسكرية وأمنية واسعة تعيد رسم المشهد الإيراني من الداخل، وتفرض واقعاً سياسياً جديداً على المنطقة بأكملها.