الجريدة -
«حزب الصراصير» الذي ظهر في الهند لم يكن حالةً معزولةً عمَّا يحدث في «الفضاء الإلكتروني» العابر للحدود والجغرافيا.
ظاهرة الاحتجاج الرقمي، التي نشهد فصولها الآن، هي نتاج حركات وُلدت من رحم الإنترنت، وعلى يد جيل «Z»، تبدأ بالسخرية، وتتحوَّل إلى الانتقام، وتستقطب جيل الشباب، وتُصبح أداةً للضغط الاجتماعي.
«حزب الصراصير» الذي هز الهند كحركةٍ سياسية استقطب 23 مليون متابع، متفوقاً على كل الأحزاب السياسية، بما فيها الحزب الحاكم. وفي خزائن الأرشيف الرقمي هناك حالات مشابهة تعرَّفنا فيها على جيلٍ مختلف، لكنه نتاج بيئةٍ رقمية واحدة، وإن اختلف في الشكل.
نحن أمام جيلٍ شبابي يمتلك أدوات التأثير، لديه القدرة على التغيير أكثر من التنظيمات والأحزاب السياسية التقليدية، يستخدم لغة الاختزال الرقمي، والاستعمال المُخيف للفظة الإنكليزية «ميم» (MEME).
و«الميم» عبارة عن فكرة أو صورة أو مقطع قصير أو عبارة ساخرة تنتشر بسرعة عبر الإنترنت، ويُعيد الناس تداولها وتعديلها، وغالباً بأسلوبٍ ساخر أو اختزال ذكي.
السلاح السياسي اليوم موجود في وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يلجأ إليه جيل الشباب، وبمهارة عالية، ليصنع التغيير. إنها لغة جديدة يُجيدها جيل الشباب عبر المنصات الإلكترونية، ويتخذها سلاحاً سياسياً يختلف عن جيل الستينيات، ذلك الجيل الذي صنع التغيير عبر المنشورات الورقية.
أدوات الجيل الرقمي باتت معروفة، لكن ما هو غير معروف أن هذه المجاميع الرقمية لم تنجح بعد في التحوُّل إلى كيانٍ ومؤسسة، بل أشبه بموجات الأعاصير والزلازل، تحدث فجأة مثل الطوفان، وسُرعان ما تهدأ.
هناك شريط من الأحداث يوضِّح حجم الظاهرة، وآثارها على صُنَّاع القرار السياسي، منها:
- مسيرة الحركة من أجل حياتنا (2018): بدأت بعد حادثة مدرسة بأميركا، قادها طلبة جامعيون غيَّرت الخطاب السياسي السائد بشأن قوانين الأسلحة.
- حركة أيام الجمعة من أجل المستقبل (2018): أطلقتها ناشطة سويدية، بعد أن حوَّلت قضية تغيُّر المناخ من ملفٍ بيئي نخبوي إلى قضيةٍ سياسية شعبية عالمية.
- حركة تحالف شاي الحليب (2020): بدأت في أربع دولٍ آسيوية حول الشاي بالحليب، ثم صار أكبر احتجاج سياسي.
- الحِراك الطلابي في تشيلي (2019): موجات متتالية انفجرت في أكتوبر من ذاك العام، وتركت آثارها في المسار الدستوري.
استخدام السخرية كسلاحٍ سياسي لجأ إليه عددٌ من المثقفين وأصحاب الرأي، وبقي محدود التأثير، باعتبار أن وسيلة الترويج وقفت عند حدود الكتاب والمقال، وأحياناً التلفزيون، وفي مجالس الأدباء أحياناً أخرى. أما ما نشهده اليوم، فيتخطَّى حدود التوقعات، بسبب الفيضان الرقمي الواسع الانتشار، والأقل تكلفةً، والأكثر تأثيراً.