عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Aug-2026

نتنياهو يستنكر نفسه!*محمد أبو رمان

 الدستور

خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي مندداً بـ»أعمال العنف الإجرامية» التي ارتكبها مستوطنون في قريتي قصرة وجالود، واصفاً من قاموا بها بأنهم «حفنة من مثيري الشغب»، معتبراً أن هذه الأعمال تضر بالمستوطنين «الملتزمين بالقانون»»، وتعرقل عمل الجيش، وتسيء إلى مكانة إسرائيل في العالم. هنا تحديداً تتبدّى المفارقة: ما الذي يستنكره نتنياهو فعلاً، فهل ما يقوم به هؤلاء يتناقض مع سياسات حكومته أم أنه يصب، في نهاية اليوم، في الاتجاه نفسه ويخدم المشروع ذاته، وإن اختلفت الأدوات والأساليب؟!
 
المشكلة أن ما يحدث في الضفة الغربية لم يبدأ خلال الأيام الماضية، ولا مع الاعتداءات الأخيرة، بل أصبح منذ أعوام مساراً عاماً للسياسات الإسرائيلية، وقد تسارع بصورة كبيرة مع الحكومة الحالية وحرب غزة؛ فالأمم المتحدة تتحدث عن مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين، وعن أكثر من 1430 اعتداء خلال العام الحالي طالت نحو 260 تجمعاً فلسطينياً، فيما نزح قرابة 3800 فلسطيني خلال 2026 بسبب عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء، وهي مؤشرات على تحول أعمق يجري على الأرض.
 
عنف المستوطنين، بخاصة ما يحدث مؤخراً من أعمال ترهيب وعدوان ضد الفلسطينيين، ليس سوى وجه واحد من الصورة الأكبر؛ فهنالك ما يقارب ألف حاجز وعائق وبوابة وإغلاق عسكري تقطع أوصال الضفة، تحول الحياة اليومية للفلسطينيين إلى معركة مستمرة مع الجغرافيا والزمن والتصاريح والحواجز، فيما تغير المشهد في شمال الضفة بصورة أكثر قسوة خلال الفترة الماضية، مع تهجير عشرات الآلاف من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وعمليات الهدم والتجريف وإعادة تشكيل معالم هذه المناطق.
 
أما مشروع E1 فيأخذنا إلى المستوى السياسي والاستراتيجي من المسألة؛ إذ إن المضي فيه يعني عملياً قطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها وفصل القدس الشرقية عنها، بما يجعل الحديث عن دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أقرب إلى تصور نظري يتناقض يوماً بعد آخر مع الحقائق التي تفرضها إسرائيل على الأرض.
 
إذا أضفنا إلى ذلك نقل صلاحيات واسعة إلى «الإدارة المدنية» إلى دائرة بتسلئيل سموتريتش، الذي لا يخفي أصلاً أن هدفه هو منع قيام دولة فلسطينية، وإطلاق يد إيتمار بن غفير، والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى ومحاولات تغيير قواعد الوضع القائم فيه، والتوسع الاستيطاني والتشريعات والسياسات التي تذهب جميعها في الاتجاه نفسه، فإننا نكون أمام مسار متكامل هدفه حسم مستقبل الضفة الغربية على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية محتملة.
 
الطريف في حديث نتنياهو عن «حفنة من المشاغبين»، وكأن المستوطنين يعملون في فراغ سياسي، أو يتحركون في اتجاه معاكس للحكومة والدولة؛ فما يقومون به، مهما بدا فوضوياً وعنيفاً، يلتقي في النتيجة مع مشروع سياسي واضح يقوم على دفع الفلسطينيين بعيداً عن أراضيهم!
 
إذن ما يثير الاستغراب حقاً، ويعدّ «تغميساً خارج الصحن» (في هذا المشهد الإسرائيلي العام) هو استنكار نتنياهو نفسه؟!
 
الجواب في عبارته نفسها، عندما قال إن هذه الاعتداءات «تضر بمكانة إسرائيل في العالم»؛ فهذه الجملة تكشف عن جوهر المشكلة، من وجهة نظره، فمشكلته هي ليست مع الاعتداء على الفلسطينيين ولا مع هذه السياسات والسلوكيات عموماً، بل في تحول هذه الممارسات إلى مشاهد فوضوية مكشوفة تلتقطها كاميرات الصحافة العالمية، كما حدث عندما تعرض فريق من شبكة NBC الأميركية نفسه لاعتداء المستوطنين، في لحظة أصبحت فيها صورة إسرائيل عالمياً أكثر ارتباطاً بحرب غزة والاستيطان وعنف المستوطنين.
 
من هنا فإنّ استنكار نتنياهو رسالة مزدوجة؛ إلى الخارج للقول إن الحكومة الإسرائيلية لا تتبنى هذه الممارسات ولا توافق عليها، بالرغم من أن سياساتها على الأرض تمضي في الاتجاه نفسه، وإلى الداخل بأن المطلوب ليس تغيير المسار إنما إدارته بصورة أكثر ذكاء وتنظيماً، بما لا يصب مزيداً من الزيت على نار الأزمة المتفاقمة في صورة إسرائيل ومكانتها عالمياً.
 
المشكلة في الضفة الغربية لم تعد منذ زمن في مجموعة من المستوطنين المتطرفين خرجوا عن سيطرة الدولة، بل في مشروع سياسي تتداخل فيه الحكومة والاستيطان والأمن والتشريعات والإدارة المدنية لإعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا، وعندما يصل نتنياهو إلى استنكار النتائج الطبيعية لهذا المشروع، الذي شكلت حكومته الحالية أحد أهم محركاته، فإن المفارقة تصبح واضحة: أنه، ببساطة، يستنكر نفسه!