"وادي السير.. السيرة الشركسية".. إصدار جديد يوثق الذاكرة والمكان
الغد-عزيزة علي
صدر عن دار الآن ناشرون، وبدعم من وزارة الثقافة، كتاب "وادي السير.. السيرة الشركسية (1880–1980)"، للباحث محمد خير عيسى رجب يشفنج، في عمل توثيقي يستعيد ذاكرة أحد المجتمعات التي ساهمت في بناء الدولة الأردنية الحديثة، ويضيء جوانب من تاريخ شراكسة وادي السير وحضورهم في المكان عبر قرن من الزمن.
الكتاب لا يقتصر على رصد أحداث تاريخية أو سرد وقائع متتابعة، بل يقدم قراءة شاملة لمسيرة مجتمع ساهم في تأسيس وادي السير وتطورها منذ استقرار الشراكسة فيها العام 1880، مستندًا إلى الروايات الشفوية، والوثائق، والصور التاريخية، وذاكرة المعمرين، بما يجعل منه مرجعًا يوثق تحولات المكان والإنسان على امتداد مائة عام.
يستند المؤلف إلى حصيلة عقود من البحث الميداني والمقابلات مع معمري وادي السير ورواة تاريخها، ليقدم عملًا يوثق نشأة المدينة وتحولاتها، ويستعيد ملامح الحياة اليومية، والعمران، والزراعة، والتجارة، والعادات والتقاليد، في إطار يربط التجربة الشركسية بتاريخ الأردن الحديث وتحولاته الاجتماعية والاقتصادية، مؤكدًا أهمية حفظ الذاكرة الجماعية ونقلها إلى الأجيال القادمة.
في كلمتها على غلاف الكتاب، قالت المؤرخة الدكتورة هند أبو الشعر: "إنها عندما اطلعت على مخطوطته، ظنت أنها تقرأ مسودة أطروحة دكتوراه، لما اتسمت به من اكتمال منهجي وتوازن في تناول المكان والزمان". وأشارت إلى أن الكتاب يوثق السيرة الشركسية في وادي السير خلال الفترة الممتدة بين العامين 1880 و1980، معتمداً على مصادر ومراجع موثقة، إلى جانب استعادة تاريخ المنطقة من الذاكرة الجمعية ومختلف المصادر التي أحسن المؤلف توظيفها.
وترى أبو الشعر أن هذا العمل يشكل مرجعاً مهماً للروائيين المهتمين بالمكان والشخصيات في بدايات الهجرة الشركسية، إذ نجح المؤلف في استحضار ملامح وادي السير بتفاصيلها الدقيقة، من الجغرافيا والمصادر المائية، كالينابيع والبرك الرومانية، إلى المرافق التاريخية، بما فيها الخرب والطواحين والجوامع والدكاكين، فضلاً عن المرافق الإدارية والأمنية والثقافية.
وأضافت أبو الشعر أن من أبرز ما استوقفها في الكتاب الدراسة المتعمقة للحياة الاقتصادية والاجتماعية، بما تناولته من موضوعات ملكية الأرض والزراعة، والعربات الشركسية، ووسائل النقل، والحركة التجارية بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين. وأشارت إلى أن المادة المتعلقة بالحياة الاجتماعية جاءت نابضة بالحياة، أشبه بفيلم وثائقي يوثق الذكريات بعدسة تلتقط التفاصيل وتستعرض الطقوس بجمال وثراء، وقد عزز المؤلف ذلك بمجموعة مختارة من الصور التاريخية.
وخلصت، إلى أن قراءة هذه السيرة الشركسية لوادي السير كانت تجربة ممتعة، وأضافت أنها أدركت سبب تمني شاعر الأردن مصطفى وهبي التل أن يكون الوقوف في وادي السير إجبارياً. واختتمت بتوجيه التحية والتقدير للمؤلف، الذي وظف ذاكرته الغنية ومعرفته الواسعة بمصادر المرحلة المدروسة لتقديم دراسة رصينة، وافية، ومتكاملة المحاور.
وكتب رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة آل البيت، الدكتور نارت محمد خير قاخون، تقديماً للكتاب بعنوان "وادي السير وحراس الذاكرة الشركسية"، أكد فيه أن القارئ لن يجد مجرد سرد لتاريخ الشراكسة وأحداثهم، بل سجلًا متكاملًا يوثق حضورهم في وادي السير، ويرصد تفاعلهم مع المكان والإنسان عبر رحلة امتزجت فيها الروح والقلب والعقل بالجغرافيا، بكل تفاصيلها من حجر وتراب وشجر ومياه شكّلت مصدر الحياة لأهل المنطقة.
ويرى قاخون أن الكتاب يصحب القارئ في رحلة عبر تضاريس وادي السير، حيث تتجلى سيرة الشراكسة في كل منعطف، بدءًا من الكهوف التي كانت مأواهم الأول، مرورًا بحواف السيل وسفوح الجبال وأودية المنطقة، وصولًا إلى مسارات الصعود والاستقرار.
وأضاف أن الكتاب يجعل القارئ شريكًا في بناء المكان، وكأنه يحمل حجارة البناء مع الأجداد لتشييد بيوت تحفظ بين جدرانها آلاف الحكايات، المعروف منها والمجهول. كما يأخذه في جولة بين طرقات وادي السير، ليستمع إلى وقع أقدام المارة، وصدى الرقصات، ويرى الأرض وهي تستعيد نبضها مع البدايات الأولى لزراعة الشراكسة واستقرارهم فيها.
وأكد قاخون أن القارئ سيطالع في هذا الكتاب حكايات النبل الشركسي، وصورًا من الأنوثة والأمومة كما نسجتها المرأة الشركسية، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية التي تعكس منظومة القيم والعادات الراسخة في المجتمع الشركسي.
وأضاف أن الكتاب يرافق القارئ في أجواء وادي السير، من مساجدها التي ارتبطت بالعبادة والسكينة، إلى مقابر الأوائل التي ما تزال تحفظ سيرتهم وذكراهم، بما يعكس عمق العلاقة بين الإنسان والمكان، ويجسد احترام الشراكسة للموت بوصفه جزءًا أصيلًا من دورة الحياة، وركيزة للذاكرة الجماعية.
كما يرسم الكتاب مشاهد نابضة بالحياة، يستحضر فيها تفاصيل المائدة الشركسية، وأصوات الطواحين وهي تطحن القمح، ورائحة الخبز التي ارتبطت بذاكرة المكان، في لوحة تستعيد ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية في وادي السير.
وأشار قاخون إلى أن المؤلف، محمد خير يشفنج، لم يعتمد على ذاكرته الشخصية فحسب، بل استند إلى شهادات عدد كبير من الرواة والمعاصرين، فغدا كتابه حصيلة لذاكرة جماعية توثّق تجربة الشراكسة في وادي السير، وتمنح أبناءها مساحة يجدون فيها أصواتهم وتاريخهم المشترك.
ويشير قاخون، إلى أن صدور الكتاب يتزامن مع مرور نحو (145) عامًا على بدايات استقرار الشراكسة في وادي السير، ليشكل مرجعًا يوثق سيرة الإنسان والمكان والزمان، ويرصد تحولات المجتمع، وعاداته، وأفراحه، ومسيرة تطوره عبر الأجيال.
ويرى قاخون، أن هذا الكتاب يدعو كل قارئ إلى أن يكون جزءًا من حكايته، وأن يمتد أثره إلى أبحاث ودراسات جديدة، بما يوفره من مادة ثرية للباحثين في التاريخ، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، ودراسات العادات والآداب والفنون، ليكون منطلقًا لتعميق البحث وتوسيع آفاقه.
وخلص، إلى أن كتاب "وادي السير.. السيرة الشركسية" عمل يوثق الزمن ويحفظه من النسيان، مستندًا إلى ذاكرة حية وتوثيق رصين، ليغدو هدية من الماضي إلى الأجيال القادمة، وشاهدًا على جانب مهم من التاريخ الشركسي الأردني. ويؤكد أن الكتاب يمثل إضافة نوعية لتوثيق تاريخ الأردن الحديث، بما يرصده من تحولات اجتماعية واقتصادية، ويقدم صورة مكثفة لمسيرة الإنسان والمكان عبر أكثر من قرن من الزمن.
وقال مؤلف الكتاب، في مقدمته: "إنه لم يتوقع أن تبقى المادة التي جمعها منذ ثمانينيات القرن الماضي، عبر مقابلات شخصية أجراها مع عدد من معمري شراكسة وادي السير ورواة تاريخها، حبيسة الأدراج لعقود، قبل أن ترى النور في هذا الكتاب الذي أراد له أن يوثق نشأة وادي السير وبناءها على أيدي الشراكسة الذين استقروا فيها ابتداءً من العام 1880".
وأشار إلى أن هؤلاء كانوا من بين مئات الآلاف من أبناء الشعب الشركسي الذين هجّرتهم روسيا القيصرية قسرًا من موطنهم في القفقاس عقب حرب طويلة، انتهت العام 1864، وأسفرت عن مقتل وتهجير أعداد كبيرة منهم إلى مناطق متعددة من الدولة العثمانية وبلدان أخرى، في إحدى أكثر محطات التاريخ الشركسي قسوة.
وأوضح المؤلف أن تأخر إنجاز الكتاب يعود إلى انشغالات الحياة ومتطلباتها، وليس إلى فتور في الرغبة أو ضعف في العزيمة، مؤكدًا أنه ظل على الدوام منشغلًا بقضايا مجتمعه الشركسي، وساعيًا إلى حفظ ذاكرته وتوثيقها.
وأضاف أنه بعد سنوات طويلة من جمع المادة التاريخية، وجد أن الوقت قد حان لإنجاز هذا المشروع، فعمل على إعداد كتاب يغطي الفترة الممتدة بين العامين 1880 و1980، مع تجاوزات زمنية محدودة اقتضتها طبيعة التوثيق، معربًا عن أمله في أن يكون وفّق في تقديم عمل يليق بتاريخ وادي السير وشراكستها، ومعتذرًا سلفًا عن أي هفوة قد تكون وردت في ثناياه.
وخلص المؤلف، إلى أن اختياره عنوان الكتاب جاء ليعكس طبيعة الحياة القاسية التي عاشها الشراكسة في المنافي، ومن بينهم شراكسة وادي السير، وما خاضوه من رحلة شاقة من أجل الاستقرار، وإثبات الذات، وبناء حياة جديدة في وطنهم الثاني.