عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Sep-2026

كتاب جديد يوثق "كويكات الفلسطينية" ويستعيد ذاكرة أهلها

 الغد-عزيزة علي

يستعيد كتاب "أيام التشريق: كويكات.. القرية التي تسكن الذاكرة قبل سنة 1948"، للدكتور محمد علي غضبان، الصادر عن دار الحديث للإعلام والطباعة والنشر في فلسطين، تفاصيل الحياة في قرية كويكات الفلسطينية قبل النكبة، ويوثق تاريخها الاجتماعي والثقافي والجغرافي، في محاولة لحفظ ذاكرة المكان وأهله من النسيان.
 
 
الكتاب لا يكتفي بتوثيق القرية بوصفها مكاناً غاب عن الجغرافيا بعد عام 1948، بل يستعيد تفاصيل الحياة اليومية لسكانها، من أسماء العائلات والأراضي والبيوت والدكاكين والمهن، إلى العادات والأمثال والأغاني والأعراس والحكايات الشعبية، مستنداً إلى الذاكرة العائلية والشهادات والتفاصيل التي تناقلتها أجيال أبناء كويكات.
يتوقف المؤلف عند محطات بارزة من تاريخ القرية، من موقعها وعلاقتها بالطرق التجارية، إلى مشاركتها في مقاومة الانتداب البريطاني وثورة عام 1936، وما تعرض له أهلها من تهجير وهدم لبيوتها بعد النكبة. كما يوثق محاولات أبنائها إعادة رسم ملامح القرية وحفظ أسمائها وتفاصيلها، من خلال الخرائط والمجسمات والروايات الشفوية.
يجمع الكتاب بين التوثيق التاريخي والسرد الشفهي، مستعيداً أصوات أبناء كويكات وتفاصيل حياتهم قبل النكبة وبعدها، ليقدم صورة عن قرية فلسطينية تحولت، بفعل التهجير، من مكان مأهول إلى ذاكرة يحملها أبناؤها ويواصلون نقلها إلى الأجيال.
كتب مقدمة الكتاب عضو الأمانة العامة لاتحاد الكتّاب الفلسطينيين "الكرمل"، عمر رزوق الشامي، من قرية أبو سنان، مشيراً إلى أن الكتاب ليس مجرد دراسة للتاريخ الجغرافي والاجتماعي لقرية كويكات، بل يمثل وثيقة وفاء وشهادة انتماء، يستعيد من خلالها أحد أبنائها تفاصيل القرية كما عاشها الآباء والأجداد.
ويتناول الكتاب محطات من تاريخ كويكات ونضال أهلها، بدءاً من شاعرها أحمد عزيز، صاحب قصيدة "الجفرا"، مروراً بمقاومة أهلها من الرجال والنساء للانتداب، وصولاً إلى جهود أبنائها في الحفاظ على آثار القرية وذاكرتها بعد التهجير.
ويرى الشامي أن الكتاب يتجاوز توثيق الحياة في كويكات قبل النكبة، ليعيد القرية من الغياب إلى الذاكرة، من خلال استحضار أسماء العائلات والأراضي والعين والمدرسة والدكاكين والمهن والأعراس والأغاني والأمثال والألقاب والأطعمة والحكايات الشعبية.
ويقدم الكتاب كويكات بوصفها مكاناً حياً، لا مجرد اسم في سجل النكبة، إذ يستعيد تفاصيل الحياة اليومية لأهلها وعلاقاتهم وموروثهم الشعبي. وتبلغ هذه الاستعادة ذروتها في القسم الأخير، الذي ينتقل من ذاكرة المكان إلى تجربة الاقتلاع والتهجير، وصولاً إلى محاولة الراحل الحاج علي الغضبان إعادة رسم كويكات ببيوتها وطرقاتها وأراضيها وأسماء أصحابها، في محاولة لتحويل الرسم إلى فعل مقاومة للنسيان وحفظ الذاكرة.
ويشير الشامي إلى أن بعض القرى لا تنتهي بهدم بيوتها، ولا تغيب برحيل أهلها، بل تتحول إلى ذاكرة تحملها الحكايات، فتغدو وطناً آخر لا تطاله يد الهدم. ومن هنا تأتي أهمية كتاب "أيام التشريق"، للدكتور محمد علي غضبان، الذي لا يتناول كويكات بوصفها قرية فلسطينية فحسب، ولا يسجل تاريخ مكان اندثر بعد عام 1948، بل يسعى إلى استعادة زمن كامل من النسيان، وإعادة بناء قرية غابت عن الجغرافيا وبقيت حاضرة في الوجدان.
ويستعيد الكتاب تفاصيل الحياة اليومية في كويكات، من البيوت والطرقات والأراضي إلى أهلها الذين زرعوا أرضها وقطفوا الزيتون والتين والعنب، وشربوا من عينها، وتعلم أبناؤهم في مدرستها، وأقيمت في ساحاتها الأفراح والدبكات، وصدحت في أعراسها الأغاني والزغاريد. كما يوثق دكاكينها وحرفييها وألقاب أهلها وأمثالهم وطرائفهم وعاداتهم، وما تناقلته الأجيال من ذاكرتها الشعبية.
ومن أبرز ما يميز الكتاب، بحسب الشامي، أن مؤلفه لم يتناول كويكات من خارجها، بل عاد إليها من خلال ذاكرته وذاكرة والده الراحل الحاج علي غضبان ووالدته الراحلة الحاجة آمنة مصطفى شحادة غضبان. لذلك تتجاور في صفحاته المعلومة التاريخية مع الحكاية الشعبية، وتلتقي أسماء الأراضي بأسماء أصحابها، ويقترب القارئ من أهل القرية في أفراحهم وأحزانهم، فيسمع أصواتهم ولهجتهم ويستعيد طرائفهم، قبل أن ينتقل إلى اللحظة التي انكسر فيها كل شيء، وبدأت رحلة الاقتلاع والتهجير.
ولذلك يصبح عنوان الكتاب "أيام التشريق"، أكثر من مجرد عنوان؛ فهو مفتاح لقراءة العمل، إذ أراد المؤلف من خلاله أن يجعل الاسم رمزاً للحفظ، كما أراد أن يحفظ ما أمكن من حكايات أهل كويكات، حتى لا يكون التهجير اقتلاعاً للأجساد وحدها، ولا هدم البيوت محواً للذاكرة.
ويرى الشامي أن أخطر ما يواجه القرى المهجّرة ليس هدم الحجر، بل أن يأتي يوم لا يبقى فيه من يقول: هنا كان بيت فلان، وهنا عين القرية، وهنا البيادر، وهنا التين والزيتون، وهنا كنا نغني ونفرح ونحلم.
ومن هنا تبرز أهمية الخريطة التي رسمها الحاج علي غضبان لكويكات، واستكملها ببيوتها وطرقاتها وأراضيها وأسماء أصحابها، بوصفها أكثر من عمل توثيقي؛ فهي فعل وفاء وحفظ للذاكرة. وفي تأكيده أن وراء الجدران والبيوت قصصاً وحكايات لا ينبغي أن تموت مع رحيل جيله، يضع أمام الأجيال مسؤولية الحفاظ على الذاكرة ونقلها، لأن ما لا يُروى قد يضيع إلى الأبد.
ويرى الشامي أن عام 1948 اقتلع أهل كويكات من بيوتهم، لكنه لم يستطع اقتلاع القرية من ذاكرتهم؛ فقد بقيت في الحكاية والأغنية، وفي أسماء الأرض واللهجة والأمثال وصور الآباء والأجداد، وفي وجدان كل من حمل منها شيئاً ومضى.
ويرى الشامي أن كتاب "أيام التشريق"، يعد واحداً من تلك الأشياء التي تحملها الأجيال، بوصفه شهادة على القرية، ووفاءً لأهلها، وحفظاً لذاكرتها، ومقاومة للنسيان. فالقارئ لا يدخل كويكات بوصفها قرية من الماضي فحسب، بل يكتشف مكاناً لا يزال حياً في الذاكرة، بتفاصيله وأصواته وروائحه وأفراحه وبيوته.
وخلص الشامي إلى أن الأوطان التي تُنتزع من الأرض قد تسكن في الكتب، والبيوت التي تهدم قد تبقى قائمة في الذاكرة، والقرى التي يُراد لها أن تُنسى يكفي أحياناً أن يكتب أحد أبنائها حكايتها لتظل حاضرة في الوجدان.
وفي تمهيد بعنوان "حكايا أهل كويكات"، يشير المؤلف الدكتور محمد علي غضبان إلى أن قرية كويكات تقع شمال شرق مدينة عكا، عند نقطة التقاء السهل بهضاب الجليل الغربي. ويقول: إن أهل كويكات أحبوا التحدي ورفضوا أن تكون قريتهم مجرد قرية فلسطينية عادية، فبرز شاعرها أحمد عزيز، الذي ابتكر لوناً جديداً من الشعر الشعبي تغزلاً بمطلقته "جفرا"، ومن أشهر أبياته:
"جفرا ويا هالربع.. بين البساتين.. تدعس على قبري.. يطلع ميرامية".
وسرعان ما انتشر هذا اللون الغنائي في أنحاء فلسطين، وأصبحت "جفرا"، أحد أبرز ألوان الأغنية الشعبية الفلسطينية. ويرى المؤلف أن ذلك يبرر اعتبار كويكات "عاصمة فلسطين الثقافية"، في سياق حديثه عن دورها في هذا الموروث الشعبي.
ويضيف غضبان أن كويكات واجهت، بعد النكبة وتهجير أهلها وهدم بيوتها، تحدياً ثانياً تمثل في خطر النسيان. وفي مواجهة ذلك، قام والده الراحل الحاج علي غضبان برسم خريطة للقرية، تضمنت بيوتها وأسماء أصحابها وقطع الأراضي التابعة لها، فيما أنجز ابن عمه، فني الأسنان رمزي إبراهيم غضبان، مجسماً للقرية يجسد بيوتها وأزقتها وبيادرها وساحاتها.
ويرى المؤلف أن هذه الجهود أعادت كويكات إلى الحياة، لكنها بقيت بحاجة إلى من يبعث فيها روحها ويستعيد تفاصيل الحياة التي كانت تضج بها قبل التهجير. ومن هنا يأتي "التحدي الثالث"، الذي يتناوله الكتاب، من خلال سرد حكايات أهل كويكات قبل النكبة وبعدها، ورواية قصة جيل رفض التهجير والنسيان، وظل متمسكاً بأرض الوطن، ونقل ذاكرته إلى الأجيال اللاحقة.
ويقول غضبان إنه تردد طويلاً في اختيار عنوان الكتاب، واقترح عليه البعض اسم "التغريبة"، لكنه آثر عنوان "أيام التشريق"، لسببين؛ أولهما أن أهالي كويكات هُجّروا في اتجاهي الشمال والشرق، وليس الغرب، وثانيهما ارتباطه بعبارة كانت جدته الراحلة ترددها: "ما في إشي بيجي من الغرب بسر القلب".
ويضيف غضبان أن وجهة أهله في التهجير الأول كانت شرقاً، إلى قرية أبو سنان، وأن أسماء أيام عيد الأضحى لفتت انتباهه؛ فاليوم الأول هو يوم النحر، فيما تُعرف الأيام الثلاثة التالية بأيام التشريق، حيث كانت لحوم الأضاحي تُنشر لتجفيفها وحفظها. ومن هذا المعنى استلهم عنوان الكتاب، باعتبار التهجير، في رؤيته، اقتلاعاً للشعب ومحاولة لمحو صلته بقراه ومدنه، في مقابل مسؤولية الحفاظ على الهوية والتاريخ وحكايات الأجداد.
يختتم المؤلف بإهداء العمل تخليداً لذكرى أبناء كويكات، مستحضراً قول الشاعر الراحل سميح القاسم، مع الاعتذار منه: "وهو يهز الجيل القادم تذكرت فتذكر".