الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ديفيد برايس - (كاونتربنش) 2026/6/26 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
يبدو النظر إلى أكثر عمليات وكالة المخابرات المركزية عنفًا -مثل الانقلابات العسكرية، والعمليات شبه العسكرية، والاغتيالات، والتعذيب، وعمليات الاختطاف- باعتبارها منفصلة عن عمليات القوة الناعمة التي دعمتها الوكالة، بديهيًا للوهلة الأولى. لكنّ جميع هذه الأنشطة كانت في الواقع أجزاءً من الآلة نفسها التي عملت على تقويض حق المجتمعات المحلية في تقرير مصيرها، وتعزيز الهيمنة الإمبريالية.
***
يتعلق أحد الأسئلة المحورية التي توجه عملي الأخير حول الاستخبارات، وإنتاج المعرفة، وسلطة الدولة، بالمصالح والعلاقات غير المعلنة التي تربط الجهات الممولة للبحوث.
وقد نشأت معظم الأسئلة التي أتابعها من محاولتي فهم دلالات ما خلصت إليه "لجنة تشيرش" التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي في منتصف سبعينيات القرن العشرين (التي سميت بهذا الاسم لأنها كانت برئاسة السيناتور فرانك تشيرش)، حين وجدت أن التمويل السري الذي قدمته "وكالة المخابرات المركزية الأميركية" للبحث الأكاديمي الأميركي في الشؤون الدولية كان "ضخمًا".
وقد أثبتت اللجنة أن نحو نصف المنح المخصصة للبحوث الدولية خلال ستينيات القرن العشرين -باستثناء المنح التي قدمتها "مؤسسة كارنيغي" و"مؤسسة فورد" و"مؤسسة روكفلر" التي خلص التقرير إلى أن لها هي الأخرى صلات بوكالة المخابرات المركزية- كانت ممولة سرًا من الوكالة أو خاضعة لتأثيرها. وقد دفعني هذا الاكتشاف إلى البحث عن وثائق يمكن أن تثبت الكيفية التي كان يعمل بها هذا النظام.
ويمكن النظر إلى جانب من عملي باعتباره مشروعًا للذاكرة. فأنا أستخدم الأرشيفات، والوثائق التي كانت سرية في السابق، والروايات الشفوية، والأعمال المنشورة للتأمل في الكيفية التي أسهمت بها المصالح التي لا تُذكَر دائمًا للمجمع العسكري–الصناعي الأميركي في تشكيل تطور علم الأنثروبولوجيا وغيره من مجالات البحث الفكري خلال الحرب الباردة.
وعندما كنت أقرأ تاريخ الأنثروبولوجيا كطالب دراسات عليا، لفتت انتباهي هذه الثغرة الواضحة إلى حد بعيد. ويمكن النظر إلى هذا العمل أيضًا بوصفه تحليلًا ماديًا أساسيًا لبعض الطرق التي تسهم بها البنية التحتية للمجتمع في تشكيل بنيته الفوقية، بطريقة لا يتوقف عندها أفراد ذلك المجتمع دائمًا لدى التأمل في هذه البنية.
البنية التحتية السرية للمعرفة الأكاديمية
كانت أصول كتابي الأخير، "خدع الحرب الباردة: ’مؤسسة آسيا‘ ووكالة المخابرات المركزية" Cold War Deceptions: The Asia Foundation and the CIA، عرَضية إلى حد ما. وقد توقفت منذ زمن بعيد عن التقدم إلى المؤسسات بطلبات للحصول على معظم المنح أو الزمالات، بعدما أدركت أن فرص حصولي على تمويل تقليدي لدراسة سياسات تمويل البحوث كانت ضئيلة.
وقد تلقيت على مدى سنوات عديدة دعوات لإلقاء محاضرات في جامعات داخل الولايات المتحدة وخارجها أكثر مما كنت أستطيع تلبيته، ولكن عندما كانت تأتيني دعوة من جامعة تضم مواد أرشيفية كنت أرغب في استكشافها، كنت أضيفُ عدة أيام إلى رحلتي للاطلاع على تلك المواد.
وهكذا، عندما دُعيت لإلقاء محاضرة عامة في جامعة ييل في العام 2013، طلبتُ من الجامعة، بدلًا من منحي مكافأة مالية، أن تضيف عدة أيام أخرى إلى مدة الإقامة في الفندق التي كانت توفرها لي. ومن بين المجموعات الأرشيفية التي اطلعت عليها، كانت أوراق روبرت بلوم، رئيس "مؤسسة آسيا" خلال الفترة التي بلغت فيها المؤسسة ذروة انخراطها مع وكالة المخابرات المركزية. وكنت أعرف الحقائق الأساسية بشأن صلات المؤسسة بالوكالة، والتي انتهت بعد أن كشفَت عنها صحيفة "نيويورك تايمز" في العام 1967. كما أنني كنت قد اطلعت، قبل ذلك بسنوات، على وثائق محفوظة في "الأرشيف الوطني للأنثروبولوجيا" التابع لـ"مؤسسة سميثسونيان"، وتتعلق بتلقي "الجمعية الأميركية للأنثروبولوجيا" أموالًا من "مؤسسة آسيا"، وبرد فعل الجمعية بعد انكشاف صلات المؤسسة بوكالة المخابرات المركزية.
وفي جامعة ييل، عثرتُ على مجموعة صغيرة -لكنها استثنائية- من الأوراق، تضمنت كنزًا من التقارير السرية لمجلس الإدارة، والتي كانت تُقرأ كما لو أنها إحاطات استخباراتية صادرة عن وكالة المخابرات المركزية.
وفي وقت لاحق، قمت برحلة ثانية إلى جامعة ييل ونسخت مزيدًا من المواد. وعلى الرغم من معرفتي الواسعة بعمليات وكالة المخابرات المركزية خلال تلك الفترة، فإنني لست متخصصًا في الدراسات الآسيوية، وكان يقلقني أن يحدّ افتقاري إلى المعرفة التاريخية الخاصة بالمنطقة من إجراء نوع التحليل الذي أستطيع تقديمه -ببساطة لأن كثيرًا من الأسماء المحلية والسياقات التاريخية لم تكن مألوفة بالنسبة لي.
ولذلك، فكرت في البداية في تنظيم مؤتمر أدعو إليه نحو اثني عشر متخصصًا في شؤون المنطقة، بحيث أوزع عليهم التقارير الخاصة بكل منطقة، ويقدمون سلسلة من الأوراق البحثية التي تحلل ما الذي كسبته وكالة المخابرات المركزية -أو ما الذي كانت تأمل في كسبه- من خلال أنشطة هذه المؤسسة.
لكنني خلصت، بعد إجراء بعض الاتصالات مع جهات تمويل محتملة، إلى أن هذا الخيار غير قابل للتنفيذ. وبعد بضع سنوات، علمت أن "مؤسسة آسيا" كانت قد أودعت مجموعة ضخمة من أوراقها في "معهد هوفر" بجامعة ستانفورد. وحصلت على تمويل بحثي من هوفر، حيث وجدت مئات الأقدام الطولية من المواد الأرشيفية، وقررت أن الأمر يستحق بذل الجهد لتحويلها إلى كتاب. ومن نواحٍ كثيرة، كان هذا كتابًا تمنيت لو أن شخصًا آخر هو الذي يكتبه. لكنه كان، على الرغم من أن الأمر استغرق مني بعض الوقت حتى أحيط بموضوعه وألم به إلمامًا كافيًا، مشروعًا مثمرًا ومجزيًا حقًا.
القوة الناعمة، العمل الخيري، واستراتيجية الحرب الباردة
تستحق العلاقة بين العمل التنموي، والعمل الخيري، واستراتيجيات الاستخبارات في سياق الحرب الباردة دراسة متأنية. منذ زمن طويل، كان ثمة باب دوّار للتنقل الإداري بين المناصب الحكومية في وزارة الخارجية الأميركية، أو المناصب المرتبطة بالاستخبارات، وبين المؤسسات العامة والخاصة القوية المانحة لتمويل البحوث. وعلى امتداد القرنين العشرين والحادي والعشرين، كثيرًا ما توافقت مصادر التمويل الحكومية والخاصة في الولايات المتحدة مع الأهداف غير المتوازنة لمشروعات التنمية.
وقد أوضحَت كيفية عمل هذا النظام بجلاء كتب أكاديمية مهمة، مثل كتاب إندرغيت بارمار "مؤسسات القرن الأميركي: دور مؤسسات فورد وكارنيغي وروكفلر في صعود القوة الأميركية" Foundations of the American Century: The Ford, Carnegie, and Rockefeller Foundations in the Rise of American Powe؛ أو كتاب جيرارد كولبي وشارلوت دينيت "لتكن مشيئتك: إخضاع الأمازون- نلسون روكفلر والتبشير في عصر النفط" Thy Will Be Done: The Conquest of the Amazon: Nelson Rockefeller and Evangelism in the Age of Oil.
وخلال الحرب الباردة، كان ذلك يعني في كثير من الأحيان دعم أنظمة بعينها، مع إنشاء أنماط من المديونية غذّت علاقات التبعية التي كتب عنها أندريه غوندر فرانك، أو التي وصفها جون بيركنز في كتابه "اعترافات قاتل اقتصادي" Confessions of an Economic Hit Man، أو التي وثقها برادلي سيمبسون في كتاب "اقتصاديون يحملون البنادق" Economists with Guns.
يستكشف بحثي دور "القوة الناعمة" بوصفها وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية في آسيا. ومن بين الأفكار التي أحاول تطويرها في كتاب "خدع الحرب الباردة" أن النظر إلى أكثر عمليات وكالة المخابرات المركزية عنفًا -مثل الانقلابات العسكرية، والعمليات شبه العسكرية، والاغتيالات، والتعذيب، وعمليات الاختطاف- باعتبارها منفصلة عن عمليات القوة الناعمة التي دعمتها الوكالة، يبدو أمرًا بديهيًا للوهلة الأولى.
لكنّ جميع هذه الأنشطة كانت في الواقع أجزاءً من الآلة نفسها التي عملت على تقويض حق المجتمعات المحلية في تقرير مصيرها، وتعزيز الهيمنة الإمبريالية. وفي حين ينظر كثير من علماء الاجتماع الأميركيين العاملين في برامج القوة الناعمة إلى هذا العمل بوصفه غير ذي صلة بتلك العمليات الأكثر قتامة -أو ربما باعتباره نقيضًا لها- فإن التاريخ يُظهر أن كليهما كان، في أحيان كثيرة، ذراعين للجهد نفسه الرامي إلى فرض السيطرة الخارجية على السياسات المحلية.
الأنثروبولوجيا ودولة الاستخبارات
شهدت تشابكات علم الأنثروبولوجيا مع أجهزة الاستخبارات تطورات ملحوظة منذ فترة الحرب الباردة وحتى الوقت الحاضر. خلال حقبة "الحرب الباردة"، بدأ علماء الأنثروبولوجيا يدركون تدريجيًا أن أعمالهم كانت تستغلها -وأحيانًا تختطفها- الأجهزة العسكرية والاستخباراتية لاستخدامها في أغراض متعددة. وعندما اكتشف علماء الأنثروبولوجيا الجهود التي بذلها "مشروع كاميلوت" (2) Project Camelot في العام 1964 لوضع خطط لمكافحة التمرد في بلدان الجنوب العالمي، أدانت "الجمعية الأميركية للأنثروبولوجيا" تلك الخطط.
وعندما كُشف النقاب في أوائل سبعينيات القرن العشرين عن تورط علماء أنثروبولوجيا في عمليات لمكافحة التمرد في تايلند، صدرت إدانات مماثلة، كما وُضع ميثاق الأخلاقيات الخاص بالجمعية، مُتضمنًا نصوصًا تحظر مثل هذه الارتباطات السرية؛ وهي النصوص التي أُزيلت لاحقًا -جزئيًا للسماح لعلماء الأنثروبولوجيا التطبيقيين بإعداد تقارير مملوكة للجهات الراعية.
ومع تطور ما سُمّيت بـ"حروب مكافحة الإرهاب" بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، ظهرت محاولات جديدة لتوظيف المعرفة الأنثروبولوجية في عمليات مكافحة التمرد. ولم تكن "الجمعية الأميركية للأنثروبولوجيا" حازمة في معارضتها لهذه الأنشطة كما كانت في السابق، لكن كثيرين داخل الجمعية دفعوا باتجاه معارضة مثل هذه الارتباطات. وكنتُ جزءًا من مجموعة ناشطة عُرفت باسم "شبكة علماء الأنثروبولوجيا الملتزمين" Network of Concerned Anthropologists، التي نظمت حملة معارضة لمشاركة علماء الأنثروبولوجيا في دعم حروب الولايات المتحدة تحت عنوان "الحرب على الإرهاب".
كما عملتُ في لجنة تابعة لـ"الجمعية الأميركية للأنثروبولوجيا" سعت إلى وضع إرشادات لعلماء الأنثروبولوجيا الذين يفكرون في الانخراط مع المؤسسات العسكرية أو الاستخباراتية.
على الرغم من أنه من الصعب تحديد إلى أي مدى تمثل اللحظة الراهنة في عهد ترامب مؤشرًا إلى ما هو آتٍ، فإننا نبدو اليوم أمام مرحلة لم يعد فيها المجمع العسكري–الاستخباراتي الأميركي يكترث في الغالب -ليس بالعلوم الاجتماعية فقط، وإنما بأي عِلم يخبره بما لا يرغب في سماعه. وفي ظل هذه اللحظة الراهنة المناهضة للفكر والمناهضة للعلم، يصعب تحديد ما الذي يجري على وجه الدقة، أو إلى أين تتجه الأمور.
ما يزال مفهوم "الاستخدام المزدوج" للعلوم الاجتماعية يحتفظ بأهمية كبيرة في عصر الحوكمة القائمة على البيانات والمراقبة الرقمية. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، يبدو أننا ندخل مرحلة لا تصبح فيها كتاباتنا وحدها مادة قابلة للاستخدام المزدوج، وإنما أيضًا الآثار الرقمية الاعتيادية التي نخلفها أثناء ممارستنا حياتنا اليومية.
والأدوات التحليلية المستخدمة اليوم في تحليل هذه البيانات هي نتاج مباشر لعقود من أبحاث العلوم الاجتماعية؛ وهي أبحاث أجرتها جماعات وأفراد لم يكن معظمهم يقصد أبدًا أن تُستخدم أعمالهم في أشكال المراقبة والسيطرة التي ستُطبَّق عليها الآن، عمليًا، بوصفها استخدامات مزدوجة.
الحرية الأكاديمية تحت الضغط
ثمة توترات كبيرة ومستمرة ما تزال قائمة اليوم بين ممارسات الأمن القومي والحرية الأكاديمية. ويبدو أن نظام الجامعات في الولايات المتحدة يقف على حافة نوع من الانهيار. وتسهم في ذلك عوامل متعددة: منذ عهد ريغان، يشهد تمويل التعليم انسحابًا نيوليبراليًا متواصلًا للأموال العامة المخصصة للتعليم؛ كما صعدت طبقة من العمداء الإداريين البيروقراطيين عديمي الكفاءة؛ وترسخت ثقافة خانقة من التقييمات المتواصلة التي لا معنى لها؛ وأدى الذكاء الاصطناعي إلى جعل الجميع أقل قدرة على التفكير؛ كما أصبحت الإدارات الأكاديمية -في الجامعات العامة والخاصة على السواء- تخضع بصورة متزايدة لهيمنة متنفذين معادين للفكر، لا يفهمون إلا القليل مما يشرفون عليه، فضلًا عن أنهم يجهلون مبادئ الإدارة الأكاديمية التشاركية.
على الرغم من أن هذا الوضع لا يرتبط مباشرة بجهاز الأمن القومي، تبدو الحكومة في ظل ترامب غير معنية تقريبًا بأي نوع من أبحاث العلوم الاجتماعية، ولذلك تعرَّض تمويل البحوث الأساسية -بل وحتى دراسة اللغات الأجنبية- لاقتطاعات حادة. وقد اعتادت معظم الأقسام الأكاديمية إلى درجة كبيرة على ملاحقة فرص التمويل حتى أن حالة السقوط الحر الراهنة جعلت كثيرًا من زملائي يخشون القيام بالأعمال النقدية التي ينبغي إنجازها، كما أن كثيرين منهم لا يعرفون كيف يجرون بحوثًا من دون تمويل، ويرجع ذلك، جزئيًا، إلى أن الاقتصاد السياسي المعتاد للمؤسسة الأكاديمية كان قائمًا دائمًا على السعي وراء التمويل.
حضرت هذا العام الاجتماع السنوي لـ"الجمعية الأميركية للأنثروبولوجيا"، وشعرب بالأسى وأنا أرى جلسات كان مسؤولون نافذون في مؤسسات التمويل يوجّهون فيها الباحثين ويملون عليهم كيفية كتابة طلبات التمويل بطريقة لا تجعلها عرضة للاستهداف بسبب استخدامها مصطلحات تحليلية نقدية مثل "اللامساواة" أو "الديمقراطية"، فضلًا عن أي مصطلحات نقدية ماركسية. وفي جلسات أخرى، استمعت إلى أكاديميّ مرسَّم من جامعة ثرية عريقة، أساء فهم أحد الدروس الأساسية للمكارثية، حيث شرح كيف أصبحوا اليوم يُفرغون تحليلاتهم من أي مضمون سياسي، بدلًا من أن يستخدموا مواقعهم لمواجهة ما يجري.
كنت قبل عقود قد استخدمت عشرات الآلاف من ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لكتابة تاريخ عن تأثير المكارثية في الأنثروبولوجيا الأميركية خلال خمسينيات القرن العشرين، بعنوان "الأنثروبولوجيا المهدَّدة: المكارثية ومراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي لعلماء الأنثروبولوجيا الناشطين" Threatening Anthropology: McCarthyism and the FBI’s Surveillance of Activist Anthropologists. وكان أحد الدروس التي تعلمتها هو أن الأمر لم يحتج أكثر من عدد محدود من الهجمات حتى يتخلى معظم علماء الأنثروبولوجيا، بدافع الجبن، عن حريتهم الأكاديمية، وهذا هو ما نشهده اليوم أيضًا. في الحقيقة، لم يمارس معظم الأكاديميين حريتهم الأكاديمية ممارسة فعلية، ولذلك لم يكن تقييدها أمرًا بالغ الصعوبة.
تنطوي استعانة الأجهزة العسكرية والاستخباراتية بأعمال علماء الاجتماع على قضايا أخلاقية وسياسية خطيرة. وليست القضايا الأخلاقية الأساسية، في الغالب، حكرًا على هذا النوع من الارتباطات، وإنما تتصل بمبادئ مثل الصدق، وعدم خيانة المشاركين في البحث، والحصول على موافقة طوعية ومستنيرة منهم، وعدم الإضرار بهم، وتقديم تحليل أمين، وحمايتهم، وعدم كتابة تقارير سرية لا تستطيع المجتمعات التي تتناولها تلك الدراسات الوصول إليها.
ومن السهل نسبيًا العثور على مثل هذه المبادئ الأخلاقية في مواثيق أخلاقيات المهنة الخاصة بمختلف التخصصات. لكنّ ما لا يقل أهمية عنها، والذي نادرًا ما تتناوله الجمعيات المهنية بما يكفي، هو القضايا والشواغل السياسية التي ينبغي أن يعالجها علماء الاجتماع العاملون في هذه البيئات (وغيرها).
في أوائل العقد الأول من الألفية، عُينت عضوًا في عدة لجان داخل "الجمعية الأميركية للأنثروبولوجيا" كانت تحاول وضع سياسات تتعلق بعلاقة علماء الأنثروبولوجيا بالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية.
وقد أعدّت إحدى اللجان تقريرين حددا القضايا الأساسية وقدما توصيات تتعلق بالسياسات، بينما وضعت لجنة أخرى ميثاقًا جديدًا للأخلاقيات تتضمن نصًا يحظر كتابة التقارير السرية. وكنتُ قد دافعت عن إدراج نصوص تتجاوز الأبعاد الأخلاقية التقليدية، وتعالج أيضًا الأبعاد السياسية لأبحاثنا، لكنني لم أوفق في هذه المساعي.
سوف يتوقف الكثير على ما سيحدث لاحقًا. ما تزال الهجمات على التعليم العالي في الولايات المتحدة مستمرة. ويحظى أحد أحدث هذه الهجمات على الأنثروبولوجيا والعلوم الإنسانية، وهو "تقرير فاندربيلت" (3)، باهتمام إعلامي واسع. وتتبع هذه الأنواع من الهجمات على الأنثروبولوجيا وغيرها من التخصصات النقدية الأنماط نفسها التي كنتُ قد رصدتها في بحثي عن المكارثية.
وكانت الأطروحة الأساسية لكتابي "الأنثروبولوجيا المهدَّدة" تتمثل في أن علماء الأنثروبولوجيا الناشطين المناهضين للعنصرية كانوا الضحايا الرئيسيين للمكارثية داخل هذا التخصص. وسواء كانت لهم حقًا صلات بالشيوعية أو كانوا يستخدمون التحليل الماركسي، فإن ذلك لم يكن هو ما جعلهم أهدافًا بقدر ما فعَل نشاطهم السياسي. وكما تعرض علماء الأنثروبولوجيا الذين بيّنوا أن العِرق والعنصرية هما بناءان اجتماعيان لهجمات المكارثية آنذاك، يتعرض اليوم للهجوم الباحثون الذين يسهمون في تعميق فهمنا لقضايا العِرق، والجنس، والنوع الاجتماعي، والطبقة، وغيرها من الموضوعات المحورية لفهم اللامساواة.
كما ينبغي لنا أن نتعلم من حقبة المكارثية، فإن علينا جميعًا أن نجاهر بمواقفنا وأن نقاوم بدلاً من تعديل أبحاثنا في محاولة لتمريرها من تحت أنظار هؤلاء الرقباء المحتملين. لقد ضلت بعض الاتجاهات التي كان يمكن أن تشكل أنثروبولوجيا نقدية وناشطة طريقها تحت وطأة المكارثية، وينبغي ألا نسمح لذلك بأن يتكرر اليوم.
*ديفيد برايس David Price: عالم أنثروبولوجيا أميركي وأستاذ في الأنثروبولوجيا الاجتماعية. اشتهر بأبحاثه حول العلاقة بين المعرفة الأكاديمية، والسلطة السياسية، وأجهزة الاستخبارات، وخاصة تأثير الحرب الباردة والمكارثية في العلوم الاجتماعية الأميركية. يركز في أعماله على تاريخ توظيف المؤسسات العسكرية والاستخباراتية للمعرفة الأكاديمية، وعلى قضايا الحرية الأكاديمية وأخلاقيات البحث.
من أبرز كتبه "الأنثروبولوجيا المهدَّدة: المكارثية ومراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي لعلماء الأنثروبولوجيا الناشطين" Threatening Anthropology: McCarthyism and the FBI’s Surveillance of Activist Anthropologists؛ و"خدع الحرب الباردة: مؤسسة آسيا ووكالة المخابرات المركزية" Cold War Deceptions: The Asia Foundation and the CIA، الذي يبحث في دور مؤسسة آسيا وصلاتها السرية بوكالة المخابرات المركزية خلال الحرب الباردة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Hidden Architecture of Knowledge: Intelligence, Academia and the Shaping of Power
ملاحظات المترجم:
(1) مؤسسة آسيا The Asia Foundation: منظمة غير ربحية تأسست في العام 1954، تعمل في مجالات التنمية والحكم الرشيد والتعليم والتمكين الاقتصادي والعلاقات الدولية في دول آسيا. ارتبط اسمها خلال "الحرب الباردة" بعلاقة سرية مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية، حيث كشفت تحقيقات صحفية وبرلمانية في ستينيات القرن العشرين أن المؤسسة تلقت تمويلًا من الوكالة واستُخدمت، جزئيًا، كأداة ضمن استراتيجيات النفوذ الأميركي في آسيا. وبعد انكشاف هذه الصلات في العام 1967، أعادت المؤسسة تنظيم مصادر تمويلها وأكدت استقلاليتها، وواصلت نشاطها بوصفها مؤسسة تنموية تعمل مع الحكومات والمجتمع المدني والجهات المحلية في عدد من البلدان الآسيوية.
(2) مشروع كاميلوت Project Camelot: كان برنامجًا بحثيًا أطلقه الجيش الأميركي في العام 1964 بهدف توظيف علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية لفهم أسباب الثورات والتمردات في دول الجنوب العالمي والتنبؤ بها، بما يخدم استراتيجيات مكافحة التمرد الأميركية خلال الحرب الباردة.
وقد أثار المشروع جدلًا واسعًا بعد انكشاف طبيعته العسكرية، خاصة في تشيلي، حيث اعتُبر محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت غطاء البحث الأكاديمي. وأدى ذلك إلى إلغائه في العام 1965، وأصبح لاحقًا أحد أبرز الأمثلة على توظيف البحث العلمي في خدمة الأهداف الأمنية والاستخباراتية، كما أسهم في إطلاق نقاشات واسعة حول أخلاقيات البحث واستقلال العلوم الاجتماعية.
(3) تقرير فاندربيلت The Vanderbilt Report: تقرير صدر عن "جامعة فاندربيلت" الأميركية في سياق الجدل المتصاعد حول مستقبل التعليم العالي والعلوم الإنسانية والاجتماعية في الولايات المتحدة، وخصوصًا حول ما يُسمى بـ"التسييس" أو "الأيديولوجيا" في الجامعات. ينتقد التقرير بعض ممارسات الأقسام الأكاديمية، خاصة في مجالات مثل الأنثروبولوجيا والعلوم الإنسانية، مدعيًا أنها ابتعدت عن الموضوعية العلمية لصالح أجندات سياسية أو أيديولوجية.
وقد أثار التقرير انتقادات من أكاديميين يرون أنه يندرج ضمن موجة أوسع من الهجمات على العلوم النقدية، وأنه يستهدف مجالات بحثية تدرس قضايا مثل العِرق، والطبقة، والجندر، وعدم المساواة، بتصويرها على أنها غير علمية أو منحازة. ويأتي الجدل حوله في إطار نقاش أوسع بشأن الحرية الأكاديمية، وتمويل البحث، ودور الجامعات في تناول القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة.