الدستور
الطحين شحيح، السكر لا وجود له، واللحم، يا إلهي، أكثر الأطفال لا يعرفونه؛ لأنهم لم يروه مطلقًا! هل أنا مسؤول عن غزو الكويت؟ هل أنا من يستحق العفونة؟ رواية صخب ونساء وكاتب مغمور، علي بدر.
استحضر الرئيس ترامب إنزال النورماندي، أكبر عملية غزو بحري وإنزال عسكري في التاريخ، والمعروف بـ دي–داي (D-Day)، ليصف حملته الاقتصادية الجديدة ضد إيران بأنها «دي–داي اقتصادي»، في إشارة إلى ضربة اقتصادية مزلزلة يُراد لها أن تحاكي في أثرها ذلك الحدث التاريخي.
لكن، رغم الدعاية الواسعة والتصريحات الحادة، أرى أن هذه العقوبات لن تحقق النجاح المنشود. فهي تأتي بعد فشل الخيار العسكري وعجز الولايات المتحدة عن حماية قواعدها وفتح مضيق هرمز بالقوة، كما تُفرض في وقت ترزح فيه واشنطن تحت ديون تقترب من أربعين تريليون دولار، ويزيد الحصار من الضغوط على خزينتها.
ثم إن إيران ليست دولة صغيرة يسهل حصارها وخنقها اقتصاديًا؛ فمساحتها تقارب ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا، ويتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة، وتحدّها سبع دول، وإطلالة على بحر قزوين، بما يمنحها منافذ واسعة للتعامل مع العالم الخارجي.
كما أن إيران تعيش تحت وطأة العقوبات منذ عام 1979، وقد راكمت خلال ما يقارب نصف قرن خبرة واسعة في التكيّف معها والالتفاف عليها، من دون أن تنجح الضغوط الأمريكية في تغيير النظام. والتاريخ لا يقدم دليلًا مقنعًا على أن العقوبات وحدها قادرة على إسقاط الأنظمة؛ فكوبا، مثلًا، تواجه العقوبات الأمريكية منذ عقود، ومع ذلك ظل النظام في هافانا قائمًا. فالعقوبات قد تُضعف الأنظمة وتستنزف اقتصاداتها وتُرهق شعوبها، لكنها لا تُسقطها، وقد تكون تمهيدًا لتدخل عسكري بري، كما حدث في العراق.
ويضاف إلى ذلك أن إيران تستطيع الاستفادة من أطر مالية واقتصادية بديلة، مثل «بريكس» ونظام «CIPS» الصيني للمدفوعات، فضلًا عن دعم قوتين كبيرتين هما الصين وروسيا، اللتان ساندتاها طوال سنوات الحصار، ما يجعل عزلها اقتصاديًا بصورة كاملة أمرًا بالغ الصعوبة.
والعقوبات، مهما بلغت قسوتها، تحتاج إلى وقت حتى تظهر آثارها، والوقت ليس في صالح الرئيس ترامب مع اقتراب انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني. فإذا صمدت إيران حتى ذلك الحين، فقد يدفع ترامب وحزبه ثمنًا سياسيًا باهظًا، خصوصًا إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع وانعكست الأزمة على حياة الناخب الأمريكي.
وقد يمنح هذا الحصار إيران جرأة أكبر على استهداف المصالح الأمريكية، بما يضع واشنطن أمام مزيد من الإحراج والضغط للرد، في وقت تشير فيه التقارير إلى استنزاف بعض مخزوناتها العسكرية وعجز البنتاغون عن تعويضها بالسرعة المطلوبة. وتزداد المشكلة تعقيدًا مع ما تواجهه القاعدة الصناعية الأمريكية من صعوبات بسبب توقف الصين عن تزويدها ببعض المواد والعناصر الأرضية النادرة الداخلة في صناعات استراتيجية وعسكرية.
ومع ذلك، لا أقلل أبدًا من قسوة هذه العقوبات؛ فهي ستفرض على إيران تضخمًا وضغوطًا معيشية شديدة، وقد تضطر عائلات كثيرة إلى تقنين غذائها والتخلي عن بعض احتياجاتها الأساسية. وفي النهاية، سيكون المواطن الإيراني العادي هو من يدفع جانبًا كبيرًا من ثمن الصراع.
لكن معاناة الشعب شيء، وانهيار النظام شيء آخر. فقد تنجح العقوبات في إنهاك الاقتصاد الإيراني وإلحاق أذى بالغ بالمجتمع، لكنها لا تعني بالضرورة سقوط النظام قريبًا، ولا أن «الإنزال الاقتصادي» سيحقق سريعًا ما عجزت عقود من الحصار والضغط عن تحقيقه، كما يروّج الخطاب الأمريكي.