الدستور
ما الفائدة من امتلاك هذا الجيش الرائع الذي تتحدث عنه دائمًا إذا كنا لا نستطيع استخدامه؟ - مادلين أولبرايت.
قرأتُ مقالًا مهمًا في مجلتي المفضلة العلاقات الدولية (Foreign Affairs)، في عدد أيلول وتشرين الأول، بعنوان: «لماذا يجب أن نقاتل؟ وأين أخطأ ترامب؟»، كتبته الخبيرة السياسية كوري شاك، وهي من أبرز المحللين في الشؤون الدولية. ولأهمية ما طرحته، اختصرتُ المقال وترجمتُه بتصرّف.
في السياسة الدولية، كثيرًا ما تولد الأفكار الجيدة من رحم القرارات السيئة، وهذا ما حدث مع «عقيدة باول»، التي ارتبطت بانتصار الولايات المتحدة في حرب الخليج عامي 1990–1991، وهدفت إلى منع الانخراط في حروب غير محسوبة أو تفتقر إلى وضوح الغاية.
وتقوم العقيدة على مبادئ أساسية: أن تكون هناك مصلحة وطنية حيوية تبرر استخدام القوة، وأن تُحدَّد الأهداف السياسية والعسكرية بوضوح، وأن تُخصَّص الموارد الكافية لتحقيق النصر عبر ما سمّاه باول «القوة الحاسمة». كما تشترط أن تكون الحرب الملاذ الأخير بعد استنفاد الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، وأن تحظى بدعم الكونغرس والشعب، وأن تُراجع الاستراتيجية مع تغير الظروف، مع وجود استراتيجية خروج واضحة ودعم دولي ومشاركة من الحلفاء.
وعلى الرغم من ارتباط هذه العقيدة باسم كولن باول، رئيس هيئة الأركان الأمريكية خلال حرب الخليج، فإن جذورها تعود إلى وزير الدفاع كاسبر واينبرغر في ثمانينيات القرن الماضي. فبعد إرسال القوات الأمريكية إلى لبنان عام 1982 ضمن قوة متعددة الجنسيات، تحولت مهمة غامضة الأهداف من حفظ الاستقرار إلى تورط مباشر في الحرب، وانتهت بمقتل 241 عسكريًا أمريكيًا في تفجير ثكنة مشاة البحرية في بيروت عام 1983، ثم بانسحاب القوات الأمريكية عام 1984.
دفعت تلك التجربة واينبرغر إلى صياغة قواعد تمنع تكرار الانخراط في عمليات عسكرية بلا أهداف واضحة أو موارد كافية. وكان باول، أحد أبرز مساعديه العسكريين آنذاك، شريكًا في مراجعة هذه الأفكار وتطويرها، قبل أن ترتبط لاحقًا باسمه. وهكذا وُلدت العقيدة من دروس كارثة لبنان، ثم نضجت واختُبرت عمليًا في حرب الخليج، وأصبحت مرجعًا أساسيًا في التفكير الأمريكي في استخدام القوة.
غير أن الولاية الثانية للرئيس ترامب، مثّلت خروجًا واضحًا على هذه المبادئ. فقد شنّ في شباط الماضي حربًا على إيران من دون أهداف نهائية محددة، أو تشاور كافٍ مع الكونغرس وحلفاء الولايات المتحدة باستثناء الكيان، ومن دون استنفاد الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية أو وضع استراتيجية خروج واضحة. ولهذا وصف المحلل ريتشارد فونتين حروب ترامب بأنها «العقيدة المضادة لباول».
طرحت الإدارة هدفًا يمكن اعتباره معقولًا، هو التخلص من البرنامج النووي الإيراني، لكن تغيير النظام لا يمثّل مصلحة حيوية للولايات المتحدة تبرر خوض حرب من أجله. كما بدا أن الإدارة لم تدرس بما يكفي التداعيات المحتملة، وفي مقدمتها إغلاق مضيق هرمز واستنزاف مخزون الصواريخ الأمريكية، فضلًا عن ضعف التشاور مع الحلفاء الأوروبيين ودول المنطقة.
وتدعو عقيدة باول إلى تعديل الاستراتيجية مع تغير الظروف، لكنها لا تدعو إلى التخبط أو التناقض. وهذا ما ظهر في مواقف الرئيس ترامب المتقلبة بصورة شبه يومية. ففي يوم واحد فرض ترامب رسومًا إضافية بنسبة 20 في المئة على عمليات الشحن عبر مضيق هرمز ثم ألغاها، بما قوّض التزامًا أمريكيًا بحرية الملاحة امتد نحو 250 عامًا. ووصف القادة الإيرانيين مرة بأنهم «أشخاص أذكياء جدًا»، ثم عاد فوصفهم بأنهم «حثالة». كذلك كان تدمير البنية التحتية الصاروخية الإيرانية هدفًا رئيسيًا، قبل أن يتراجع ويعلن أن من حق إيران امتلاك الصواريخ.
وبدأت الحرب بأهداف واسعة، شملت تدمير البرنامج النووي وتغيير النظام، ثم أخذت الإدارة تتراجع عنها من دون تحقيق نتائج حاسمة، بينما اتسع نطاق المواجهة، واستُهدفت بنى مدنية، وتصاعد الرد الإيراني إقليميًا. كما أدى ضعف التنسيق مع الحلفاء، ثم تهديد بعضهم لاحقًا، إلى تراجع دعم دول الخليج. وفي المقابل، تمكنت إيران من الصمود، وتعزز نفوذ الحرس الثوري، وأظهرت قدرتها على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز وتعطيلها.
وترى الكاتبة أن تجاهل معايير عقيدة باول جعل الحرب أكثر عرضة للفشل، وكشف مرة أخرى أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يتحول تلقائيًا إلى مكاسب سياسية. كما أن رفض ترامب الانتقادات ورفض الاستماع إلى النصائح أضعفا مكانة الولايات المتحدة ومصداقيتها الدولية.
ولهذا تقترح العودة إلى جوهر عقيدة باول: تحديد هدف واحد واضح، كفتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة فيه، والحصول على تفويض من الكونغرس، وحشد دعم دولي واسع، مع فصل هذا الهدف عن المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
ولعل هذا يفسّر جانبًا مهمًا مما نشهده اليوم من تطورات متسارعة في مسار الصراع.