"E1" للاستيطان و"البيان المشترك".. سباق بين الضغط الدولي وفرض واقع جديد
الغد-إيمان الفارس
لا يبدو مخطط E1 مجرد توسع استيطاني صهيوني جديد، بل اختبار لقدرة المواقف العربية والدولية على الانتقال من الإدانة إلى الضغط الفعلي.
وجاء البيان المشترك لوزراء خارجية الأردن ومصر والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان أول من أمس، ليعبر عن موقف عربي وإسلامي موحد حيال مخطط E1 والاستيطان في الضفة الغربية، محذرا من تداعياته على حل الدولتين، وداعيا إلى تحرك دولي يشمل المساءلة وفرض إجراءات على الجهات والأفراد والشركات الداعمة للاستيطان.
ووفق تحليلات خبراء سياسيين وإستراتيجيين، في تصريحات لـ"الغد"، فإن البيان المشترك يفتح مسارا للمساءلة والعقوبات ورفع التكلفة السياسية والاقتصادية للاستيطان، لكن فاعليته تبقى مرتبطة بترجمة المواقف إلى إجراءات، خصوصا من الجانب الأميركي.
وتحذر تحليلات المختصين من أن تنفيذ E1 سيعيد تشكيل جغرافية الضفة الغربية ويقوض التواصل بين شمالها وجنوبها، بما يضعف فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ويقرب حل الدولتين من واقع يصعب تطبيقه، كما أن تداعياته ستمس الأردن مباشرة، سياسيا وأمنيا، ما يجعل وقف المخطط اختبارا لقدرة المجتمع الدولي على منع فرض واقع جديد على الأرض.
رفع تكلفة السلوك الإسرائيلي
وفي قراءة لتداعيات هذا التحرك وفرص ترجمته إلى ضغط فعلي على إسرائيل، يؤكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة، أن البيان يمثل تطورا مهما في طبيعة المقاربة تجاه الاستيطان، خصوصا أنه لم يكتف بالتنديد، بل دعا إلى إجراءات دولية ومساءلة وفرض عقوبات على الجهات والأفراد والشركات الداعمة للنشاط الاستيطاني.
ويقول الدعجة إن أهمية هذه الخطوة تكمن في أنها تنقل الملف تدريجيا من دائرة الخطاب السياسي إلى محاولة رفع تكلفة السلوك الإسرائيلي، من خلال خلق بيئة ردع اقتصادية وقانونية موازية للضغط السياسي، معتبرا أن قيمة البيان الحقيقية ستظهر في مدى القدرة على تحويله إلى ائتلاف ضغط دبلوماسي وقانوني واقتصادي منسق.
ويرى أن الدول المشاركة تستطيع توظيف أدواتها داخل الأمم المتحدة، والضغط على العواصم الغربية، ومطالبة الشركات بالانسحاب من المشاريع الاستيطانية، فضلا عن تفعيل أدوات المقاطعة والعقوبات الفردية، وربط أي خطوات إسرائيلية جديدة في الضفة الغربية بتكلفة سياسية واقتصادية واضحة، مؤكدا أن التحرك المنسق سيكون أكثر تأثيرا من بيانات الإدانة التقليدية.
وفيما يتعلق بالموقف الأميركي، يعتبر الدعجة أن رفض واشنطن لضم الضفة الغربية يفتح نافذة سياسية يمكن للدول العربية والإسلامية والأوروبية البناء عليها، لكنه لا يعني بالضرورة استعداد الولايات المتحدة لفرض عقوبات على إسرائيل بسبب الاستيطان.
ويشير إلى أن الاختبار الحقيقي للموقف الأميركي لن يكون في التصريحات، وإنما في مدى استعداد واشنطن لاستخدام ثقلها السياسي والدبلوماسي لمنع تنفيذ مشاريع مثل E1 إذا أصبحت تهدد بصورة مباشرة إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ويحذر في هذا السياق، من الفارق بين رفض الضم القانوني ووقف الضم الفعلي على الأرض، موضحا أن استمرار بناء المستوطنات وشق الطرق وتوسيع البنية التحتية وربط المستوطنات بشبكات النقل والخدمات وفرض السيطرة الإدارية على الأراضي يمكن أن ينتج واقعا قريبا من الضم، حتى من دون إعلان رسمي.
ويؤكد الدعجة أن مخطط E1 يمثل خطرا استثنائيا على حل الدولتين، نظرا لموقعه الاستراتيجي بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، وتأثيره المحتمل على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.
جغرافيا وسياسة
ويشير الدعجة إلى أن تنفيذ المخطط سيحول الجغرافيا إلى أداة سياسية، عبر تقطيع الضفة الغربية إلى كتل منفصلة، وربط المستوطنات بشبكة طرق وبنى تحتية إسرائيلية، بما يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وقابلة للحياة أكثر صعوبة.
وينبه من أن المضي في E1 قد ينقل القضية الفلسطينية من مرحلة الصراع على الحدود النهائية إلى الصراع على إمكانية وجود الدولة نفسها، في ظل تراجع مساحة المناورة أمام أي تسوية مستقبلية، كما أن اقتران الاستيطان بشبكات الطرق والبنية التحتية والإجراءات الإدارية والسيطرة على الأراضي يجعل عملية الضم تدريجية وواقعية، حتى من دون إعلان السيادة الإسرائيلية رسميا على الضفة الغربية.
وعلى المستوى الأردني، يرى الدعجة أن تداعيات هذا المسار تتجاوز الملف الفلسطيني إلى صميم الأمن الوطني الأردني، باعتبار أن أي تغيير جذري في طبيعة السيطرة والجغرافيا والسكان والطرق والبنية الأمنية في الضفة الغربية سينعكس على البيئة الإستراتيجية المحيطة بالمملكة.
ويلفت إلى أن الأردن معني بمنع تحول الضفة الغربية إلى مساحة مجزأة تفتقر إلى التواصل الجغرافي والسياسي، لأن تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة قد يزيد احتمالات الفوضى والتوتر والعنف، فيما تمثل أي محاولة لفرض حلول تقوم على التهجير أو النقل القسري للسكان قضية أمن قومي بالنسبة للأردن.
ويؤكد الدعجة أن أمام الأردن فرصة لتوسيع التحرك الدبلوماسي بالتنسيق مع الدول العربية والإسلامية والدول الأوروبية التي بدأت تتخذ مواقف أكثر تشددا تجاه E1، معتبرا أن بناء كتلة دولية أوسع يمكن أن يرفع تكلفة المشروع ويمنع تثبيت واقع جغرافي يصعب تغييره لاحقا.
ويزيد أن معركة E1 لا تتعلق بعدد الوحدات الاستيطانية فقط، وإنما بمستقبل الخريطة السياسية للضفة الغربية والقدس وإمكانية قيام الدولة الفلسطينية والأمن الإقليمي، مؤكدا أن الانتقال من الإدانة إلى الضغط أصبح ضرورة، وأن المطلوب هو ربط الاستيطان بتكلفة سياسية واقتصادية وقانونية واضحة.
ويشدد على أن الأردن يمتلك مصلحة إستراتيجية في قيادة مسار دبلوماسي متدرج مع الدول العربية والإسلامية والأوروبية لجعل وقف E1 نقطة اختبار دولية حقيقية، لأن منع تثبيت هذا الواقع لا يعني فقط حماية حل الدولتين، وإنما أيضا تجنب الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الواقع المفروض على الأرض أقوى من أي تسوية سياسية ممكنة.
سياسة الضم بالقطعة
وفي قراءة أبعاد هذا التحرك ومآلاته، يرى الخبير العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد، أن مخطط E1 الاستيطاني يأتي ضمن توجه إسرائيلي مخطط له لتغيير الواقع الجغرافي في الضفة الغربية، مشيرا إلى أن المستعمرات التي أقيمت في المنطقة الواقعة بين شمال الضفة الغربية وجنوبها تهدف إلى تقطيع أوصالها وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها.
ويقول أبو زيد إن التوسع الاستيطاني في هذه المنطقة ليس جديدا، بل يندرج ضمن مخطط إسرائيلي للضم التدريجي، لافتا إلى أن إلغاء العمل بقانون الأراضي الأردني في الضفة الغربية، إلى جانب تعديل أو تفعيل قوانين تتعلق بالتقادم في مناطق مثل قلنديا، يفتح المجال أمام توسع استيطاني يمكن أن يقود إلى ما وصفه بـ"الضم بالقطعة".
وفيما يتعلق بالموقف الأميركي، يرى أبو زيد أن واشنطن لا ترفض مبدأ الضم الإسرائيلي للضفة الغربية بقدر ما تختلف مع الحكومة الإسرائيلية حول شكله وآلياته، موضحا أن الولايات المتحدة قد تدفع باتجاه ضم تدريجي وجزئي من خلال البؤر والمستوطنات، ثم توسيعها بما يؤدي إلى خلق مناطق ضم متقطعة وتقطيع جغرافي للضفة الغربية، بدلا من تنفيذ ضم شامل ومعلن.
ويحذر من أن التوجه الإسرائيلي الحالي نحو توسيع مستوطنات E1 يستهدف اجتزاء المنطقة "ج" التي تشكل نحو 60 % من مساحة الضفة الغربية، في إطار مسعى للهيمنة عليها وفرض واقع جديد على الأرض.
ويشير إلى أن إسرائيل تستخدم لتحقيق ذلك أدوات دبلوماسية وأمنية وعسكرية، إلى جانب توظيف مجموعات استيطانية في المناطق الرعوية شرق الضفة، بهدف خلق واقع أمني وجغرافي جديد يمهد لاستكمال عمليات الضم.
توظيف انتخابي
ويعتقد أبو زيد أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى تحويل هذه الخطوات إلى إنجاز سياسي يمكن لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو توظيفه داخليا قبل الانتخابات المقررة نهاية تشرين الأول، ما يجعل مخطط E1 جزءا من مسار أوسع لإعادة رسم خريطة الضفة الغربية.
وفي المقابل، يؤكد أن التحرك الأردني لا يأتي في إطار ردات الفعل، بل ضمن مسار دبلوماسي ضاغط يهدف إلى خلق حالة موازية للضغط على إسرائيل، معتبرا أن هذا التحرك، إلى جانب الموقف الأوروبي، يمكن أن يؤثر في مسار الضم عبر تأخيره، لكنه لن يكون كافيا لوقفه في ظل استمرار الحكومة الإسرائيلية الحالية وتوجهاتها المتطرفة.
ويلفت إلى أن الأردن نجح في استمالة الموقف الأوروبي، وهو ما يوفر أرضية ضغط دبلوماسية مهمة، مشيرا إلى أن الموقف البريطاني الرافض لضم مناطق E1 والتوسع فيها يمثل مؤشرا على اتساع الرفض الدولي لهذه الإجراءات.
أما بشأن حل الدولتين، فيرى أبو زيد أن هذا الحل "لم يعد موجودا على أرض الواقع"، في ظل التوسع الاستيطاني المستمر وصعود التيارات اليمينية المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية، معتبرا أن استمرار هذه السياسات يقود عمليا إلى تقويض الأساس الجغرافي والسياسي الذي يقوم عليه حل الدولتين، ويفرض واقعا جديدا يصعب التراجع عنه.
إدراك عربي متزايد
وفي تقدير لمآلات التحرك الدبلوماسي والقدرة على التأثير في المسار الإسرائيلي، يؤكد استاذ العلوم السياسية في الجامعة الالمانية الاردنية د. بدر الماضي، أن البيان المشترك لوزراء الخارجية يمثل خطوة مهمة في هذه المرحلة، لافتا إلى أنه يعكس إدراكا متزايدا لدى الدول المشاركة بخطورة السياسات الإسرائيلية وتداعياتها على مستقبل الشعب الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية، فضلا عن انعكاساتها المحتملة على أمن واستقرار المنطقة كلها.
ويقول الماضي إن التحدي الأساسي يكمن في مدى قدرة هذه المواقف السياسية على التحول إلى خطوات عملية وضغوط مؤثرة على إسرائيل، معتبرا أن تحقيق ذلك ما يزال صعبا في ظل عدم وجود ضغط أميركي كاف لتغيير السلوك الإسرائيلي، رغم وضوح المواقف الأوروبية والأميركية الرافضة لبعض خطوات الضم والاستيطان.
ويحذر من أن المضي في مخطط E1 سيشكل مدخلا لتقويض حل الدولتين وفرض واقع جغرافي جديد يقوم على التضييق على الفلسطينيين وقطع الطريق أمام إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، معتبرا أن هذه الإجراءات تحمل رسالة واضحة بأن إسرائيل تسعى إلى إغلاق أي أفق سياسي للحل.
ويعتبر الماضي أن تداعيات هذا المسار لن تقتصر على الأراضي الفلسطينية، بل ستمتد بصورة مباشرة إلى الأردن، في ظل محاولات إسرائيل نقل أعباء القضية الفلسطينية وتداعياتها السياسية والديموغرافية والأمنية إلى الجانب الأردني، بما قد يفرض ضغوطا إضافية على أمن المملكة واستقرارها.
ويشير إلى أن استمرار هذه السياسات قد يفتح الباب أمام ضغوط إسرائيلية تستهدف التأثير في السلوك السياسي الأردني، وصولا إلى محاولة زعزعة الأمن والاستقرار، ما يجعل مواجهة تداعيات الاستيطان والضم قضية ذات أبعاد سياسية وأمنية مباشرة بالنسبة للأردن.
ويؤكد الماضي أن الأردن سيواصل استخدام أدواته السياسية والدبلوماسية، بما في ذلك علاقاته مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، لتوضيح خطورة السياسات الإسرائيلية والدفع باتجاه موقف دولي أكثر فاعلية، وصولا إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية يضمن قيام الدولة الفلسطينية ويحول دون فرض واقع جديد على الأرض.