هيروشيما بعد 81 عاماً.. فلتكن تذكرة لنا
الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
سكوت ريتر* - (كونسورتيوم نيوز) 6/8/2026
بالسماح بتحول العقيدة النووية الأميركية من الردع إلى خوض الحرب، فإن ما نضمنه فحسب هو أنها ستأتي في نهاية المطاف سيناريوهات لخوض حرب تُستخدم فيها الأسلحة النووية. وعندئذٍ سنكف جميعاً عن الوجود.
تمرّ الولايات المتحدة في الوقت الحالي بعملية إعادة تصميم لعقيدتها النووية بحيث يصبح استخدام الأسلحة النووية التكتيكية خلال المراحل الأولى من الصراع جزءاً رسمياً من عقيدتها العسكرية. وهذه فكرة سيئة. وقد مرت في السادس من آب (أغسطس) الذكرى الحادية والثمانون للهجوم النووي الأميركي على هيروشيما. وينبغي أن نجعل من كارثة هيروشيما تذكيراً لنا بمدى سوء هذه الفكرة.
قبل عامين تقريباً، وفي يوم ذكرى هيروشيما آنذاك، نشر موقع "كونسورتيوم نيوز" مقالاً كنتُ قد كتبته بعنوان "على طريق سريع إلى الجحيم". وحذّرت في ذلك المقال من المخاطر الناشئة عن تغيير الولايات المتحدة عقيدتها النووية، والابتعاد بها عن الطابع الدفاعي المحض والانتقال بها إلى عقيدة تُعلن فيها صراحةً مبادئ توجيه الضربة النووية الاستباقية.
كما أشرت أيضاً إلى أن المخاطر الكامنة في هذا التحول تتضاعف بصورة هائلة في عالم يخلو من القيود التي ينبغي أن تفرضها اتفاقات فعالة للحد من التسلح.
وكتبت آنذاك: "إن السماح بتغيير العقيدة النووية الأميركية بحيث تبتعد عن الردع وتتجه نحو خوض الحرب، لا يضمن لنا سوى أمر واحد: أنه سيأتي حتماً وقت تندلع فيه حرب تُستخدم فيها الأسلحة النووية. وعندها نموت جميعاً. إننا، حرفياً، على "طريق سريع إلى الجحيم".
والآن، في الذكرى الحادية والثمانين لإسقاط أميركا قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما اليابانية، من الضروري لنا جميعاً أن نعاود زيارة هذه المسألة ومراجعتها.
عندما كتبت ذلك المقال، كنا نعيش في عالم تحكمه مجموعة من الافتراضات، كان أولها أن الولايات المتحدة تمتلك من القوة العسكرية التقليدية ما يكفي لتفادي إغراء اللجوء إلى ضربة نووية استباقية على المستوى التكتيكي للصراع.
باختصار، كانت الولايات المتحدة قادرة —كما فعلت بصورة شبه متواصلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية— على شن حرب تقليدية ضد مختلف دول العالم. وحتى لو منيت بهزيمة سياسية (مثلما حدث في فيتنام وأفغانستان)، فإنها كانت تحتفظ بما يكفي من القوة العسكرية التقليدية لتجنب مواجهة عواقب هزيمة عسكرية وجودية.
وبذلك، عندما كان الحديث يدور عن حرب نووية، كان المقصود هو صراع قد ينشب بين القوى العظمى —بين الولايات المتحدة وروسيا أو الصين.
وحتى لو اندلع مثل هذا الصراع، ثمة أمل كان هناك دائماً في أن تكون عواقب أي مواجهة من هذا النوع، بما قد تنطوي عليه من تهديد وجودي، مروعة إلى درجة تدفع الأطراف العقلانية على جانبي الصراع إلى السعي لضمان الحد من نطاق المواجهة وحجمها، تفادياً للنتائج القاتلة شبه المؤكدة التي ستترتب على التصعيد.
الحد من التسلح مات
قبل عامين، كان ما يزال هناك، أيضاً، مظهر للحد من التسلح؛ إطار متآكل من الاتفاقات التي كانت تتيح -على الرغم من تعثرها- على الأقل بصيصاً من الأمل، بقدر ما كان من الممكن للمرء تصور بث حياة جديدة في مفهوم قديم، مدفوعاً بإلحاح اللحظة. لكننا نواجه اليوم حقيقتين قاسيتين:
أولاً، مات الحد من التسلح. لم تعد هناك معاهدات قائمة من إرث الماضي يمكننا أن نتشبث معها -ولو بأمل زائف- في أن تتصرف قياداتنا مجتمعةً بعقلانية.
وفوق ذلك، لا يبدو أن لدى القوى النووية المعلنة في العالم أي ميل يُذكر إلى إعادة الانخراط في هذا الملف؛ فقد انتهى عصر الدول المتحضرة التي تسعى إلى كبح أكثر العواقب فتكاً للتطور التكنولوجي. ويبدو أننا احتضنّا فكرة أن للحرب النووية منفعة أو جدوى، من دون أن نعترف بصدق بعواقبها.
فلنجعل هيروشيما تذكيراً لنا
ثانياً، انتهى عصر الهيمنة العسكرية التقليدية الأميركية. وقد أكدت الحرب الراهنة الفاشلة مع إيران هذه الحقيقة بصورة قاطعة. اليوم، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى مواجهة حقيقة أن الآلة العسكرية التي بنتها على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي -بتكلفة هائلة من المال والجهد- ليست في نهاية المطاف سوى "خط ماجينو" -حرفياً؛ مجرد صرح باهظ التكلفة شُيّد ليناسب نمطاً من الحروب لم يعد له وجود.
لقد بنت الولايات المتحدة جيشاً يقوم على مفهوم "الصدمة والرعب"، وهو ديناصور تكنولوجي أُريد له أن يثير الرهبة، لا أن يحقق الهيمنة. وكان هذا أشبه -حرفياً- بومضة سرعان ما تنطفئ.
كان كل ما على إيران أن تفعله هو أن تنتظر حتى تنفد قدرتنا على الاستمرار؛ أن تبني نظاماً قادراً على امتصاص القوة التدميرية لـ"قوة عظمى" محدودة الإمكانات، وأن تصمد إلى أن تفقد آلة الحرب باهظة التكلفة، التي صممها الصناعيون الأميركيون في قطاع الدفاع بعناية لتعظيم الأرباح على حساب الأداء والفاعلية، زخمها -أو، لنكن أكثر دقة، حتى تنفد ذخيرتها.
من أجل الحفاظ على واجهة توحي باستمرار القدرة العسكرية، أقدم مخططو الحرب الأميركيون، مدفوعين بالنزعات النرجسية لرجل وضع الحفاظ على عبادته لشخصه فوق رفاه الأمة التي يقودها، على تعرية قدرات القوات الأميركية على خوض الحرب في المحيط الهادئ (في مواجهة الصين) وأوروبا (في مواجهة روسيا) واستنزافها حتى آخر قطرة.
واليوم، لا يقتصر الأمر على أن الولايات المتحدة تواجه حقيقة أنها لا تمتلك القدرة على مواصلة عمليات عسكرية تقليدية قابلة للاستمرار ضد إيران فحسب؛ إنها تعجز أيضاً عن حشد أي قوة عسكرية تقليدية ذات وزن في مواجهة تهديد عسكري صيني أو روسي محتمل.
يحدث ذلك بينما السياسات الأميركية تقود نحو احتمال اندلاع صراع مع الصين حول تايوان، وإلى إمكانية نشوب مواجهة مباشرة مع روسيا بسبب أوكرانيا. وأمام حتمية الهزيمة العسكرية التقليدية في أي من هذين السيناريوهين، شرعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مراجعة العقيدة النووية الأميركية بهدف تسهيل استخدام الولايات المتحدة للأسلحة النووية التكتيكية خلال المراحل الأولى من أي حرب مستقبلية مع روسيا أو الصين. وهذا، بطبيعة الحال، هو النقيض التام للاتجاه الذي ينبغي سلوكه في الظروف الراهنة.
ولنجعل هيروشيما تذكيراً لنا
ليس ثمة في اللحظة الراهنة حاجة أعظم من الحاجة إلى البلسم المهدئ الذي يوفره الحد من التسلح النووي. وفي الحقيقة، تحكم حقيقة أن الولايات المتحدة قد سلكت عمداً طريقاً سريعاً إلى الجحيم على بقية العالم -وخصوصاً روسيا والصين- بأن تسلك الطريق نفسه معنا.
إذا كانت العقول الأميركية اللامعة تبدو عاجزة عن إدراك حتمية قدوم "هرمجيدون نووية"، وقد أعمتها تبعات إمبراطورية آخذة في الأفول ورغبة في التشبث بالسلطة مهما كانت العواقب، فإن مصدر التفكير الجديد والمبتكر بشأن الحد من التسلح يجب أن يأتي من مكان آخر -من روسيا والصين.
ليس ثمة منتصر في حرب نووية. والوجهة التي يقود إليها الطريق السريع إلى الجحيم ستكون كارثة عالمية محققة.
فلنجعل هيروشيما تذكيراً لنا.
*سكوت ريتر Scott Ritter: ضابط استخبارات سابق في سلاح مشاة البحرية الأميركية، خدم في الاتحاد السوفياتي السابق في مجال تنفيذ معاهدات الحد من التسلح، وفي الخليج العربي خلال عملية "عاصفة الصحراء"، وفي العراق، حيث أشرف على نزع أسلحة الدمار الشامل. أحدث كتبه هو "طريق سريع إلى الجحيم" Highway to Hell، الصادر عن دار "كلاريتي برس".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: HIROSHIMA 81: SCOTT RITTER - Let It Remind Us