الراي
المقابلة التي أجرتها قناة الجزيرة مع الممثل الأعلى لمجلس السلام، نيكولاي ميلادينوف، مليئة بالألغام، وهي تنطوي على تلميح بعودة حرب الإبادة الجماعية التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على مدى عامين ونصف العام، بل إن تداعيات هذه الحرب الكارثية لا تزال تتفاعل في المجتمع الغزي، سواء لجهة النزوح المتواصل، حيث غالبية سكان القطاع لا يزالون يعيشون في خيم بالية، وسط بيئة تنتشر فيها الأمراض والأوبئة، وانتشار المجاعة، ونقص كبير في المستلزمات الطبية.
واللافت بما قاله ميلادينوف الشرط الذي وضعه، بضرورة التزام الفلسطينيين بما تريده إسرائيل، لأنه ساوى بين من التزم بكل ما تم الاتفاق عليه، وما تم طرحه من خطط، وبين من لم يلتزم!
ميلادينوف أكد تلقي تعهدات بـ7 مليارات دولار لإعادة إعمار القطاع، وأنه تم تحديد آلية عمل قوة الاستقرار الدولية ومواقع انتشارها في القطاع، وهذا جزء يسير مما يحتاجه قطاع غزة من أموال لإعادة الإعمار، التي تقدر بالحد الأدنى بأكثر من 70 مليار دولار.
جاءت تصريحات ميلادينوف بعد بيان مشترك لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، قالا فيه إنهما لم يصدرا أي توجيه لفتح معبر إيريز (بيت حانون) أمام البضائع، بمعنى استمرار الضغوط الإنسانية على سكان قطاع غزة، ومواصلة السماح للمساعدات الإنسانية والإغاثية بالعبور بـ"القطارة" من خلال معبر رفح المصري!
بيان نتنياهو وكاتس أكد أنه لن يكون هناك إعمار في غزة قبل تجريد حماس من سلاحها وتفكيك جميع الأسلحة في القطاع، في حين قال كاتس إن إسرائيل لن تسمح لحماس أو أي جهة بالعودة إلى تهديد بلدات الجنوب، كما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإن من يفعل ذلك فسيدفع ثمنًا باهظًا!
من حيث المبدأ، تستخدم قوات الاحتلال القوة الغاشمة، مستخدمة أحدث الأسلحة التي تحرق الأخضر واليابس، بالإضافة إلى الروبوتات المتفجرة التي تستهدف تدمير المنازل وتقتل من هو قريب منها، مقابل أسلحة بسيطة يقاتل بها الفلسطينيون، وهي لا تزال تقوم بعمليات اغتيال لكوادر مدنية وشرطية في القطاع، وترتكب مجازر بحق السكان المدنيين، حيث يسقط يوميًا العديد من الشهداء والجرحى.
هذه التطورات تتناقض مع خطة الرئيس ترامب، رئيس مجلس السلام المتعلق بقطاع غزة، والتي بدأ تنفيذها منذ شهر أكتوبر الماضي 2025، حيث بدأ تنفيذ وقف إطلاق النار، وهو ما لم تلتزم به إسرائيل. بل تمادت أكثر من ذلك بتوسيع ما تسميه "الخط الأصفر"، الذي يعني احتلال ما يقارب 60 بالمئة من مساحة القطاع! رغم موافقة حركة حماس على نزع سلاحها، بل وقبولها عمليًا التحول إلى حزب سياسي مدني.
ميلادينوف تجاهل أن إسرائيل ترفض خارطة الطريق الخاصة بقطاع غزة، رغم أنها تتضمن جزئيًا هدفها في نزع سلاح حماس، وقبول الحركة التحول عمليًا إلى حزب سياسي مدني، ولا يحمل إسرائيل أي مسؤولية، ويتجاهل عدم التزامها بأي بند من بنود وقف إطلاق النار، وتوسعها في القطاع تحت مظلة الاتفاق.
والثابت أيضًا أن الحراك الدولي الواسع المطالب بوقف "المحرقة"، التي تستهدف المدنيين العزل في قطاع غزة، حرك المياه الراكدة في السياسة الدولية، وأحدث تحولًا مهمًا في توجهات الرأي العام في مختلف دول العالم، وبخاصة المجتمعات الأوروبية التي كانت حكوماتها تدعم الكيان الصهيوني، مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وغيرها من الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية مؤخرًا، فلم يتخيل أحد أن بريطانيا، صاحبة "وعد بلفور"، الذي سجل سابقة تاريخية بمنح اليهود ما سمي "وطنًا قوميًّا" في فلسطين، يمكن أن تعترف بالدولة الفلسطينية، حتى لو كانت دولة لا تزال على الورق؟
وفي كل الأحوال، يمكن القول إن دولة الاحتلال بدت معزولة دبلوماسيًا وسياسيًا، بصورة لم تشهدها منذ نشوئها عام 1948، بسبب المجازر التي ارتكبتها في غزة، وهذه أهم نتائج العدوان على القطاع، وما تتعرض له الضفة الغربية أيضًا من انتهاكات صارخة ومداهمات وعمليات قتل وتوسيع المستوطنات بمختلف أنواعها.
ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، احتلت القضية مكانة أساسية في السياسة الدولية، وفي منابر الأمم المتحدة، التي كانت مشاريع القرارات التي تعرض عليها، وتدعو إلى وقف العدوان على قطاع غزة، تقابل بفيتو أميركي، بالإضافة إلى اهتمام منظمات حقوق الإنسان، والدعاوى أمام المحاكم الدولية، مثل محكمة العدل الدولية، حيث رفعت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، ثم التحقت بها دول عديدة، وأمام المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت قرارًا بتوقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت.