الغد
كشف لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع قناة الجزيرة عن ملامح قيادة سياسية تدرك أن حكم الدول يختلف جذرياً عن قيادة الجماعات، وأن بناء سورية الجديدة لا يمكن أن يتحقق بالعاطفة الثورية وحدها، بل يحتاج إلى عقل الدولة، ومرونة الدبلوماسية، وحسن تقدير موازين القوى. فقد بدا الشرع في حديثه سياسياً براغماتياً يعرف متى يتقدم، ومتى ينتظر، ومتى يتمسك بالمبدأ، ومتى يناور لحماية المصلحة الوطنية، وهي صفات نادراً ما تجتمع في رئيس يتولى السلطة في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.
لقد تسلم الشرع دولة أنهكتها سنوات الحرب، وتعددت على أرضها القوى المسلحة، وتداخلت فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتراجعت مؤسساتها، وبرزت داخلها مخاطر التقسيم والانفصال. وفي مثل هذه الظروف، كان من السهل الانجرار إلى معارك جديدة تحت شعارات السيادة أو الحسم العسكري، إلا أن الشرع اختار طريقاً أكثر حكمة: توحيد سورية من خلال استعادة الدولة، ودمج القوى المختلفة في مؤسساتها، واحتكارها للسلاح، وفتح أبواب الحوار أمام المكونات الاجتماعية والسياسية.
وفي هذا النهج ما يذكّر بالحكمة السياسية المنسوبة إلى معاوية بن أبي سفيان في قوله: "لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ إن مدّوها أرخيتها، وإن أرخوها مددتها". فالرئيس الشرع يدير بدوره "شعرة" دقيقة بين قوى داخلية متباينة ومصالح خارجية متعارضة؛ فلا يشدها إلى درجة القطع، ولا يرخيها إلى حد فقدان الدولة لهيبتها. إنه يمسك الأمور من أوسطها، محافظاً على التوازن بين المرونة والحزم، وبين الواقعية والمبدأ، وبين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.
يتجلى ذلك بوضوح في تعامله مع الملف الكردي؛ إذ ميّز بين المواطنين الأكراد، بوصفهم مكوناً أصيلاً من مكونات الشعب السوري لهم حقوق المواطنة والحقوق الثقافية، وبين "قوات سورية الديمقراطية" بوصفها تنظيماً عسكرياً ينبغي دمجه في مؤسسات الدولة. ورغم إقراره ببطء تنفيذ الاتفاق، أكد استمرار الرهان على إنجاحه. وهذا يعكس فهماً عميقاً بأن توحيد البلاد لا يكون بإلغاء خصوصيات مكوناتها، وإنما بإدماج الجميع ضمن هوية وطنية جامعة ودولة واحدة تمتلك قرارها وسلاحها.
وتظهر البراغماتية ذاتها في السياسة الخارجية. فالشرع لم يسمح لذاكرة الصراع مع روسيا بأن تتحول إلى قيد يمنع سورية من إعادة بناء علاقاتها الدولية، بل تحدث عن فتح صفحة جديدة مع موسكو على أساس المصالح والاحترام المتبادل. وفي الوقت نفسه، انفتح على الولايات المتحدة وأوروبا، وحافظ على علاقات وثيقة مع الدول العربية، ولا سيما الأردن والسعودية وقطر والإمارات وغيرها من الدول العربية. وبذلك ابتعد عن سياسة المحاور التي دفعت سوريا سابقاً أثماناً باهظة بسببها، وعمل على بناء علاقات متوازنة تخدم إعادة الإعمار والاستقرار. وقد أكد في اللقاء أن سورية لا تريد أن تكون ساحة لتصفية الحسابات، وأن أولويتها هي بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي.
أما في التعامل مع إسرائيل، فقد ظهرت قدرة الشرع على الفصل بين الخطاب العاطفي ومتطلبات المصلحة الوطنية. فهو لم يتنازل عن حق سوريا في الجولان المحتل، لكنه أكد أن الصدام العسكري في هذه المرحلة ليس في مصلحة البلاد، وأن دمشق تعمل للوصول إلى ترتيبات أمنية قد تمهد مستقبلاً لسلام شامل. هذه ليست سياسة ضعف، بل إدراك بأن الدولة الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى حماية شعبها وإعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها قبل الدخول في مواجهات قد تدمر ما تبقى من قدراتها.
وفي الملف اللبناني، رفض الشرع التدخل العسكري، رغم تعقيدات العلاقة التاريخية وتشابك المصالح الأمنية. وبدلاً من ذلك، أكد دعم الدولة اللبنانية وحصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد مؤسساتها. وهذا الموقف يعكس تحوّلاً مهماً من منطق النفوذ والتدخل إلى منطق الدولة والسيادة المتبادلة، ويقدم رسالة بأن سورية الجديدة تريد الاستقرار لجيرانها، لأنها تدرك أن أمنها لا ينفصل عن أمنهم.
إن الإنجاز الأهم للرئيس الشرع لا يقتصر على توحيد الجغرافيا، بل يتمثل في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة السورية. فالوحدة الحقيقية ليست مجرد رفع علم واحد، وإنما بناء مؤسسات تحتضن الجميع، وتطبيق القانون، ومعالجة ملف المفقودين، وتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان الحقوق، ومنع الثأر والفوضى. وقد عبّر الشرع عن ذلك حين أكد أن هوية الدولة الجديدة هي "الهوية السورية"، وهي صيغة تتجاوز الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية.
ومع أن طريق سورية ما يزال طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر، في ظل تراكمات الحرب والانقسامات الداخلية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، فإن ما أظهره الرئيس أحمد الشرع يمثل قدراً استثنائياً من الحكمة والحنكة السياسية. لقد فهم أن الزعامة الحقيقية ليست في رفع الصوت أو إطلاق الشعارات الحماسية، وإنما في تحقيق النتائج وحماية الدولة وتقليل الخسائر. كما أدرك أن القوة لا تعني خوض كل معركة ممكنة، بل القدرة على اختيار المعركة الضرورية، وتحديد توقيتها وأدواتها، ومعرفة متى يكون الحزم مطلوباً ومتى تصبح المرونة أكثر نفعاً للمصلحة الوطنية.
وبينما يشد الآخرون الحبل أو يرخونه وفق مصالحهم، يحافظ الشرع على «الشعرة» كي لا تنقطع، ويمسك سوريا من أوسطها حتى لا تنجرف نحو التطرف أو الفوضى أو التقسيم أو الارتهان للخارج. فهو لا يغلق أبواب الحوار أمام المختلفين معه، ولا يسمح في الوقت نفسه بأن تتحول المرونة إلى تنازل عن وحدة البلاد أو هيبة الدولة. كما أنه يسعى إلى إدارة العلاقات الخارجية بمنطق تعدد الشراكات، بعيداً عن الانحياز الكامل إلى محور دولي أو إقليمي واحد.
وفي ذلك تكمن براغماتيته النادرة: ثبات في الغاية، ومرونة في الوسيلة، وقدرة على الجمع بين المصالحة والعدالة، وبين الانفتاح والسيادة، وبين احتواء المكونات الوطنية والمحافظة على وحدة القرار. فالشرع يدرك أن توحيد الوطن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى عقل بارد يقرأ موازين القوى، وقلب يتسع لجميع السوريين، ومؤسسات عادلة تعيد بناء الثقة، وإرادة راسخة لا تفرط بسيادة الدولة ووحدة أراضيها.