عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jul-2026

دول الخليج كفيلة بلجم تهديدات ترامب

 الغد

هآرتس
 تسفي برئيل
 
 
 
لا ينوي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهاجمة قواعد الصواريخ أو تدمير بقايا اليورانيوم المخصب أو المنشآت النووية. ويبدو أن حياة قادة "النظام الجديد" في إيران آمنة أيضاً. ويمكن اعتبار الهجمات الأميركية على عشرات الأهداف في إيران "دقيقة"، وهدفها الرئيسي، حسب ترامب، هو إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات. وإذا لم تساعد هذه الهجمات فهو يعد بضرب كل محطات الطاقة والجسور والبنى التحتية للطاقة في الأسبوع القادم، إلى أن تعلن إيران رغبتها في ذلك.
 
 
في الواقع تعتبر هذه مهمة مع نطاق غير مسبوق. يوجد في إيران حوالي 500 محطة لتوليد الطاقة عاملة، وآلاف المحطات الفرعية، كل واحدة منها، حتى الكبيرة، لا تساهم إلا بجزء صغير من استهلاك الكهرباء. ولكن حتى لو قرر الرئيس شن حملة شاملة ضد محطات الطاقة فإن الجزء الأكبر من الضرر سيتحمله عشرات ملايين المواطنين المرتبطين بها، والمستشفيات ومحطات تحلية المياه ومؤسسات مدنية أخرى.
هذا الهجوم لن يكون من طرف واحد. تمتلك إيران القدرة على الإضرار بالبنى التحتية المدنية في دول الخليج مثل تعطيل محطات تحلية المياه التي تزود 90 في المائة من السكان بالمياه، وتحييد المطارات، على سبيل المثال لا الحصر، هذه بعض الأضرار التي يمكن أن يتسبب بها رد إيران.
في غضون ذلك يجب التذكير بأن التهديد بالإضرار بشبكة الكهرباء في إيران ليس جديداً. ففي شهر آذار الماضي غرد الرئيس الأميركي بأسلوبه الحاد وقال: "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في القريب لأي سبب كان... وإذا لم يتم فتح مضيق هرمز أمام التجارة على الفور، فسننهي وجودنا المزعوم في إيران بتفجير وتدمير كل محطات توليد الطاقة وآبار النفط وجزيرة خرج (وربما كل محطات تحلية المياه)، التي لم نمسها بشكل متعمّد حتى الآن. هذا سيكون انتقاماً للكثير من جنودنا وغيرهم، الذين قتلتهم إيران خلال 47 سنة من "حكم الإرهاب" الذي فرضه النظام القديم". مع ذلك، لم تكن الاعتبارات الإستراتيجية أو التكتيكية جوهر الأمر في حينه. فإذا لم يجبر إيران على التفاوض فإن الانتقام مضمون على الأقل.
ولكن هذا التهديد لم ينفذ أيضاً. وذلك يعود بالأساس إلى الضغط الكبير الذي استخدمه قادة دول الخليج على ترامب. فقد وضعوا خطا أحمر آخر عندما طلب في شهر أيار شن حملة عسكرية لحماية الملاحة في مضيق هرمز، حيث أوضح له محمد بن سلمان بأنه لن يسمح باستخدام القواعد الجوية الموجودة في السعودية لتنفيذ المهمة.
هذا الضغط أثمر وتم تجميد العملية. وليس من المستبعد أن تخضع الخطة الطموحة التي يخطط لها الرئيس في الأسبوع القادم لأنظمة "الرقابة والإشراف" في دول الخليج التي تم تفعيلها من جديد في هذا الأسبوع لإحباط نيته فرض رسوم بنسبة 20 في المائة على كل سفينة تعبر في مضيق هرمز. وبدلاً من الرسوم سيكتفي ترامب بالتزام بعض هذه الدول بالاستثمار في الولايات المتحدة. كم سيكون حجم هذه الاستثمارات، ومتى سيتم استثمارها؟ هل ستكون هذه الاستثمارات إضافة إلى التزامات سابقة؟ يفضل عدم التكهن. يبدو أنه في الوقت الذي يحدد فيه ترامب لإسرائيل حدود نشاطاتها العسكرية في سورية ولبنان، تشير دول الخليج لترامب إلى النطاق العسكري المقبول من ناحيتها.
مع تصاعد شدة التوتر ما يزال من غير الواضح ما يهدف إليه ترامب عندما يطالب إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات. هل ينوي إحياء الحوار حول مذكرة التفاهم التي وقعت قبل شهر؟. ففي نهاية المطاف أعلن هو نفسه قبل أسبوع بأن هذه الوثيقة، التي تشمل 14 بنداً، انتهت صلاحيتها ولم تعد سارية المفعول. هذا يأتي بعد أن هاجمت إيران بعض سفن النفط التي كانت تبحر في مسار بديل، ولم تنسق مسارها مع "سلطة مضيق الخليج"، التي أنشأتها إيران في أيار لتنسيق حركة الشحن وتحصيل رسوم العبور في المضيق. هذا الخلاف الذي أشعل فتيل الاشتباكات الأخيرة يستدعي التوضيح.
تنص المادة 5 في مذكرة التفاهم على أنه "عند التوقيع على هذه المذكرة ستبذل الجمهورية الإسلامية الإيرانية كل جهدها لتوفير العبور الآمن للسفن التجارية، بالمجان، لمدة ستين يوماً فقط، من الخليج إلى بحر سلطنة عمان وبالعكس". ينص البند أيضاً على أن إيران ستجري حواراً مع سلطة عُمان لتحديد إدارة الخدمات البحرية في المضيق مستقبلاً، بالتشاور مع الدول المشاطئة الأخرى حسب القانون الدولي والحقوق السيادية للدول المشاطئة في مضيق هرمز.
وحسب التفسير الإيراني يعطي هذا البند إيران سلطة تنسيق وإدارة الملاحة في مضيق هرمز، وترى إيران أنه يعطيها الحق في تحصيل رسوم العبور بعد فترة تفاوض تبلغ ستين يوماً، حتى لو لم يتم استكمالها. في نفس الوقت يجب عليها التفاوض مع سلطنة عمان ودول الخليج الأخرى حول ترتيب دائم لإدارة الملاحة في الخليج. إضافة إلى ذلك ترى إيران أنه يجب على الولايات المتحدة احترام أي اتفاق يتم التوصل إليه بين إيران وهذه الدول. هذه مجرد ثغرة واحدة في الوثيقة التي وقع عليها الرئيس ترامب. ومن أجل تجنبها اقترحت عُمان استخدام طريق ملاحة بديل قريب من شواطئها، حيث يمكن للسفن العبور فيه بدون التنسيق مع إيران ودفع رسوم. هكذا فإنه منذ إنشاء "ممر عُمان" في النصف الثاني في الشهر الماضي عبرت خلاله عشرات السفن كل يوم. ولكن في الأسبوعين الأخيرين شنت إيران هجمات للسفن العابرة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض عددها إلى حوالي عشر سفن أو أقل في اليوم. وترى إيران في هذا المسار الجديد تهديداً لسيطرتها المطلقة على العبور في المضيق، التي تزعم أنها أعطيت لها بموجب مذكرة التفاهم، وانتهاكاً صارخاً للمذكرة من طرف الولايات المتحدة التي تدعم هذا المسار. وفي محاولة لتحييد عمل هذا المسار وصل وزير خارجية إيران، عباس عراقجي، إلى مسقط عاصمة سلطنة عمان في يوم السبت الماضي. ولكن بعد ساعات من المفاوضات لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى صيغة متفق عليها.
وحسب ما هو معروف فقد اقترحت سلطنة عمان أن تبلغ السفن المغادرة أو القادمة عبر المياه الإيرانية عن مكانها، وأن تنسق مع إيران، في حين أن السفن الأخرى يمكنها استخدام المسار الجنوبي البديل، بدون المخاطرة بضربها. ولكن هذا التنظيم يقوض طموح إيران في السيطرة الكاملة على كل حركة الملاحة في المضيق، وفي هذه المرحلة تم رفض هذا الاقتراح من قبلها. بعد فترة قصيرة من عودة عراقجي من عُمان، أوضحت إيران موقفها عندما قامت بمهاجمة بالصواريخ أهدافاً أميركية في الأراضي العُمانية، وبعد ذلك أيضاً هاجمت سفناً كانت تبحر قربها.
لكن الأمر لا يقتصر فقط على التقسيم الإداري أو التقني لإدارة الملاحة في الخليج. فالسيطرة على مضيق هرمز أصبحت محور الصراع كله، ليس فقط كممر ملاحة حيوي وشريان طاقة عالمي، بل كاختبار للقوة السياسية. بالنسبة لإيران يكمن التحدي في كيفية ترسيخ الإنجازات التي تمثلها مذكرة التفاهم على أرض الواقع، وتأكيدها على الاعتراف الإقليمي والدولي.