"نوافذ على النفس والمجتمع".. قراءة في الإنسان وتجاربه الحياتية
الغد-عزيزة علي
صدر للكاتبة إكرام العش كتاب بعنوان "نوافذ على النفس والمجتمع"، يتناول موضوعات نفسية اجتماعية وخبرات واقعية، ويقدم قراءة في عدد من القضايا النفسية والاجتماعية والإنسانية، مستندا إلى مزيج من المعرفة العلمية والخبرات العملية والحياتية، بأسلوب يستهدف القارئ العام إلى جانب المهتمين والمتخصصين.
ويتناول الكتاب العلاقة المتبادلة بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي، وينتقل في موضوعاته من الوعي بالذات وفهم النفس إلى العلاقات مع الآخرين والأسرة والمجتمع، وصولا إلى قضايا الفكر والحقيقة والتاريخ والسياسة، في محاولة لطرح مقاربات عملية تساعد على فهم عدد من الظواهر والمشكلات التي تواجه الفرد والمجتمع.
ويجمع الكتاب، بحسب مؤلفته، بين الدراسة العلمية والتأمل في التجارب الإنسانية، مستفيدة من خبرتها الأكاديمية والعملية في المجالات النفسية والاجتماعية والسياسية، فيما رأى الدكتور حسين طه المحادين في تقديمه للكتاب أنه يتميز بالجمع بين المعرفة العلمية والخبرة الحياتية، وبالقدرة على تقديم موضوعات متخصصة بلغة مبسطة وقريبة من القارئ.
ويعتمد الكتاب كذلك على توظيف عدد من القصص والأحداث والأمثلة الدينية والثقافية والعلمية، في إطار ما وصفه المحادين بالتناصات الفكرية والعلمية، بما يعزز حضور الأفكار ويمنحها أبعادًا إضافية، ويجعل الكتاب مساحة للحوار بين المعرفة الأكاديمية وتجارب الحياة اليومية.
وكتب عميد كلية العلوم الاجتماعية الأسبق في جامعة مؤتة، وأستاذ علم الاجتماع والجريمة الدكتور حسين طه المحادين، تقديمًا للكتاب، رأى فيه أنه يجمع بين المعرفة العلمية والخبرات الحياتية، ويقدم مضامين مترابطة وعميقة، معتبرًا أن ترابط موضوعاته يشكل إحدى نقاط قوته وتفرده.
وأشار المحادين إلى أن الكتاب يضم "غابة من المعاني والأفكار الظاهرة والمباشرة"، التي يستطيع القارئ العادي التقاطها بسهولة، دون عناء لغوي أو تعقيد فكري، لافتًا إلى أن المؤلفة اعتمدت لغة رشيقة ومبسطة مقارنة بالكتب العلمية المتخصصة.
وبين أن هذا الأسلوب يمنح الكتاب خصوصيته، ويتيح له الوصول إلى شريحة واسعة من القراء غير المتخصصين، خصوصا أن موضوعاته ترتبط بقضايا تمس الحياة اليومية، من بينها الأسرة وتحولاتها الراهنة، والتشوهات الإدراكية وسوء الفهم المتبادل بين الأفراد، والحدس والمرض، وصولا إلى العنف والعدوان.
ولفت إلى أن المؤلفة لا تكتفي بطرح القضايا، بل تقدم تحليلات ومقترحات تستند إلى خبراتها الأكاديمية والحياتية، ضمن خطاب عملي قائم على المعرفة والتطبيق، بعيدًا عن الطرح النظري والأكاديمي المتعمق، وهو ما يجعل هذا النوع من المحتوى، بحسب المحادين، قريبا من احتياجات القراء في حياتهم اليومية.
وعلى المستوى التحليلي الأعمق، يرى المحادين أن الكتاب يتميز بحرفية علمية وأسلوب رشيق ومقنع للقارئ المتخصص والمتعمق، عازيًا ذلك إلى خبرة المؤلفة الأكاديمية في التدريس والعمل مع عدد من الوزارات والمنظمات الدولية، فضلًا عن إتقانها اللغة الإنجليزية، وما توفره من رافد معرفي واسع.
وأشار إلى أن هذا الثراء المعرفي ظهر في توظيف المؤلفة عددًا من الآيات القرآنية المرتبطة بموضوعات الكتاب ومواقفه، إلى جانب الاستفادة من مضامين نظريات علم النفس الاجتماعي.
وأوضح المحادين أن الكتاب يمزج، رغم تنوع موضوعاته، بين دراسة الخصائص والسمات التي يمتلكها الأفراد من منظور علم النفس، وبين العلاقات التفاعلية التي تنشأ بينهم وبين التنظيمات والمؤسسات في المجتمع الأوسع، بما يعمّق فهم القضايا النفسية والاجتماعية التي يتناولها الكتاب.
وأشار المحادين إلى ما وصفه بمهارة المؤلفة في توظيف التناصات العلمية والفكرية، من خلال استدعاء أحداث وأقوال وقصص راسخة في الذاكرة الجمعية، وإعادة توظيفها في سياق الأفكار التي تريد إيصالها إلى القارئ.
وضرب أمثلة على ذلك باستحضار قصة "ألف ليلة وليلة"، في عنوان فرعي هو: "ما الكلام المباح الذي سكتت عنه شهرزاد؟"، واختيار عنوان: "المتلاعبون بالأفراد"، في تناص مع الكتاب العالمي "المتلاعبون بالعقول"، إلى جانب عنوان: "مصاصو الطاقة الإيجابية لدى كل منا"، في استدعاء لصورة "مصاصي الدماء"، الشائعة في الخيال الجمعي.
ولفت المحادين كذلك إلى التناص العلمي في تناول المؤلفة لتركيبة دماغ الإنسان وآليات الذاكرة قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وعلاقة أهمية المعلومات بعملية تخزينها واسترجاعها، وربط ذلك بما استفاد منه العلماء المعاصرون في تطوير الحواسيب ومحاكاة بعض آليات عمل الدماغ.
وخلص المحادين، إلى أن هذه القراءة في مضامين الكتاب، الظاهرة منها والعميقة، لا تغني عن التقدير الذي يستحقه، داعيًا إلى قراءة هذا الكتاب الذي وصفه بـ"النوعي"، لما يقدمه من معارف وخبرات بلغة مبسطة، تجمع بين العلم وتجارب الحياة، بما يتيح الاستفادة منه لمختلف شرائح المجتمع العربي.
وأوضحت الكاتبة إكرام العش في مقدمة كتابها أن الإنسان يشكل، في فضاء الدراسات الإنسانية، حجر الأساس في نشأة المجتمعات وبنائها؛ ولذلك فإن محاولة تفكيك أبعاده المختلفة، وسبر ما يحيط به من مشكلات وتحديات أو طاقات وإمكانات، لا يمكن أن تنفصل عن محيطه الاجتماعي. فالإنسان والمجتمع، بحسب العش، مرآتان متقابلتان؛ يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به بصورة مباشرة وعميقة.
ومن هذا المنطلق، يأتي كتابها "نوافذ على النفس والمجتمع: موضوعات نفسية اجتماعية وخبرات واقعية"، ليقدم مقاربات فكرية وحلولًا عملية للعلاقة الجدلية بين الإنسان ومحيطه.
وتشير العش، إلى أنها قسمت الكتاب إلى خمسة أبواب، تبدأ بالفرد وفهمه لذاته، ثم تنتقل إلى علاقته بالشريك والصديق والآخرين، ومن ثم علاقته بالمجتمع، وصولًا إلى فهم العالم والتاريخ، في انتقال متدرج من الخاص، المتمثل في النفس والذات، إلى العام، المتمثل في الأسرة والمجتمع والأمة.
ويحمل الباب الأول عنوان: "نوافذ على الوعي والذات"، ويتناول موضوعات التصالح مع الذات، وجعل النفس أولوية، والاتساق النفسي، ونافذة "جوهاري"، والعمر النفسي، والحدس، والحرية، وظاهرة "ديجا فو" (Déjà vu) أو "شوهد من قبل"، والتشوهات المعرفية.
أما الباب الثاني: "نوافذ على الآخر"، فيتناول فن المسافات، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وتكامل واختلاف الأضداد، و"مصاصي الطاقة"، إلى جانب إضاءات لفهم الخلافات والعدوانية اللفظية. ويبحث الباب الثالث: "تحولات الواقع والحياة"، في الأسرة في ظل التكنولوجيا ومتطلبات التغيير واختلال الأدوار، وثنائية الفقر والجهل بوصفها صراعًا من أجل البقاء في ظل غياب الوعي، إضافة إلى ظاهرة احتراف التسول.
ويأتي الباب الرابع بعنوان: "نوافذ على الفكر والحقيقة: معارك العقول"، ويتناول الحقائق البديلة، والتلاعب بالعقول، وصراع الأقنعة، ولعبة الذكاء والغباء، إلى جانب السؤال: "ما الكلام المباح الذي سكتت عنه شهرزاد؟". أما الباب الخامس: "نوافذ على التاريخ والسياسة"، فيتناول موضوعات الحضارة بين الأمس واليوم، ورسالة إلى الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، وقصة موسى وفرعون.
وأكدت العش أن الكتاب ليس عملًا أكاديميًا بحثيًا غارقا في النظريات الجافة، وإنما هو نتاج دراسة وتأمل في المجالات النفسية والاجتماعية والسياسية، وثمرة دراستها العلمية في هذه المجالات، إلى جانب تجاربها العملية وخبرتها الشخصية التي صقلتها سنوات طويلة من العمل في الميدان الإنساني.
وفي ختام مقدمتها، تتوجه العش بالشكر إلى أفراد أسرتها على دعمهم المتواصل، كما تقدم شكرها إلى الأستاذ الدكتور حسين طه المحادين، العميد الأسبق لكلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة، لتفضله بتقديم الكتاب.