عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Nov-2026

غزة أمام إبادة المستقبل (1 - 2)

 الغد

 علاء الدين أبو زينة
الفلسطينيون أمام محو المستقبل
لا يقتصر معنى الإبادة التي يمارسها الكيان الصهيوني في غزة على أعداد المقتولين، أو المدن التي سُوّيت بالأرض، أو البيوت والمستشفيات والمدارس التي تحولت إلى أنقاض. ثمة مستوى آخر من التدمير، أقل ظهوراً في الصور اليومية للكارثة، لكنه أبعد أثراً في حياة الفلسطينيين ومصير قضيتهم: تدمير الشروط التي تجعل وجودهم الجماعي قابلاً للاستمرار، وانتزاع قدرتهم على تخيّل مستقبل مختلف عن الحصار والاقتلاع والاحتلال. وحين يجري تدمير مقومات الحياة، ومحو الأماكن والذاكرة، وتفكيك الروابط الاجتماعية والاقتصادية، يذهب الاستهداف أبعد من حاضر الجماعة البشرية ليغتال حقها في أن يكون لها غد.
 
 
هذا هو البعد الذي يحاول أن يشخصه مفهوم "إبادة المستقبل"، (Futuricide)، الذي دخل بكثافة حيز النقاشات الفكرية والسياسية المتصلة بغزة. ويصف المفهوم نمطاً من التدمير يتجاوز القتل المادي إلى محو الإمكانات التي تتيح لشعب أن يعيد بناء حياته ويقرر مصيره، ويضع الكارثة الفلسطينية في إطار أوسع من التوصيف الإنساني المباشر، ويطرح سؤالاً جوهرياً عن المسؤولية الأخلاقية والسياسية إزاء تدمير مستقبل شعب بأكمله، وعن حدود النظام الدولي الذي أُنشئ، نظرياً، لحماية الشعوب وحقوقها، بينما يعجز عملياً عن وقف الجرائم أو مساءلة مرتكبيها.
في هذا الحوار، يناقش دانيال فالكون مع ريتشارد فولك، أستاذ القانون الدولي الفخري في جامعة برينستون والمقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أبعاد هذه المسألة من زوايا قانونية وسياسية واقتصادية وفكرية. ويتناول فولك التناقض بين الاعتراف الدولي بحق الشعوب في تقرير المصير والامتناع عن إنفاذه، والدور الذي يؤديه حق النقض في حماية الكيان الصهيوني من المساءلة، فضلاً عن ارتباط الاحتلال ببنية الرأسمالية العالمية وصناعة الحرب. كما يناقش حدود الرهان على انتخابات الكيان لتغيير السياسات تجاه الفلسطينيين، وإمكانات التحولات الدولية وحركات التضامن الشعبية في كسر منظومة الإفلات من العقاب.
وكما يحدُث، تُظهر انتخابات الكيان حدود التغيير الذي يمكن أن تحققه صناديق الاقتراع داخل مجتمع يحتفظ بسيطرته على شعب آخر. ويدور التنافس الانتخابي فيها حول توزيع السلطة بين قوى في الكيان تتباين في مواقفها وأساليبها، بينما يبقى الفلسطينيون المضطهدون والمحتلون خارج دائرة الاختيار.
لذلك، لا يعقد فولك أي أمل على أن تسفر انتخابات الكيان الأخيرة عن أثر إيجابي في سياسة الكيان تجاه غزة. ويرى أنه حتى لو خسر نتنياهو وفاز غادي آيزنكوت وشكّل حكومة جديدة، يغلب أن تواصل هذه الحكومة إبقاء غزة في ظروف معيشية لا تُطاق، بما قد يدفع الفلسطينيين إلى الرحيل أو يفضي إلى تهجيرهم تمهيداً لإعادة فرض سيادة الكيان على القطاع. وسوف يتطلب التحول الحقيقي، في نظره، تغييراً أعمق يتمثل في تخلي الكيان عن الصهيونية كمرجعية لهويتها السياسية في التعامل مع الفلسطينيين.
تتجاوز أهمية هذا الحوار تشخيص المأزق الراهن إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي نفسه: من هيمنة القوى الكبرى على مؤسسات العدالة والأمن، إلى تغليب المصالح الإستراتيجية والاقتصادية على حقوق الشعوب. وفي قلب هذه المساءلة تبرز فلسطين بوصفها اختباراً لمصداقية القانون الدولي، ولقدرة العالم على الدفاع عن حق شعب في الحياة والحرية وتقرير المصير، وعن حقه، قبل ذلك وبعده، في أن يكون لديه مستقبل.
 
دانيال فالكون*؛ وريتشارد فولك* - (كاونتربنش) 27/10/2026
يمثل الدمار الذي حلّ بغزة كارثة إنسانية وأزمةً تتعلق بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. وتكشف الهجمات الإسرائيلية على القطاع إخفاقاً دولياً واضحاً، وتثير تساؤلات بشأن المستقبل السياسي لغزة. في هذه المقابلة الخاصة بموقع "كاونتربنش"، يركّز ريتشارد فولك، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة، على مفهوم "الأضرار الجانبية" وعلى فيلم "نازا" (NAZA)، وكذلك على مستقبل فلسطين الواقعة تحت الاحتلال. ويتناول فولك حدود القانون الدولي والاقتصاد السياسي للاحتلال، ويبحث في ما يلزم للذهاب أبعد من مرحلة توثيق الدمار. كما يناقش أفقا سياسياً يستند إلى تعزيز كرامة الفلسطينيين.
ويتناول فولك أيضاً مفهوم "المستقبل الممحو"، أو "إبادة المستقبل" (Futuricide)، في غزة. ويوضح هذا المفهوم بشكل مماثل لما طرحته عالمة السياسة ستيفاني لاتيه عبد الله Stéphanie Latte Abdallah، التي أسهمت في نشر المصطلح على نطاق أوسع في سياق غزة، من خلال مقال نشرته صحيفة "لوموند" في العام 2024. وقد شرحت عبد الله كيف تجلّى العقاب الجماعي في التدمير المنهجي لقدرة غزة على تقرير مستقبلها الجماعي بنفسها.
***
دانيال فالكون: في الفيلم الوثائقي الحديث "نازا" NAZA، تثير اللغة المستخدمة في الحديث عن "الأضرار الجانبية" سؤالاً مهماً بشأن الكيفية التي يتم بها تطبيع موت الفلسطينيين وجعله مألوفاً. وقال أحد المشاركين في المقابلات التي ضمها الفيلم: "لم أفكر قط في ما كنت أفعله... هذه أوامر؛ وعليك تنفيذها".[1] فما الذي يلزم لتجاوز مرحلة توثيق الفظائع وإدانة انتهاكات القانون الدولي، والانتقال إلى أفق سياسي يستطيع فيه الفلسطينيون تحقيق حقهم في تقرير المصير؟
 
ريتشارد فولك: يتضمن العهدان الخاصان بحقوق الإنسان -وهما من أهم الصكوك التعاهدية التي تشكّل حجر الأساس للقانون الدولي- نصّاً متطابقاً في المادة الأولى يؤكد أن "لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها". وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن العهدين انقسما إلى معاهدتين منفصلتين عندما تعلق الأمر بصياغة حقوق الإنسان في سياق المواجهة الأيديولوجية خلال الحرب الباردة. فقد خُصِّص العهد الأول لـ"الحقوق المدنية والسياسية"، بما يعكس قيم الديمقراطيات الليبرالية الموجّهة نحو السوق وأيديولوجيتها؛ في حين خُصِّص العهد الثاني لـ"الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" بما يتوافق مع قيم البلدان التي تحكمها الأنظمة الاشتراكية والشيوعية وأيديولوجيتها.[2]
ثمة دلالالة مهمة في أن إحدى نقاط الالتقاء تمثّلت في التأكيد المشترك على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وربما جاء ذلك استجابةً للضغوط التي مارستها بلدان الجنوب العالمي الساعية إلى إنهاء الاستعمار. ومع ذلك، ظلّ إعمال هذا الحق متفاوتاً إلى حد بعيد، وكان يتوقف عموماً على قدرة المطالبين به على انتزاعه بواسطة نضالات المقاومة بدلاً من الحصول عليه بالامتثال لأحكام العهد.
وعندما يواجه القامعون مقاومةً لأهدافهم الرامية إلى فرض السيطرة العرقية والاستغلالية على الحيّز السياسي، فإنهم يلجأون إلى شتى أنواع العبارات التلطيفية لتمويه سلوكهم الإبادي. وكما يشير فيلم "نازا"، فإن "الأضرار الجانبية" هو تعبير تفضّله إسرائيل للتقليل من شأن الانتقادات الموجّهة إلى استهداف المدنيين بما يؤدي إلى الإبادة الجماعية، واستهداف البنية التحتية المدنية بما يؤدي إلى "إبادة المساكن" Domicide، وذلك في إطار تقديم هذه الأفعال بوصفها امتداداً لحق الدفاع عن النفس الذي أعقب هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر).[3] ويقول أفراد من الجيش الإسرائيلي في الفيلم: "لقد فعلنا ما فعلناه بدافع الكراهية والاستياء... الجميع ’أضرار جانبية‘، حتى الرضّع".[4]
باستثناء الحالات التي تتقاطع فيها الطموحات الجيوسياسية مع السعي إلى تقرير المصير، تغيب الإرادة السياسية لدى المجتمع الدولي أو القوى الجيوسياسية لإنفاذ هذا الحق. ويكتنف "ميثاق الأمم المتحدة" أيضاً قدر من الالتباس، حيث تحظر المادة 2، الفقرة 7، على المنظمة التدخل في المسائل التي "تكون من صميم الاختصاص الداخلي لأي دولة".[5] ويعبّر هذا الامتناع عن التدخل عن الروح الدولتية الوِستفالية التي تعطي الأولوية للسيادة الإقليمية.
تدور معظم النضالات الممتدة من أجل نيل حق تقرير المصير داخل حدود الدول، كما كان الحال -على سبيل المثال- في نضال الأغلبية الأفريقية لمواجهة عنصرية الفصل العنصري على المستويات القانونية والأخلاقية والسياسية. وقدّمت الهيئات السياسية للأمم المتحدة دعماً رمزياً ونفسياً لنشاط مناهضة الفصل العنصري، لكنها لم تذهب إلى حد تحدي سيادة بريتوريا قسراً في شؤون الحكم الداخلي.[6] وفي ما يتعلق بفلسطين، يبدو أن أساليب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي ينتهجها الصهاينة قد أضفت على القضية طابعاً دولياً. لكنّ إسرائيل تحظى بدعم ثلاث قوى تمتلك حق النقض في مجلس الأمن لتمنع بذلك صدور أي قرار مناهض لها، بما يتيح لها تحدي القانون الدولي والإفلات من تبعات انتهاكه.
أتاح هذا الإفلات الشامل من العقاب لإسرائيل أن تنتهج على مدى قرن كامل سياسات متطرفة تحرم الفلسطينيين من الحق في تقرير المصير في وطنهم. ومع ذلك، لم تواجه إسرائيل، حتى مع الإبادة الجماعية التي شهدتها السنوات الثلاث الأخيرة بوضوح لا لبس فيه، أي عواقب سلبية بسبب إنكارها الحقوق الإنسانية الأساسية للفلسطينيين. أما ما إذا كان تنامي النظرة إلى إسرائيل بوصفها دولة مارقة وخارجة على الأعراف الدولية سيضع حداً لهذه الحقبة الطويلة من الإفلات من العقاب، فيتوقف على مدى قدرة تحركات المجتمع المدني على حمل إسرائيل على تعديل سياساتها. وما يزال من غير المعروف ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى التخلي عن المنظومة الاستعمارية الاستيطانية.
قد تفضي بعض التحولات التي تلوح في الأفق السياسي، والتي ستؤثر في مصير فلسطين، إلى تغيير حاسم في المبادرات السياسية بما يحسّن فرص تحقيق العدالة وصون الحقوق، لكنّ حدوث ذلك لا يبدو مرجحاً من منظور اللحظة الراهنة. ويتمثل أبرز تحول جوهري يمكن أن يخدم فلسطين في إعادة توجيه العلاقة الأميركية بإسرائيل والمنطقة، بحيث تحلّ مساندة نهج إسرائيلي يستند إلى القانون والعدالة في التعامل مع الحقوق الفلسطينية محلّ أولوية الطموحات الإستراتيجية والشراكة السياسية والعسكرية.
ثمة تحول ثانٍ في الأفق السياسي سيكون من شأنه تعزيز صمود الالتزام الفلسطيني بحق تقرير المصير، وهو تخلّي إسرائيل عن الأيديولوجيا الصهيونية، سواء بدوافع داخلية أم دولية. وقد يساعد ذلك، إذا تم بطريقة تجعل إسرائيل أكثر تقبّلاً لخيارات التعايش السلمي، على العيش معاً بوصف الطرفين جارين، على أساس الكرامة العرقية والمساواة في السيادة.
ومن شأن وجود قيادة فلسطينية تكون قد اختيرت بصورة أصيلة وتتمتع بالصدقية اللازمة لتأييد مستقبل مشترك من هذا النوع أن يساعد في تحقيقه. وربما يسبق ذلك إنشاء لجنة مستقلة ثنائية القومية للحقيقة والمصالحة، والتي تقرّ بالمظالم التي وقعت في الماضي وتؤكد الالتزام بالاحتكام مستقبلاً إلى القانون الدولي، بما يشمل حقوق الإنسان.
وحتى نكون واضحين، ينبغي التذكير بأن مستقبلاً كهذا، على ما ينطوي عليه من فوائد كبيرة للطرفين، يظل بعيد الاحتمال في المستقبل المنظور، فيما يرجع أساساً إلى حقيقة أن إسرائيل لا تواجه ضغوطاً داخلية أو خارجية تدفعها إلى إعادة تعريف هويتها السياسية بما يتوافق مع متطلبات عملية سلام عادلة وقابلة للاستمرار. وربما يكون أقصى ما يمكن أن يمثله هذا المستقبل السلمي هو "يوتوبيا ضرورية" توجد في التاريخ أمثلة على إمكانية تحقُّقِها. وهي أمثلة تكشف أن الخبراء والتحليلات العقلانية قد يخطئون في تقديراتهم. وحتى لو لم تُترجم هذه الرؤية إلى خطوات عملية، فإنها تدعم الاستنتاج القائل بأن التطورات غير المتوقعة قد تغيّر التوقعات المتعلقة بالمستقبل.
بطبيعة الحال، من الممكن مواجهة التقديرات الأكثر تشاؤماً لآفاق الفلسطينيين بفاعلية إذا اكتسبت عزلة إسرائيل المتزايدة بوصفها دولة مارقة زخماً كبيراً بفعل تحركات شعوب العالم. وقد تنجح حركة مجتمع مدني عابرة للحدود الوطنية، تتشكل تدريجياً، في إحداث تحول جذري على غرار ما شهدته جنوب أفريقيا، يتمثّل في التخلي عن نظام الفصل العنصري والانتقال إلى حكم دستوري يقوم على المساواة العرقية والكرامة الإنسانية.
 
فالكون: ثمة مفكرون، مثل عالم الأنثروبولوجيا جيسون هيكل Jason Hickel، ممن يتحدّون الأنظمة الاقتصادية الأساسية القائمة على التراكم واستخراج الموارد. كيف ينبغي أن نفهم العلاقة بين "نظرية التبعية" والرأسمالية العالمية في فلسطين الواقعة تحت الاحتلال؟[7]
 
فولك: لا شك في أن إسرائيل استغلت موارد السكان الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال وعمالتهم الرخيصة لتهيئة وضع يتّسم بالتبعية الاقتصادية الشديدة. وقد تعزز هذا الوضع بفعل الحصار طويل الأمد المفروض على غزة، والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والموارد المائية في الضفة الغربية، بما يدرّ أرباحاً طائلة على المشاريع الرأسمالية الإسرائيلية.
من هذا المنظور، أعادت النزعة العسكرية في القطاع الخاص تشكيل صلات إسرائيل بصناعة الحروب وخوضها. وقد امتد تأثيرها إلى الجغرافيا السياسية حيث تتكامل الرأسمالية العالمية مع التوجه السياسي الواقعي الذي تتبناه النخب المعنية بصنع السياسة الخارجية.
ويكمن التغيير الجوهري المطلوب في إحداث انفصال دقيق بين مفهوم الأمن القومي والتهديدات الحقيقية بدلاً من ربطه بافتعال فرص لشن الحروب، وتحقيق الأرباح، واختبار الابتكارات في الأسلحة والتكتيكات العسكرية، ورفض التكيف مع التحولات في ميزان الحرب غير المتكافئة. وفي هذه الحروب، قد ينتقل التفوق من الطرف الأقوى عسكرياً إلى الطرف الأضعف والأكثر عرضة للخطر، الذي يُحقق النصر في معركة الشرعية بما يفضي إلى امتلاك القدرة على التحكم في المآل السياسي النهائي للصراع.
يفسّر ذلك لجوء الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، إلى سلسلة من الحروب التي تثير صلاتها بالمصالح الوطنية الغربية تساؤلات جدية، لتنتهي بهزائم سياسية على الرغم من التفوق العسكري والهيمنة في ميدان المعركة. والمفارقة اللافتة لا تكمن في انكشاف حدود النزعة العسكرية، وإنما في رفض تكييف السياسة الخارجية -بما فيها المصالح الأمنية الوطنية- على ضوء دروس الحروب السابقة. وقد تجلّى هذا النمط في حرب فيتنام، وحرب أفغانستان، وأخيراً حرب إيران -وإن لم تكن الأخيرة قد حُسمت نتائجها بعد.
من المثير للقلق أن التعديل الوحيد الذي طرأ على هذا النهج تمثّل في زيادة الاستثمارات في ابتكار الأسلحة وتطوير التكتيكات القتالية، على الرغم من الأعباء المالية الناجمة عن ارتفاع الإنفاق العسكري إلى مستوى مذهل في زمن السلم بلغ 1.5 تريليون دولار. وقد ترافق ذلك مع تفاقم التفاوتات الاجتماعية وتنامي الاستياء المجتمعي، ما أفضى إلى تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات وقمع المعارضة.[8]
وثمة بُعد آخر يتمثل في ضرورة إدراك الصعود الاستثنائي للصين التي وسّعت نفوذها خارج حدودها من دون الاعتماد على التدخل العسكري والغزو، مستندةً أساساً إلى إقامة علاقات اقتصادية تحقق مكاسب متبادلة ومنافع للطرفين. ويتمثل أحد التحديات الكبرى التي تواجه الغرب الأطلسي في التعلم من تجربة صعود الصين بدلاً من التعامل مع توسع نفوذها بوصفه تهديداً جديداً للأمن القومي مصدره خصم، بما يستدعي مزيداً من الزيادة في الإنفاق العسكري. ومن شأن هذا النهج أن يفاقم "أزمات القدرة على تحمّل التكاليف"، والأعباء المالية التي يتعذر استمرارها، والميل إلى البحث عن حلول عسكرية للتحديات السياسية.
يتصل أحد الاستنتاجات الأساسية لهذه المسائل بمرونة الرأسمالية النيوليبرالية التي تزداد الضغوط عليها بفعل الآثار المعززة للذكاء الاصطناعي، في عالم يشهد تفاقماً للتحديات غير التقليدية ذات النطاق العالمي من دون تلبية الاحتياجات المرتبطة بها. وتشمل هذه التحديات انتهاكات حقوق الإنسان، وتغير المناخ، والهجرة الجماعية، وتراجع مستويات المعيشة بفعل موجة من التقديرات المنتمية إلى "المالتوسية الجديدة" التي تنظر إلى نسبة كبيرة من البشرية باعتبارها "فائضاً بشرياً". ويرتبط هذا التحول الديمغرافي الأخير بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، حيث أصبح من الممكن النظر إلى نسبة كبيرة من سكان البلدان بوصفهم عبئاً غيرَ مُنتج، إن لم يكونوا مجرَّدين من إنسانيتهم.
وكما يعرض فيلم "نازا"، يعلّق أفراد من الجيش الإسرائيلي على استخدام الذكاء الاصطناعي قائلين: "نعم، كان من السهل جعل الذكاء الاصطناعي شريكاً في صنع القرار... كنا نصغي إليهم (الفلسطينيين) ليلاً ونهاراً، وكنتَ تشعر وكأنك ملك وأنت تتنصت على أحاديث الفلسطينيين".[9]
يتزايد الضغط للتخلي بهدوء عن الديمقراطية الليبرالية لمصلحة ما تسميه نعومي كلاين Naomi Klein وأسترا تايلور Astra Taylor "فاشية نهاية الأزمنة"، في كتابهما الصادر حديثاً. وترى الكاتبتان أن الأوليغارشية التي تضم أصحاب المليارات تتكيف مع مستقبل كارثي من خلال بناء ملاجئ محصّنة تحميها، والسماح بوقوع كوارث نهائية تؤدي إلى خفض حجم سكان العالم إلى المستوى الذي تريده.[10]
وتستند "المالتوسية" إلى ما تطرحه من تصورات عن تهديدات للاستدامة الديمغرافية، ناجمة عن نمو السكان بمعدلات تتجاوز الزيادة في الإنتاج الزراعي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات المجاعة وتكرار حدوث المجاعات.
 
 
*دانيال فالكون Daniel Falcone: مؤرخ وصحفي ومدرّس أميركي، وطالب دكتوراة في برنامج التاريخ العالمي بجامعة سانت جونز في نيويورك. يتركز اهتمامه البحثي على ثورات العام 1848 واللاجئين السياسيين الذين لجأوا إلى نيويورك، وعلى تاريخ الذاكرة السياسية. وهو عضو في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين" في أميركا، تتناول كتاباته قضايا التاريخ والسياسة الأميركية والعلاقات الدولية وفلسطين. ويعمل مدرّساً للعلوم الإنسانية في المدرسة الدولية التابعة للأمم المتحدة في نيويورك.
*ريتشارد فولك Richard Falk: أستاذ فخري للقانون الدولي وأستاذ كرسي ألبرت ج. ميلبانك في جامعة برينستون، ورئيس كرسي القانون العالمي في جامعة كوين ماري بلندن، وباحث مشارك في "مركز أورفاليا للدراسات العالمية" بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا.
- نشر هذا الحوار تحت عنوان: Gaza Futuricide
 
الهوامش:
1. يوفال أبراهام وراشيل شور، إخراج، "نازا" NAZA (المملكة المتحدة: The Guardian وJW Films)، 2026، فيلم وثائقي.
2. الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتُمد في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1966، ودخل حيّز النفاذ في 23 آذار (مارس) 1976، مجموعة معاهدات الأمم المتحدة، المجلد 999، الصفحة 171، المادة 6؛ والأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اعتُمد في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1966، ودخل حيّز النفاذ في 3 كانون الثاني (يناير) 1976، مجموعة معاهدات الأمم المتحدة، المجلد 993، الصفحة 3، المادة 11. 
3. Becky Sullivan, “What Is ‘Domicide,’ and Why Has War in Gaza Brought New Attention to the Term?” NPR, February 9, 2024,
202402091229625376domicide israel gaza palestinians. 
;
4. يوفال أبراهام وراشيل شور، إخراج، "نازا" NAZA (المملكة المتحدة: The Guardian وJW Films)، 2026، فيلم وثائقي.
5. الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة، 26 حزيران (يونيو) 1945، مجموعة معاهدات الأمم المتحدة.
6. الأمم المتحدة، "الأمم المتحدة في جنوب أفريقيا: الأمم المتحدة شريك في النضال ضد الفصل العنصري".
7. National Council for Curriculum and Assessment (NCCA), The BIG Thinkers: Leaving Certificate Politics and Society—André Gunder Frank,
media2831andre gunder frank.pdf. 
;
8. Steven Kosiak, “Trump’s $1.5 Trillion Defense Budget Request: Unhinged, Unaffordable, and Unnecessary,” Quincy Institute for Responsible Statecraft, April 14, 2026,
researchtrumps 1 5 trillion defense budget request unhinged unaffordable and unnecessary.
 
9. يوفال أبراهام وراشيل شور، إخراج، "نازا" NAZA (المملكة المتحدة: The Guardian وJW Films)، 2026، فيلم وثائقي.
10. Naomi Klein and Astra Taylor, End Times Fascism: And the Fight for the Living World (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2026).