عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Jul-2026

أمهات غزة.. الفقد والنزوح وضغوط نفسية وجسدية

 الغد

غزة – في إحدى الغرف المخصصة للاستماع إلى طالبي الدعم النفسي في مركز برنامج غزة للصحة النفسية، جلست امرأة ترتدي جلباباً أزرق وغطاء رأس كحلي.
لم يلفت حضورها الانتباه في البداية، غير أن دقائق قليلة من الحديث كانت كافية لتكشف عن سلسلة من المآسي والتحديات التي ما تزال تثقل ذاكرتها وتفرض حضورها على تفاصيل حياتها اليومية.
 
 
استقبلتها الاختصاصية النفسية كارولين الكردي لتقييم حالتها، وبدأت الاستماع إلى شكواها، ليتبين أن مأساة السيدة بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، حين فقدت زوجها وعددا من أبنائها إثر قصف منزلها، في مجزرة أودت بحياة نحو 35 فرداً من عائلتها.
نجت السيدة التي طلبت عدم كشف هويتها، من القصف بعد انتشالها من تحت الركام برفقة 4 من بناتها وطفلها الذي لم يكن يتجاوز عمره 7 أشهر آنذاك.
ومنذ ذلك الحين، وهي تواجه واقعاً ثقيلاً بعد أن وجدت نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية رعاية أطفالها، وسط ضغوط نفسية هائلة.
وبعد تدمير منزلها، اضطرت إلى النزوح والإقامة في غرفة مكتظة داخل منزل عائلتها، تتقاسمها مع إخوتها وأسرهم، في ظروف زادت من أعبائها اليومية.
من خلال عملها مع الأرامل في غزة، تشير كارولين والتي تعمل في برنامج غزة للصحة النفسية، إلى أن الصدمات المتراكمة والفقر وضغوط النزوح أسهمت في انتشار أعراض اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب بين كثير من الحالات
بعد أن أنهت جلستها مع السيدة، بينت الكردي حجم المأساة التي تعيشها قرابة 28 ألفا و224 أرملة في قطاع غزة، بحسب أحدث إحصائية وزارة التنمية الاجتماعية.
وقالت إن الأرملة لا تواجه مجرد صدمة فقدان شريك حياتها، بل تجد نفسها أمام "صدمة مركبة"؛ فهي تفقد مع زوجها شبكة الدعم الاجتماعي بأكملها، ليغيب معها أمانها واستقلاليتها، وتدخل مرحلة من "التبلد العاطفي" تمنعها حتى من أخذ فترة الحداد المفروضة عليها نظراً لجسامة الأعباء المتراكمة.
وتتحول الأرملة، وفق الكردي فجأة من زوجة إلى "أب وأم والمعيل الوحيد"، وهو ما يولد لديها آليات دفاعية قاسية، فتضطر لكبت حزنها وتستخدم "الإزاحة" نحو أطفالها لتؤجل مشاكلها وتلبي الاحتياجات الأساسية كالماء والطعام.
وتوضح أن هذا الإنهاك اليومي المرتبط بتعبئة المياه والوقوف على طوابير التكية للحصول على الطعام، يولد لدى الأرملة شعوراً مستمراً بالذنب والعجز حيال عدم القدرة على ملء الفراغ الذي خلفه غياب الأب.
فقد وفقر وضغوط
ومع تدهور جودة الحياة والاعتماد الكلي على المساعدات، تجد الأرملة نفسها محاصرة بين خيارين كلاهما مرّ: إما البقاء في خيمة مستقلة يهددها الجوع، أو الانتقال للعيش مع عائلة الزوج في مساحة ضيقة ومكتظة تخلق ضغوطاً اجتماعية ونفسية إضافية.
هذه الظروف القاسية أدت إلى تفشي اضطرابات نفسية حادة بين الأرامل؛ حيث تقدر نسبة الإصابة بأعراض "اضطراب كرب ما بعد الصدمة" بين الأرامل اللواتي عملت الكردي معهن، بنحو 80 %، بينما تتراوح نسبة الإصابة بالاكتئاب الجسيم ما بين 30 % إلى 40 %. ويرافق ذلك فقدان الوزن الحاد، واضطرابات النوم، والشعور الدائم بالعجز، وصولاً في حالات عديدة إلى أفكار وأمنيات الموت، بحسب الاختصاصية النفسية.
وسط هذا الكم الهائل من اليأس والضغط البيئي والنفسي، تستحضر كارلوين "حالة قاسية ومؤلمة لا تنمحي من الذاكرة" وهي حالة سيدة حاولت الانتحار فعلياً حين وجدت نفسها مع أطفالها الأربعة بلا مأوى، ولم يكن أمامها خيار إلا الإقامة لدى أسرتها أو أسرة زوجها، إذ كانت كلتا العائلتين تعيشان ظروف نزوح صعبة داخل خيام مكتظة.
ومع تراكم الضغوط وفقدان أي أفق لتحسن أوضاعها، حاولت إنهاء حياتها بتناول كمية كبيرة من الأدوية، قبل إنقاذها وإحالتها لتلقي الدعم النفسي.
ماذا يعني غياب العلاج؟
توضح الطبيبة النفسية نور حسان، مديرة مركز غزة المجتمعي التابع لبرنامج غزة للصحة النفسية أن ما يواجه قطاع الخدمات الصحية النفسية في غزة من تحديات جسيمة تتمثل بنقص حاد ومستمر في الأدوية النفسية الأساسية، يهدد بانتكاس الحالات، مشيرة الى صعوبة الوصول للفئات المتضررة بسبب وعورة المواصلات وخطورة بعض المناطق، بالاضافة الى ضغط هائل على الكوادر الطبية والنفسية المتبقية في القطاع، وسط نقص حاد في الاختصاصيين المتخصصين.
وتحذر نور من خطورة إهمال الدعم النفسي بسبب ما يعرف بـ"الوصمة الاجتماعية"، أو قلة الإمكانيات، مؤكدة أن ذلك يؤدي إلى تداعيات كارثية بينها، تدهور نفسية الأم، وتحول الحزن الطبيعي إلى اكتئاب مزمن، وانعزال تام، وظهور أفكار سوداوية أو ميول انتحارية.
وتوضح الطبيبة نور أن عمق المأساة في غزة يجعل من مصائب الأرامل حالة مفتوحة لا تصل بسهولة إلى مرحلة "التقبل"، كما يحدث في سياقات أخرى من العالم.
وتقول أن الفقد هنا ليس فردياً، بل هو مركب ومستمر، يتزامن مع خسارة الأقارب، هدم المنازل، والنزوح القاسي، وبسبب قسوة الواقع وحتمية حماية الأبناء، تضطر الأرملة إلى كبت مشاعرها وتأجيل حزنها قسراً، وهو ما لا ينهي الألم، بل يحوله لاحقاً إلى اضطرابات نفسية وأمراض جسدية مزمنة".
وتضيف أن الأرملة تنتقل في غزة من شريكة حياة إلى مسؤولة وحيدة عن أسرة كاملة، وهو انتقال مفاجئ يدفع العقل البشري للدخول فيما يسمى بـ "وضع البقاء الذاتي". وفي هذه المرحلة، يلغي العقل مؤقتاً كافة الاحتياجات العاطفية والجسدية للأم، ويوجه كامل طاقتها لهدف واحد وهو تأمين الماء والغذاء للأطفال.
ومع استمرار هذا الوضع دون دعم، تعاني الأم من صراع وعجز عاطفي، وتتولد لديها مشاعر ذنب وإرهاق تام حين تعجز عن تلبية أبسط طلبات أطفالها.
وبالرغم من أهمية غرف الدعم النفسي التي توفر مساحة آمنة لبعض الأرامل للتعبير عن آلامهن وتلقي المساندة المتخصصة، فإن هذه الجلسات لا تصل إلى آلاف أخريات يواجهن صدمات الفقد في أماكن نزوحهن.-(وكالات)