إعادة رسم الجغرافيا الخفية.. هل دخل الأردن مرحلة كسر قواعد الاشتباك في الجنوب السوري؟*د.ميساء المصري
الغد
لم تعد الضربات الأردنية داخل العمق السوري حدثًا يمكن احتواؤه ضمن الرواية التقليدية لـ»مكافحة التهريب». هذا التوصيف، رغم صحته الجزئية، بات قاصرًا عن تفسير ما يجري فعليًا على الحدود الشمالية للأردن. نحن أمام تحوّل أعمق، انتقال تدريجي من إدارة تهديدات تكتيكية إلى التعامل مع بنية أمنية– اقتصادية معقدة تشكّلت في فراغ الدولة داخل الجنوب السوري.
عملية «فجر الأحد» لم تكن مجرد رسالة ردع، بل إعلان غير مباشر بأنّ عمّان لم تعد ترى الخطر عند خط الحدود، بل في الجغرافيا التي تُنتجه. وهذا بحد ذاته تغيير جوهري في العقيدة الأمنية الأردنية، من الدفاع إلى المبادرة، ومن الاحتواء إلى التفكيك.
الجنوب السوري، وتحديدًا السويداء ومحيطها، لم يعد هامشًا معزولًا كما كان يُقدَّم لسنوات، بل تحوّل إلى عقدة تشغيل في اقتصاد ظل عابرا للحدود، تتداخل فيه شبكات تهريب، قوى محلية مسلحة، ومصالح إقليمية تستثمر في الفوضى أكثر مما تسعى لإنهائها. في مثل هذه البيئات، لا تعود الحدود خطوطًا سيادية بقدر ما تصبح مسارات مفتوحة لحركة النفوذ والمال والسلاح.
ما يلفت الانتباه ليس الضربة بحد ذاتها، بل ما أعقبها من تصعيد في الخطاب المحلي داخل الجنوب السوري كتهديد حكمت الهاجري للأردن. هذا الارتفاع المفاجئ في نبرة السيادة والرد لا يمكن قراءته فقط كرد فعل عاطفي، بل كمؤشر على أنّ الضربة لامست شبكة مصالح حقيقية، وليست مجرد مجموعات تهريب معزولة. عندما يتضخم الخطاب، فغالبًا ما يكون ذلك تعويضًا عن اختلال ميداني.
الأردن، في المقابل، يتصرف ببراغماتية باردة. لا إعلان حرب، ولا انزلاق إلى مواجهة مفتوحة، لكن في الوقت ذاته توسيع تدريجي لهامش العمل العسكري خارج الحدود، وفق قاعدة واضحة، التهديد المستمر يُقابل بضربات مستمرة، أينما كان مصدره. هذه المقاربة تعكس إدراكًا بأنّ ترك الجنوب السوري كمنطقة رخوة لم يعد خيارًا، بل مخاطرة بنيوية على الاستقرار الداخلي.
الأخطر في المشهد ليس ما هو معلن وما نراه، بل ما يُفهم ضمنًا. الحديث المتكرر عن شبكات حماية، تسليح نوعي، وقدرة على إعادة إنتاج التهريب رغم الضربات، يفتح الباب أمام فرضية أكثر تعقيدًا، أنّ اقتصاد الظل في الجنوب السوري لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا من توازنات غير معلنة، تُدار أحيانًا بالتغاضي، وأحيانًا بالتوظيف السياسي، من قبل قوى فاعلة.
في هذا السياق، تبدو الضربات الأردنية محاولة لكسر نمط مستقر من الفوضى المُدارة. وهنا تحديدًا تكمن حساسية المرحلة، لأنّ أي مساس بهذه التوازنات غير المعلنة قد يستدعي ردود فعل غير متوقعة، ليس بالضرورة من الفاعلين المحليين فقط، بل من الأطراف التي تستفيد من بقاء هذا الواقع كما هو.
نحن، إذًا، أمام لحظة انتقالية. ليس لأنّ ضربة عسكرية وقعت، بل لأنّ تعريف التهديد نفسه يتغير. الأردن لم يعد يواجه مهربين، بل بيئة كاملة تنتج التهديد وتعيد تدويره. ومع هذا التحول، تصبح العمليات العسكرية أقل شبهًا بـ»الرد»، وأكثر قربًا من كونها إدارة مستمرة لصراع مفتوح بلا خطوط واضحة.
السؤال الحقيقي لم يعد، هل نجحت الضربة؟ بل لنقل إلى أي مدى يستطيع الأردن الاستمرار في هذه المقاربة دون أن يتحول الاحتكاك المحدود إلى انخراط أعمق في ساحة شديدة التعقيد؟
الخلاصة عزيزي القارئ، في الشرق الأوسط، لا تبقى الفراغات فارغة طويلًا. ومن يحاول إعادة رسمها، عليه أن يكون مستعدًا لما هو أكثر من مجرد ضبط الحدود.