عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Sep-2026

ما يحدث بالضفة جنون

 الغد

هآرتس
يولي نوفيك
18/9/2026
 
 ما يحدث في الضفة الغربية اليوم يبدو كجنون محض: رجال ملثمون يركبون في سيارات تندر ويتوجهون بسرعة نحو القرى، عائلات تهاجر، بيوت يتم إحراقها، أشجار زيتون تقتلع، طفل يقتل، ثم آخر ثم آخر. هذه مشاهد مخيفة، ومع ذلك أصبحت مألوفه. أمام هذا الواقع يتساءل كثيرون: كيف يمكن أن تكون هذه هي الدولة التي اعرفها؟.
 
 
 لكن ما يترسخ في الوعي الإسرائيلي هو اللحظات المتطرفة في المقام الأول. أما الحياة اليومية لحوالي 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية لا تصل إلى وسائل الإعلام: رحلة قصيرة تتحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، طفل لا يصل إلى المدرسة، قوات تقتحم بيت في الليل وتقوم باختطاف أحد أبناء العائلة بدون معرفة إلى أين. العنف شامل، هو يستهدف الملايين ويفاقم انعدام الأمن وعدم اليقين في حياتهم اليومية. منذ تشرين الأول 2023 قتل أكثر من 1100 فلسطيني في الضفة الغربية، وتم طرد عشرات التجمعات السكانية.
مشروع المحو، وهو التقرير الذي نشر في هذا الأسبوع في موقع "بتسيلم"، يستند إلى أكثر من 2000 شهادة وبحث في السياسة الإسرائيلية. سعينا إلى فهم ما يحدث عندما يستخدم العنف والإرهاب، والسيطرة والطرد، وتقييد الحركة والخنق الاقتصادي، والتفكيك الاجتماعي والسياسي معا، ضد مجتمع بأكمله. ما يبدو فوضى عارمة يتحول إلى منطق وهدف.
 لسنوات كان يمكن القول إن السيطرة على الضفة الغربية هي وضع مؤقت ومنفصل: إسرائيل "الديمقراطية" هنا، والاحتلال هناك؛ المستوطنون العنيفون هم متطرفون وهذه ليست الدولة؛ وسيأتي يوم يتم فيه التوصل إلى اتفاق. في السنوات الأخيرة اصبح يصعب التمسك بهذه الرواية. لقد كرس قانون الدولة القومية السيادة القومية اليهودية؛ وأعلنت المبادئ التوجيهية الأساسية للحكومة "الحق الحصري وغير القابل للتصرف" للشعب اليهودي في كل الأراضي، وفي الضفة الغربية يكاد يكون من المستحيل التمييز بين المستوطن والجندي. لكن الكارثة الحالية مبنية على مشروع أقدم بكثير: الطرد الذي حدث في 1948 ومنع العودة، والحكم العسكري، وبعد ذلك الاحتلال والاستيطان. من اجل فهم هذا التسلسل يجب التساؤل عما يحدث عندما يتحقق التطلع إلى السيادة اليهودية في مكان يعيش فيه شعب آخر بالفعل.
الصهيونية التي اعرفها من البيت لم تكن تبدو لي على الإطلاق مشروع استعماري. جاءت جدة أمي من المغرب في خمسينيات القرن الماضي مع بناتها. كانت امرأة متدينة تحلم بالقدس وتريد أن تدفن فيها. جاء جدي وجدتي لابي من بلجيكا بعد الكارثة، التي فقدا فيها معظم أبناء عائلتهم، وكانا يبحثان عن مكان يمكنهم فيه العيش بأمان كيهود. هذه قصص حقيقية لي ولغيري، وهي تفسر الهجرة، وليس المشروع السياسي.
 الاستعمار الاستيطاني ليس هو الكولونيالية المعروفة لدولة عظمى جاءت لاستغلال مكان معين وبعد ذلك تعود إلى ديارها، بل هو مشروع استيطاني دائم، يصل فيه شعب إلى مكان يعيش فيه شعب آخر، ويسعى إلى فرض سيادته عليه. هذا ليس مفهوم يضاف إلى مشروع ما بأثر رجعي بناء على نتائجه، بل يمكن تحديد خصائصه فيما يسعى إلى تحقيقه: الاستيطان الدائم، مؤسسات والسيطرة على الأرض. لا يتم تحديد هذا المشروع بنوايا القادمين، بل بالنظام السياسي الذي أنشئ بالفعل. بكلمات أخرى، السؤال ليس لماذا جاءت عائلاتنا، بل ما الذي حدث هنا عندما تحقق هذا المشروع، وماذا تم فعله بمن يعيشون هنا أصلا.
 عندما يسعى مشروع كهذا إلى احتكار السيادة يصبح الوجود الجماعي للشعوب الأخرى أمر يجب إلغاؤه وإزالته. هذا هو منطق المحو. لكن الفلسطينيين، من استطاع منهم، بقوا، لأنهم أيضا لا يملكون وطن آخر. هكذا، إلى جانب المحو، بني نظام فصل عنصري يسمح بالحفاظ على الهيمنة اليهودية في مكان يعيش فيه ملايين الفلسطينيين. من هنا يظهر سؤال الحاضر والمستقبل: ما هو النظام السياسي الذي سيمكن كل سكان هذه البلاد من العيش فيها بدون هيمنة أو قمع؟.
 يسهل اعتبار العنف في الضفة الغربية مجرد فعل لقلة من "مجانين التلال"، لكن عدد من الشباب في سيارات الجيب لا يمكنهم السيطرة على مليون دونم تقريبا، وإقامة مئات البؤر الاستيطانية وطرد عشرات التجمعات السكانية. من اجل تحقيق ذلك لا بد من دولة: أرض، ميزانيات، بنى تحتية، حماية عسكرية، نظام يخضع فيه الراعي الفلسطيني للقانون العسكري، المستوطن الإسرائيلي يخضع للقانون المدني، وشعب مستعد لتقبل كل ذلك. هذا هو مشروع المحو: ليس عنف قلة من المتطرفين، بل نشاط دولة تفكك الظروف التي تسمح للفلسطينيين بالبقاء في الضفة الغربية والعيش فيها كمجتمع.
 إذا كانت المشكلة تكمن في ايتمار بن غفير فيمكن استبداله؛ وإذا كانت المشكلة هي في بضع المئات من المستوطنين فيمكن وقفهم؛ وإذا كانت المشكلة في حكومة متطرفة فيمكننا اختيار حكومة أخرى. أما إذا كانت المشكلة في نظام طبع كل هذه الأمور وسمح بتوسعها، فيجب علينا محاربة هذا النظام نفسه، وبناء نظام جديد هنا لا يقوم على سيادة اليهود وسيطرتهم، بل على الحرية والمساواة والأمن لجميع سكان هذه البلاد.