الغد
هآرتس
ضياء حاج يحيى 4/11/2026
يبدو حي الجلدة في الخليل، في صباح اليوم التالي لانسحاب الجيش، كمنطقة تحاول التعافي من آثار الحرب. ففي كل شارع تقريبا، تعمل فرق على إزالة الأنقاض والدمار الذي خلفته المركبات الإسرائيلية. ويقوم العمال بتنظيف الطرق من الأتربة، في حين يعتني آخرون بالحدائق المتضررة، ويعمل السكان على إخراج الأثاث والأجهزة والمعدات التالفة من بيوتهم.
ويعود أصحاب المحلات التجارية إلى محلاتهم ومكاتبهم التي أُغلقت لمدة 11 يوما، ويحاولون تقييم الأضرار. وتتجول فرق إعلامية أجنبية بين العمال والسكان لتوثيق ما تبقى، فيما تكاد جميع الأحاديث تعود إلى الأيام التي تحول فيها الحي إلى مجمع عسكري مغلق.
على مدى 11 يوما، سيطرت قوات الجيش على أجزاء من حي الجلدة والمناطق المحيطة به، بما في ذلك المباني السكنية والمراكز التجارية والمكاتب والمحلات التجارية. وبدأ النشاط العسكري قبل نحو أربعة أيام من الانتخابات، إثر مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين بإطلاق نار في منطقة الخليل.
وفي أعقاب الحادث، شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية في الأحياء التي كان يعيش فيها منفذو الهجوم، وهما الجلدة ودير باحا، اللذان يُعدان من المناطق المكتظة بالسكان في الخليل. وقال السكان إنهم أُجبروا على مغادرة بيوتهم بسرعة، وأحيانا من دون أن يتمكنوا من أخذ ملابسهم أو أدويتهم أو وثائقهم الشخصية.
وتمركزت قوات الجيش الإسرائيلي داخل المباني السكنية والتجارية، واستخدمت بعض الشقق، بحسب أقوال السكان، نقاطا للمراقبة. وأُغلقت الشوارع أمام حركة السير، وتوقفت الأنشطة التجارية، ووجدت عائلات بأكملها نفسها خارج بيوتها، من دون أن تعرف متى ستتمكن من العودة إليها أو كيف ستجدها.
لكن حتى بعد انسحاب القوات، لا يزال هذا الحادث بعيدا عن الانتهاء بالنسبة إلى كثير من السكان. ففي أحاديث مع صحيفة "هآرتس"، وصف أصحاب البيوت والشركات أضرارا كبيرة لحقت بممتلكاتهم، وتخريبا للأثاث والمعدات، واختفاء أجهزة الحاسوب والكاميرات والأجهزة الإلكترونية الثمينة.
وأفاد كثير من السكان، في شهاداتهم، بأنهم وجدوا آثارا لاستخدام ممتلكاتهم الشخصية، بما في ذلك ملابس أُخرجت من الخزائن، وفي بعض الحالات حتى ملابس داخلية نسائية. وقال آخرون إنهم عثروا على بول داخل الخزائن، وكميات كبيرة من الأوساخ، وأشياء مبعثرة في أرجاء البيوت.
وتضاف إلى ذلك الأضرار الاقتصادية الكبيرة التي لحقت بالشركات، إذ فقد بعضها معدات مهنية تُقدّر قيمتها بعشرات آلاف الشواقل. ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي رد.
وبحسب شهادات السكان، يتضح أن الأضرار لم تقتصر على الجوانب المادية. فبالنسبة إلى العائلات التي أُجبرت على مغادرة بيوتها، كانت الأيام الـ11 فترة من انعدام اليقين، توقفت خلالها أنماط حياتهم اليومية فجأة. وتوزع بعض السكان على بيوت الأقارب والمعارف، في حين عجز أصحاب الأعمال عن الوصول إلى مكاتبهم.
وفي حي تكثر فيه المكاتب والمحلات التجارية ومراكز الخدمات، تسبب الإغلاق الطويل أيضا في خسارة الدخل، وتعطيل النشاط المهني، وتلف المعدات التي يصعب استبدالها في كثير من الأحيان. والآن، بعد إعادة فتح الشوارع، يحاول السكان استعادة الشعور بالأمان الذي تضرر خلال تلك الأيام.
ومن بين هؤلاء السكان منذر مجاهد. ففي بداية العملية العسكرية، أُجبر مجاهد على توديع زوجته وطفليه الصغيرين: طفلة تبلغ من العمر سنتين، ورضيع عمره شهر واحد.
وحسب قوله، كان موجودا في مكان قريب عندما وصل الجنود إلى المنطقة، لكنه لم يتمكن من العودة إلى بيته. وحاول الوصول إلى عائلته عبر المدخل الخلفي، إلا أن الشوارع كانت مغلقة. واضطرت زوجته وطفلاه إلى الإخلاء بمفردهم، من دون أن يتاح لهم الوقت لجمع المؤن الأساسية. ولمدة ثلاث ساعات، لم يكن يعرف أين هم أو ماذا حدث لهم.
واجتمعت العائلة بعد ثلاث ساعات، لكن 11 يوما أخرى مرت قبل أن يُسمح لها بالعودة إلى بيتها. وحسب مجاهد، لم يتمكن أفراد العائلة من العودة إلى منزلهم لمدة أسبوعين لاستعادة الملابس والأدوية وبطاقات الهوية والأغراض الضرورية. واضطروا إلى الاعتماد على مساعدات الأقارب والجيران، الذين وفروا لهم مكانا للنوم وبعض الاحتياجات الأساسية.
وأخيرا، عندما عادوا إلى الجلدة، اكتشفوا حجم التغييرات التي شهدها الحي خلال غيابهم. وقال مجاهد: "أُصبت بالصدمة مما شاهدته. كنت أعرف بوجود بعض الأضرار، لكنني لم أتوقع حجمها. أُصبت بالصدمة مما تركوه خلفهم. دُمّر الأثاث والأغراض الشخصية، واستخدموا أدواتنا أيضا".