من هو الديكتاتور الأكبر المتحكم بالعالم؟*د. محمود أبو فروة الرجبي
الغد
يعيش العالم اليوم مرحلة غير مسبوقة من إعادة تشكيل الوعي الإنساني، لكن هذه المرة لا يتم ذلك عبر الجيوش أو الاحتلال العسكري التقليدي، بل عبر خوارزميات غير مرئية تتحكم بما نراه وما لا نراه، وبما نفكر فيه وما يُراد لنا ألا نفكر فيه. لذلك يمكن القول بقوة إن الديكتاتور الأكبر في العالم أصبح هو الخوارزمية؛ ذلك النظام الرقمي الصامت الذي يقرر أي فكرة تستحق الانتشار، وأي صوت يجب دفنه. وهذا يعني ببساطة أنها القادرة وحدها على أن تسمح أو لا تسمح لأي محتوى بالانتشار.
في الماضي، حاولت السينما وبعض وسائل الإعلام الكبرى صناعة إنسان استهلاكي منشغل بالمتعة السطحية، بعيد عن التفكير النقدي وروح المقاومة الثقافية والسياسية. لكن تلك الأدوات لم تكن حاكماً مطلقاً؛ إذ وجدت الصحافة الحرة، والكتب، والمدارس، وبعض المؤسسات الدينية والفكرية كقوى قادرة على إعادة التوازن. وكانت أساليب الانتشار بين الناس متعددة، ولا يتحكم بها إنسان واحد. لكن اليوم تغير المشهد جذرياً؛ لأن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المحتوى، بل أصبحت هي التي تصنع الواقع نفسه وتتحكم به. ورغم وجود مجموعة من المالكين لهذه المنصات، فإنها تتشابه في طرق توزيع المحتوى والتحكم به، ومنع بعض أنواع المحتويات مثل المحتوى المؤيد للسردية الفلسطينية، أو المقاوم للرأسمالية العالمية، أو الاحتكار، أو ما شابه.إن منصات التواصل الاجتماعي، ثم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ثم الإعلام التقليدي بدرجة أقل، باتت تتحكم بطريقة تفكير الناس، وتشكيل ذائقتهم، وتحديد أولوياتهم. فالإنسان لم يعد يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له الخوارزمية أن يراه. وفي هذا السياق، تشير دراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات بعنوان: «خوارزميات الصمت والصدى وآليات إعادة إنتاج الروايات المتصارعة خلال الحرب على غزة عبر منصة إنستغرام» للباحثة هبة نصار رغام، إلى أن الخوارزميات «لم تعد «بنية تحتية» خفية، بل البنية ذاتها؛ إذ لا تعمل شبكات التواصل الاجتماعي على عرض المحتوى فقط، وإنما توليد السياق الذي يمكن المحتوى من أن يُرى أو يُنسى، يُسمع أو يُلغى». وتؤكد نصار في الدراسة نفسها أن «»غرف الصدى» ليست مجرد مجاز، بل هندسة رقمية تقوي الاعتقادات المتشابهة، وتحاصر الروايات البديلة؛ ما ينتج نوعاً من العزلة الإدراكية الطوعية».
وهذه الدراسات وغيرها من الدراسات العربية والأجنبية تؤكد أن خطورة الخوارزميات لا تتوقف عند حدود توجيه الأفكار، بل تمتد إلى إعادة تشكيل طبيعة الإنسان نفسه.
ويمكن هنا الإشارة إلى تقرير Ranking Digital Rights: The 2025 Big Tech Edition الذي يذكر أن مؤشره قيّم 14 شركة من كبرى شركات التكنولوجيا، شملت 43 خدمة رقمية، وفق سياساتها وممارساتها في الحوكمة وحرية التعبير والخصوصية. وأظهرت النتائج أن أعلى شركة تقييماً لم تتجاوز 50 %، وهو ما يكشف فجوة واضحة في شفافية الشركات التقنية ومساءلتها بشأن الحقوق الرقمية للمستخدمين.كل ما سبق يؤكد أن الإنسان الحديث أصبح مستعمراً رقمياً دون أن يشعر. فالاستعمار الجديد لا يحتاج إلى احتلال الأرض، بل إلى السيطرة على مدخلات العقل. ومن يتحكم بالمنصات يتحكم بالعالم، لأن السيطرة على تدفق المعلومات أخطر من السيطرة على الحدود والجغرافيا. ولهذا لم يعد الحديث عن السيادة الوطنية أو الأمن القومي ممكناً بصورة كاملة في ظل وجود شركات تكنولوجية عابرة للدول، بل وعابرة للحرية، تتحكم بوعي الشعوب، وتستطيع التأثير في اتجاهات الرأي العام خلال ساعات قليلة.حتى المؤسسات التي كانت تاريخياً تصنع الوعي، مثل المدارس، وبعض المؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام التقليدية، أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً تابعاً للمنصات الرقمية، وتعيد إنتاج ما تفرضه الخوارزميات. فالصحفي، والمعلم، والداعية، ورجل الدين، أصبحوا جميعاً يسعون للظهور داخل نظام خوارزمي يتحكم بالانتشار والقبول والتفاعل.
وفي أوقات الحروب والأزمات يظهر هذا الخطر بصورة أوضح. وقد بينت دراسات عديدة أن الخوارزميات قيّدت المحتوى المؤيد للقضية الفلسطينية، في مقابل تشجيع الرواية الصهيونية، في العدوان على غزة، وغيرها من القضايا الخطيرة التي أشعلت منطقتنا العربية.ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي: هل توجد ديمقراطية داخل الدول؟ بل: هل توجد ديمقراطية داخل الخوارزميات نفسها؟ فالديمقراطية التي لا تصل إلى أنظمة التوصية، والحذف، والإخفاء، وترتيب المحتوى، ستظل ديمقراطية ناقصة.
ورغم وجود محاولات دولية لتقييد نفوذ هذه المنصات، فإن تأثيرها ما يزال محدوداً. ففي هذا السياق، فرض الاتحاد الأوروبي «قانون الخدمات الرقمية» الذي ألزم المنصات الكبرى بتوضيح أسباب حذف المحتوى أو تقييد الحسابات، وفرض عليها متطلبات تتعلق بالشفافية والرقابة على أنظمة التوصية والخوارزميات. لكن فاعلية هذه الإجراءات ما تزال محل نقاش، خاصة في ظل التسارع الهائل لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسع نفوذ الشركات التقنية.
إن الحل لا يكون برفض التكنولوجيا، بل بإخضاعها للمساءلة الأخلاقية والقانونية. المطلوب اليوم هو ضبط منصات التواصل الاجتماعي، وتفعيل أخلاقيات الصحافة والإعلام، وبناء خوارزميات ديمقراطية شفافة تسمح بالتعددية الفكرية، وتحمي حرية التعبير، وتمنع الاحتكار المعرفي.لقد آن الأوان أن تدرك الشعوب أن الشيطان الأكبر في العصر الحديث قد لا يكون دبابة أو طائرة أو جيشاً، بل خوارزمية صامتة تتحكم بالعقول، وتعيد تشكيل الإنسان وفق مصالح السوق والهيمنة الرقمية. ومن لا يملك خوارزميته، لا يملك وعيه، ومن لا يملك وعيه، لا يملك مستقبله.لذلك آن لنا في عالمنا العربي أن ندرك أن مفهوم الأمن القومي العربي الشامل لن يتحقق ما دامت أيادٍ معروفة وليست خفية تملك مجموعة من المنصات تتحكم بعقولنا، وبطريقة تفكيرنا، وتعيد تشكيل وعينا كي نكون مستعمرين بطريقة نشعر فيها أننا أحرار، ونحن لسنا كذلك في الغالب، للأسف.