الغد-عزيزة علي
تواصل مجلة "صوت الجيل"، الصادرة عن وزارة الثقافة حضورَها في المشهد الثقافي الشبابي، من خلال تسليط الضوء على إبداعات الشباب الأردني، وفتح مساحات للنشر أمام المواهب الجديدة في مجالات الأدب والفكر والفنون.
ويأتي العدد (41) من المجلة، ليؤكد هذا الدور عبر مجموعة متنوعة من المواد التي ترصد تجارب الكتاب الشباب، وتناقش قضايا ثقافية وفكرية راهنة، وتحتفي بالأصوات الإبداعية الجديدة في المملكة.
ويتضمن العدد مقالات ودراسات وحوارات ونصوصًا إبداعية شارك في إعدادها عدد من الأدباء والكتاب الشباب، إلى جانب زوايا ثابتة تتناول الأدب والترجمة والشعر والكتابة الإنسانية، إضافة إلى إضاءات على تجارب ثقافية ومشاريع إبداعية.
كما يقدم العدد مساحة خاصة لاستعادة علاقة الإنسان بالمكان والذاكرة من خلال "عتبة العدد"، التي كتبها رئيس التحرير الروائي جلال برجس بعنوان "الحينَ تسكنُنا الأمكنة"، مستعيدًا فيها صورة المكان الأول وأثره في تشكيل الوعي والكتابة.
ويكشف العدد عن تنوع التجارب المشاركة، من خلال الأبواب التي تضمنت أعمالًا نقدية وإبداعية وحوارات مع شخصيات ثقافية، فضلًا عن الاهتمام بالفنون التشكيلية عبر الأغلفة التي حملت أعمال عدد من الفنانات. ويأتي هذا التنوع انعكاسًا لجهود وزارة الثقافة وهيئة تحرير المجلة في متابعة الحراك الثقافي الشبابي، وإبراز طاقاته الإبداعية المتعددة.
عتبة العدد كتبها رئيس التحرير الروائي جلال برجس بعنوان "الحينَ تسكنُنا الأمكنة": (أيُّ بقعةٍ خدشتْ رئتيَّ فيها أولُ دفقات الهواء؟ إنّها "حنينا"، القرية التي تقف صورتها الأولى قبالة صورتها الراهنة؛ فقد تحولت إلى كومةٍ إسمنتية شرقية ببيوتها العتيقة، وغربيةٍ فعلت الهندسة فعلها فيها، فأنجبت بيوتًا حديثة.
"حنينا"، التي أعرفها هي نسخة العام 1977م، لا نسخة 2023م؛ بيوتٌ قليلة من الحجر والطين، تتناثر كالثآليل على ظاهر يدٍ حنطية اللون. صباحها سماءٌ يتصاعد فيها دخان الطوابين، كمردةٍ تبحث عن سرّ في طبقاتها العالية.
روائحها مزيجٌ من الندى والأشياء؛ قهوةٌ تُعد للمواعيد المبكرة، وخبزٌ طازج تُلقيه الأيدي على صيجانٍ تعتمر رؤوس النار. أيادي نساءٍ سمراوات، ممشوقات القوام، يقرفصن قرب النار كقفلة قصيدةٍ تتبع مدارج اللهفة. أصواتها: صياح الديكة وهي تقفّ بنرجسيّتها على الأقنان والسلاسل الحجرية. تهليلات جدّي وباقي الكهول وهم يفركون عيونهم بأول خيوط الشمس. صوت المهباش وهو يسحق حبات البنّ المحمّصة، معلنًا باب نهارٍ جديد. أجراس الماعز والشياه وهي تيمّم شطر المشارق، حيث الاخضرار البكر.
وأضاف؛ رأيتُ جدّي ذات مرة يحمل "دلّة"، القهوة العربية من بين حضن كومةٍ من جمر الجفت (نوى الزيتون)، ويمضي مسرعًا نحو رجلٍ بدا عليه الاستعجال، فلم يقبل دعوته إلى الغداء. سكب له ثلاثة فناجين من القهوة، شربها الرجل ثم غادر. قلتُ له يومها: لماذا أصررتَ على أن يشرب القهوة؟ أجابني، وهو يدفع بعقاله إلى الوراء: لأنّه ضيف، والضيف ضيف الله؛ فكيف لا أفعل ما رأيت؟ تساءلتُ من جديد: ولماذا القهوة تحديدًا؟
وأضاف؛ عدّل جدّي جلسته قرب "كانون"، يتّقد فيه الجفت، ويمنح اللحظة دفئًا في مواجهة برد شتاء تلك السنة. مسح على رأسي بيده، ثم طوّق كتفيّ بذراعه، وجذب جسدي الضئيل نحوه، وراح يشرح لي.. مرّت سنون طويلة، ولم أنسَ ما قاله جدّي عن الضيف والقهوة؛ لأنّه كان يقول ما يؤمن به. فالقهوة عند البدو تصريحٌ مجازيّ يفضي إلى الوئام والنشوة والكرامة.
ويتابع؛ يحلّ الضيف، فيُسقى ثلاثة فناجين: الأول للضيف؛ إذ له صدر المكان الآمن الذي لا لبس فيه، وله أعالي المحبة، وله ألّا يُسأل عن شيء إلا بعد ثلاثة أيام وثلث. والثاني للكيف؛ تجاوزًا للتعب، وعبورًا لما يهدّد صفو المسرّة، وصولًا إلى اتزان النظر والسمع والشم والذوق، كي تبتكر اللحظة معناها. والثالث للسيف؛ عهدٌ بين الضيف والمضيف على أن يتعاونا في ردّ أيّ عدوان.
قال: "إنّه سرّ الحنين؛ ذلك الذي يثير فينا، تارةً، رغبةً في البكاء، وتارةً أخرى يقذف بنا إلى ضفّةٍ طريفة من الحب. وربما هو زاويةٌ شعرية تُري كلَّ إنسانٍ ما في جهاته الأربع. أشيائي الأولى في "حنينا"، بقيت، مع مرور الأيام، كأنها الخيط الناظم لكلّ ما عشت".
وفي "البوابة الرقمية"، كتب الشاعر علي شنينات مقالًا بعنوان: "بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي". كما تضمّن باب "ملتقى الأجيال"، حوارًا بعنوان: "حوارٌ على طاولة صوت الجيل"، أجرتْه الكاتبة رنيم الربابعة مع الدكتور سلطان الزغول.
وأعد الشاعر أمين الربيع "مصفوفة العدد"، التي حملت عنوان: "الكتّاب الشباب في إربد: هل استلهمت أقلامهم روح المكان؟. وشارك فيها كل من: د. هشام مقدادي، ومحمود أبو عاشور، وكرامة شعبان، ودعاء صفوري، ورنا حتاملة.
وفي باب الأعمال الإبداعية الشبابية، الذي حمل عنوان "ورد بلدي"، نُشرت قصص وقصائد وخواطر ونصوص إبداعية لكل من: عهود السرحان، وأماني المبارك، وسهير الرمحي، وأوس عدنان، وتبارك الياسين، ومحمد ملوك، وسماح العارضة، وديما سعيد، وديما يوسف سلمان، ورزان البستنجي.
أما زاوية "خرائط البوح"، فقد خصصت للشاعر أحمد كناني، وحملت عنوان: "بلاغة المواسم وأغاني الحصّادين".
وفي "مختبر العدد"، وردت مجموعة من المواد، منها: "أسرار القلوب بين البوح والصمت في رواية (شمس الضاحية) لصفاء الطحاينة"، لموسى أبو رياش، "المنحى الوجودي وبناء التوازي النصّي في ديوان (الذي اقترف الرحيل) لحسام شديفات"، لسعيد بوعيطة، "الأدباء الشباب والترجمة"، لعلاء جابر، "الشعراء الشباب والقصيدة القصيرة"، لهمسة عوضي، "الشباب والإبداع: أمير اللواء علي خلقي باشا الشرايري (نموذجًا)"، لأحمد طلال الشرايري، "مملكة الكتابة الإنسانية: في ما بقي للإنسان ليكتبه، وما لا تستطيع الآلة كتابته"، لغاندي النعانعة.
وفي زاوية "مراسيل"، كتبت بيان أيمن صوفان موضوعًا بعنوان: "الأدباء الأردنيون الشباب ودورهم في الحياة الثقافية العربية"، بينما نشرت زاوية "نقوش"، مقالا للأستاذة الدكتورة ليندا عبيد عن "كرسي عرار".
وجاءت أغلفة العدد من أعمال التشكيليات: جود عبد الله العجارمة، وأريج محمد أبو فردة، وشيماء يوسف زريقات، وياسمين الهليس.
ويتضح من تنوّع الزوايا والمواد التي تضمنها العدد، ومن أسماء الأدباء والمبدعين المشاركين فيه، قدرة وزارة الثقافة وهيئة تحرير المجلة على متابعة المشهد الثقافي الشبابي في المملكة، وإبراز تجلياته الإبداعية المتنوعة بما يثري الحياة الثقافية.
وتتألف هيئة تحرير المجلة من: الروائي والشاعر جلال برجس (رئيسًا للتحرير)، والشاعر علي شنينات، والأديب والإعلامي جعفر العقيلي، والشاعر تيسير الشماسين (أعضاء هيئة التحرير)، والأستاذ محمد المشايخ (مدير التحرير)، والأستاذة فادية نوفل (سكرتيرة التحرير)، والدكتور أنس الزيود (المدقق اللغوي)، والأستاذ عبد الهادي البرغوثي (الإخراج الفني).