عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Sep-2026

ثمة نظام عالمي جديد آت.. ونحن لسنا مستعدين

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
مارغريت ماكميلان* – (نيويورك تايمز) 3/9/2026
 
عندما تكون ثمة عاصفة قادمة على الطريق، فإن العلامات دائمًا ما تكون هناك. ربما تهدأ الريح فجأة. ربما يخرج المدّ أبعد من المعتاد. وقد تبحر السحب هاربة على صفحة السماء.
 
 
ومن الممكن إساءة قراءة هذه العلامات -أو حتى تجاهلها؛ يمكن الإصرار على أن قطرات المطر ليست سوى زخة عابرة -إلى أن يفوت الأوان. ويكون عندئذٍ عندما تصل المتاعب الحقيقية.
وما يصح على الطقس يصح أيضاً على شؤون البشر. ثمة أنظمة تبدو قوية -حتى لا تعود كذلك. ومن السهل رؤية الثورات في الوطن والاضطرابات في النظام الدولي –وهي غالبًا شؤون متلازمة- لدى النظر إليها بأثر رجعي، لكنها لا تكون قابلة للتنبؤ بها على الدوام. ومع ذلك، إذا أمعنّا النظر فإننا سنجد غالباً أن العلامات كانت هناك.
سوف يحب أولئك منا الذين يعيشون في مجتمعات مستقرة ومنظمة نسبياً، أن يعتقدوا -كما فعل بطل فولتير غريب الأطوار، بانغلوس، الذي يسير متخبطًا من كارثة إلى أخرى- بأن "كل شيء يسير على ما يرام". قد نتذمر من الوضع الاقتصادي أو احتمال نشوب حرب أخرى بعيدة، أو نستمع بموافقة إلى الأصوات الراديكالية من كلا طرفي الطيف السياسي، لكننا لا نتوقع أن ينقلب عالمنا رأساً على عقب.
ويجدر بنا أن ننتبه أيضًا لتحذير كاتب فرنسي آخر. في رواية ألبير كامو "الطاعون" التي صدرت بعد الحرب، عندما ظهرت جرذان ميتة في شوارع مدينة وهران الجزائرية، وأُصيب الناس بمرض غامض، تجاهلت الحكومة المحلية ومعظم المواطنين العلامات حتى فات الأوان. ويقول الراوي في الرواية: "لقد شهد التاريخ أوبئة بقدر ما شهد حروبًا، ومع ذلك، دائمًا ما تأخذ الأوبئة والحروب الناس على حين غرة بنفس المقدار".
واليوم، ثمة الفئران النافقة في كل مكان. فقد سُجّلت أرقام قياسية جديدة في درجات الحرارة هذا الصيف، وتعرضت الأرض لموجات جفاف شديدة، واشتعلت حرائق الغابات. وتقترب ديون الاقتصادات المتقدمة من تسجيل مستويات قياسية. وقد تسببت تخفيضات المساعدات الطبية والغذائية، وخاصة التي أجرتها الولايات المتحدة، في حدوث وفيات غير ضرورية كان بالوسع تجنبها، وساهمت في انتشار الأمراض التي قد يتحول أحدها، آجلاً إن لم يكن عاجلًا، إلى جائحة عالمية أخرى. ويواصل الذكاء الاصطناعي صعوده السريع وغير المنظم، مهدداً الوظائف والأمن -وفي أسوأ السيناريوهات وجود البشرية نفسه.
وهناك القوى المناهضة للنظام القائم التي تتحدى القواعد والأعراف مع الإفلات من العقاب. والناخبون غاضبون ومتقلبون. والدبلوماسية البطيئة المثابرة والسرية بالضرورة، التي تبني الثقة والتفاهم، أخلت مكانها لأسلوب استعراضي وقح يناسب فترات الانتباه القصيرة المرهَقة التي شوهها الإيقاع السريع لمحتوى "تيك-توك" أو ميادين الألعاب.
سجل "برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات" 65 نزاعًا حدثت بين الدول في العام الماضي -وهو أعلى رقم يتم تسجيله منذ العام 1946. وتجد القوى العظمى نفسها غارقة في حروب غير متكافئة مع دول تستغل التقنيات الحديثة إلى أقصى الحدود. ما تزال الحرب التي شنّها فلاديمير بوتين في أوكرانيا، والتي كان من المفترض أن تُحسم في غضون أيام، تجر أقدامها داخلة ببطء في عامها الخامس. ومن جهتها، سيطرت إيران، التي تستخدم طائرات مسيّرة رخيصة الثمن يتم إنتاجها بكميات كبيرة لمهاجمة القوات الأميركية وحلفائها، -ربما بشكل دائم- على ممر حيوي للتجارة العالمية، وخفضت بشكل كبير مخزونات الصواريخ الأميركية، وأغرقت الرئيس ترامب في حرب كانت من اختياره.
وليس اندلاع حرب عالمية حتميًا، لكنّ خطر نشوب صراع كارثي بين قوى عظمى ومسلحة جيدًا أصبح الآن أقرب مما كان عليه لعقود.
مثل سكان وهران في رواية كامو، نجد أنفسنا مترددين -لأسباب مفهومة- في الاعتراف بحجم التغيرات التي طرأت على العالم. فالمشاكل شائكة ومعقدة ومرهقة بحيث من الأسهل إدارة الوجه بعيدًا عنها. ولذلك نقضي إجازاتنا على الشواطئ بينما تستعر الحرائق في الغابات؛ ونسأل الذكاء الاصطناعي عن كيف ندرب جروًا صغيرًا، وكيف نكتب هذه الرسالة أو تلك، ونطالبه بأن يفكر في ما ينبغي أن نفكر فيه نيابةً عنا. ونأمل أن تنتهي الحروب، وأن تُعاد بناء الضوابط والمؤسسات والتحالفات، وأن يتعافى العالم كما نعرفه ويصمد.
لكن واقعًا جديدًا حلّ بسرعة مذهلة. وفيه شرع النظام العالمي الذي صمد طوال معظم حياتنا بالتآكل عندما استرخى الذين في داخله وتهاونوا، وعندما ازداد التسامح مع -بل وحتى استحسان السلوك السيئ.
لقد دخلنا عصرًا جديدًا من الفوضى. وعلينا أن نستعد ونهيئ أنفسنا، وهو ما يبدأ بالصدق مع أنفسنا بشأن خطورة الوضع الراهن، والاعتراف بأن نظامنا الهشّ يتداعى. وأن الدول بدأت مسبقًا بالتكيف، للأفضل أو الأسوأ. وأن أي مستقبل للتعاون سيتخذ شكلًا مختلفًا.
ما الذي يحدث لأولئك الذين يرفضون التكيف، ويصرّون على أن نظامًا متداعيًا يمكن أن يستمر؟ فلننظر إلى ثلاث ثوراتٍ اندلعت فعلًا، وواحدة لم تحدث.
عشية الثورة الفرنسية، كانت فرنسا، أعظم قوة برية في أوروبا، مفلسة على الأرجح، في ما يعود في جزء كبير منه إلى المبالغ الطائلة التي اقترضتها لمساعدتها في هزيمة البريطانيين في الثورة الأميركية. وقد ضلّت النخب الحاكمة الفاسدة والمسرفة طريقها، وبرزت طبقة وسطى متنامية، وإنما مُستبعدة من السلطة السياسية، تُطالب بالتغيير. وفي قاع المجتمع، كان العمال والفلاحون يواجهون خطر المجاعة ويزدادون بؤسًا ويأسًا.
كانت أفكار جديدة قوية من عصر التنوير تنتشر ويتم تداولها -بعضها مستورد من الثورة الأميركية حول حقوق الإنسان وأنظمة الحكم الجديدة التي تمنح السلطة لبعض أفراد الشعب على الأقل.
في ذلك الوقت، أساء ملوك فرنسا وحاشياتهم فهم عمق السخط الشعبي، وظنوا أنه لا شيء يمكن أن يزعزع مكانتهم وامتيازاتهم. لكنهم كانوا مخطئين: فقد أُطيح بالنظام الملكي، ووُلدت جمهورية فوضوية عنيفة. وفي غضون عقد سيصبح نابليون إمبراطورًا.
ليس ثمة نمط واحد للتغيير الثوري، لكن أولئك الذين في قمة نظام غالبًا ما يخفقون في إدراك مدى هشاشة هذا النظام. كانت الثورة الروسية في العام 1917 نتيجة لهزيمة في الخارج وليس نصرًا مكلفًا. لكن القيصر نيكولاس الثاني أصرّ، على الرغم من كل الأدلة، على عدم الحاجة إلى أي إصلاحات لأن الروس ما يزالون يكنون له الإعجاب. وفي ألمانيا ثلاثينيات القرن العشرين، دعت هتلر إلى السلطة نخب ظنت –خطأً- أنها ستتمكن من استغلاله، وأن النظام القائم قوي بما يكفي لتقييده.
كانت لكل واحدة من هذه الثورات تداعيات دولية عميقة. في فرنسا، قاد نابليون البلد إلى الهيمنة على القارة، محطمًا المؤسسات والأفكار القديمة مثل الحق الإلهي للملوك في الحكم. وبشر البلاشفة، الذين استولوا على السلطة في روسيا، بالأممية الثورية وعززوها، وشنوا حروبًا في جميع أنحاء العالم على الرأسمالية والدول الديمقراطية. وأعاد هتلر تسليح ألمانيا، وغزا معظم أوروبا، وقتل الملايين من اليهود وغيرهم باسم التفوقية الآرية.
في بعض الأحيان، تستطيع الدول وقادتها قراءة المؤشرات في الوقت المناسب. في عشرينيات القرن التاسع عشر، واجهت الحكومة البريطانية ضغوطًا من الطبقة الوسطى التي نشأت حديثًا مع الثورة الصناعية، ولكنها كانت مُستبعدة من صنع القرار السياسي. وأدركت النخبة البريطانية التي شاهدت الكارثة الأخيرة في فرنسا أنها في حاجة إلى التكيف من أجل البقاء. وكان "قانون الإصلاح الكبير" الذي جرى إقراره في العام 1832 صمام أمان وسّع نطاق حق الاقتراع بما يكفي لتجنب أزمة أوسع.
من السهل العثور على أوجه الشبه في عصرنا الحالي. ثمة شعوب غاضبة؛ ونخب غير منتخبة تمتلك ثروات طائلة وسلطة تُخوّلها إخضاع الحكومات لإرادتها؛ قادة يرفضون بناء توافق أو الاستماع إلى النصائح. وعندما سُئل الرئيس ترامب في كانون الثاني (يناير) عما يحدد ويضبط سلطته، أجاب: "أخلاقي الشخصية"؛ وكان الملك لويس الرابع عشر قد ترك فرنسا شديدة الإنهاك بعد الحروب التي خاضها، والتي قال أنها خيضت من أجل "مجده" الخاص.
أمام أولئك الذين يختارون تجاهل إشارات التحذير، ويقللون من شأن التاريخ باعتباره غير ذي صلة بالحاضر، فقد يجدون أنفسهم وقد أخذتهم الدهشة والفزع عندما تضربهم أحداث غير مرغوب فيها على أي حال.
لطالما اعتمد النظام الدولي دائمًا على دعم القوى العظمى وعلى تعاون ودعم عدد كافٍ من القوى الأصغر. وفي نهاية الحرب الباردة، ومع تفكك الاتحاد السوفياتي، بدت الولايات المتحدة مستعدة للاستمرار كضامن لنظام ما بعد العام 1945. لكن هذا لم يعد واقع الحال في عهد الرئيس ترامب.
قد يحدُث، في ظل رئيس مختلف، أن تستأنف الولايات المتحدة دورها كقوة مهيمنة، راغبة وداعمة فاعلة للمؤسسات والأعراف الدولية، وحليفة موثوقة، وخصم شرس للطغاة. وسوف يعود ذلك العالم إلى سابق عهده من السلام كما كان عليه الحال –من بعض النواحي على الأقل- منذ العام 1945. وسوف تواصل القوى العظمى، بما فيها الصين والهند، التعايش السلمي، وسيعيد شيء يُسمى "المجتمع الدولي" التزامه بعمله للقضاء على الفقر والظلم والصراعات وتغير المناخ.
ولكن ماذا لو كنا قد دخلنا فعليًا في المراحل الأولى من فترة مطولة من اللانظام؟ عالم لا يمكننا فيه افتراض أن ما كان صحيحًا بالأمس سيظل صحيحًا غدًا، أو أن المؤسسات التي تبدو راسخة ستصمد. ربما نتوقف عن الشعور بالدهشة مما تحمله لنا الأخبار يوميًا. وتحدث الكوارث الطبيعية -مثل الفيضانات في نيبال والتبت- ولا يكون واضحًا من سيُرسل الفرسان للنجدة. فهل نهز أكتافنا بلامبالاة وندير وجوهنا نمضي في حياتنا كالمعتاد؟ تندلع الصراعات التي يمكن أن تنجرّ إليها قوى عظمى من دون وجود جهة تحكيم واضحة. وتخضع تحالفات موثوقة، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لاختبارات متكررة، وقد تتداعى. وتتوسع الحرب الهجينة الروسية مع أوروبا؛ وقد تتصادم الصين والولايات المتحدة بشأن تايوان؛ كما أن التنافس على الموارد في عالم يزداد احتراراً وجفافاً شرع في تحفيز العنف مُسبقًا.
إننا نعيش في عالم تزداد فيه حالة عدم القدرة على التنبؤ، ونجد أنفسنا فيه، بدرجة تفوق كثيرًا ما كنا نتوقع، رهائن لنزوات قادتنا الذين أصبحوا أقل تقيدًا بالأطر والضوابط الخارجية، وأكثر شعورًا بالحرية في الارتجال واتخاذ القرارات بشكل متدرج وفق ما تقتضيه الظروف. ولذلك ينبغي لنا أن نكون، أكثر من أي وقت مضى، أشد حرصًا في اختيار الذين نمنحهم سلطة اتخاذ القرار، في وقت يبدو فيه الناخبون أقل ميلًا إلى فعل ذلك.
هذه غيومٌ داكنة. لكن نهاية النظام القديم لا تعني بالضرورة نهاية التعاون. إننا ما نزال نمتلك العديد من مكونات نظام عالمي فعّال. لدينا شبكةٌ غنية من المؤسسات الدولية -الكثير منها غير مرئي إلى حدٍّ كبير- والتي تُدير الروابط بين الدول، من الطيران المدني إلى الإنترنت. وما تزال المعاهدات تُحترم إلى حدٍّ كبير. قد يكون إنفاذ القانون الدولي والسيادة والدفاع عنهما صعبًا، لكن الكثيرين منا ما يزالون يستنكرون الانتهاكات. وما يزال وجود رأي عام دولي قادرًا بحد ذاته على ممارسة الضغط على قادتنا. ومع أن العديد من منظمات الهياكل المتلاشية -ومن بينها الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي- تتعرض للاستنزاف وتجفيف الموارد والأهمية باطراد، فإنها ما تزال قائمة على الأقل.
في خطابٍ أثار جدلاً واسعاً في دافوس في كانون الثاني (يناير)، وصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، قبل أشهر من انهيار المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، نهايةَ الهيمنة الأميركية بأنها نهاية "وهمٍ جميل". لكنه أشار إلى أن بإمكان دولٍ أخرى التصدي لهذا الوضع، خاصة إذا ما توحدت في تحالفاتٍ قائمة على قيمٍ وأهدافٍ مشتركة. وفي الوقت الراهن يعمل عددٌ من القوى المتوسطة، بما فيها كندا وأستراليا واليابان، معاً لسد الفراغ الذي خلّفه انسحاب الولايات المتحدة من دورها السابق باعتبارها القوة العظمى الخيِّرة.
والتغيير صعب بالتأكيد. لكن التشبث بالأساليب القديمة قد يكون وهماً خطيراً. في صيف العام 1914، افترض وزير الخارجية البريطاني آنذاك، السير إدوارد غراي، وكثيرون غيره ممن شغلوا مناصبَ نافذة في بريطانيا وعبر أوروبا، أن الأزمة الأخيرة في البلقان ستُحل، كما حدث في أزماتٍ مماثلةٍ من قبل، من خلال مؤتمرٍ للقوى العظمى. لكنه فشل في إدراك مدى سرعة انزلاق أوروبا نحو الحرب، وفي استغلال قوة بريطانيا العظمى للجمع بين الأطراف المختلفة. وقد غيّرت الحرب العالمية الأولى أوروبا والعالم إلى الأبد.
وبحلول العام 1945، كانت بريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وحلفاؤهم قد خاضوا حربين عالميتين وحشيتين في غضون ثلاثة عقود. وعندما وضعوا أسس النظام القائم، فإنهم كانوا واضحين تمامًا بشأن ما يريدون الحيلولة دون حدوثه. كانت الأطر السابقة قد فشلت، وكانوا عازمين على ابتكار نظام جديد غير قابل للفشل.
من المؤكد أن طريق التفاؤل المفرط غير المبرر هو طريق مسدود. لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نفعل ما سبق أن تم فعله مرارًا، وأن نشرع في العملية الشاقة لبناء شيء جديد.
 
*مارغريت ماكميلان Margaret MacMillan: مؤرخة كندية بارزة، متخصصة في التاريخ الإمبريالي البريطاني والعلاقات الدولية والتاريخ السياسي للقرنين التاسع عشر والعشرين. درّست التاريخ في جامعة رايرسون في تورونتو، وكانت عميدة كلية ترينيتي بجامعة تورونتو بين 2002 و2007، ثم تولت منصب عميدة كلية سانت أنتوني في أكسفورد بين 2007 و2017، وهي حاليًا أستاذة فخرية للتاريخ الدولي في أكسفورد وزميلة فخرية في سانت أنتوني. اشتهرت خصوصًا بكتابها "صانعو السلام: مؤتمر باريس للسلام للعام 1919 ومحاولة إنهاء الحرب"، الذي نال عدة جوائز، إلى جانب كتبها "نيكسون والصين"؛ و"الحرب التي أنهت السلام"؛ و"أهل التاريخ".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A New World Order Is Coming. We Aren’t Ready